تعرض الأطفال للعنف في سوريا: بين الموروثات الاجتماعية الخاطئة والتداعيات الجسدية والنفسية
تعتمد كثير من العائلات السورية أسلوب العنف اللفظي والجسدي في تربية أبنائها، اعتقاداً بأن ذلك يسهم في تعليمهم الصواب وتجنب الخطأ، ويساعد في بناء الشخصية التي يتطلعون إليها لأطفالهم، غير أن هذه الأساليب غالباً ما تترك تداعيات خطيرة على المدى القريب والبعيد، تؤثر في حياة الأطفال وتحرمهم من الشعور بالأمان والاستقرار داخل أسرهم.
وتعود دوافع الآباء والأمهات للجوء إلى التعنيف إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها اعتبار الضرب والتوبيخ سلوكاً اعتيادياً ومقبولاً في المجتمع، كما أن نشأة الوالدين في بيئات مارست العنف في التربية تسهم في إعادة إنتاج هذه الممارسات، إلى جانب ضعف الوعي لدى بعض الأهالي بالأضرار الجسدية والنفسية التي قد تلحق بالأبناء نتيجة التعنيف.
كما تلعب طبيعة العلاقة بين الزوجين دوراً مهماً في هذا السياق، لا سيما في حال وجود خلافات مستمرة أو غياب للتفاهم والحوار، ما قد يدفع بعضهما إلى تفريغ الغضب والتوتر في الأبناء، ويضاف إلى ذلك الوضع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه بعض العائلات، وغيرها من الظروف التي قد تسهم في تعرض الطفل للعنف داخل أسرته.
وفي حالات أخرى، تأخذ هذه الأساليب طابعاً انتقامياً، خاصة عندما يكون الوالدان منفصلين، إذ قد يعمد أحدهما إلى تعنيف الطفل وتوثيق ذلك بالصور أو مقاطع الفيديو بهدف الضغط على الطرف الآخر ومعاقبته نفسياً، وقد تكررت مثل هذه الحالات مؤخراً، مع انتشار مقاطع مصورة من هذا النوع عبر منصات التواصل الاجتماعي.
تقول روعة المحمود، وهي مقيمة في أحد مخيمات قاح بريف إدلب الشمالي، إنها كثيراً ما تشاهد جارتها تعنف طفلاتها بشكل قاسٍ، مشيرة إلى حادثة قامت فيها الأم بسحب ابنتها في الشارع من شعرها بسبب حصولها على علامة متدنية في إحدى المواد الدراسية، وتردف أنها حاولت الحديث معها بشأن ذلك، إلا أن الأم طلبت منها عدم التدخل في شؤون عائلتها.
وتوضح المحمود، في حديث لشبكة شام الإخبارية، أن والدة تلك الجارة كانت تتبع الأسلوب ذاته في تربية بناتها، إذ ترى أن الأطفال لا ينبغي تدليلهم لأن الدلال يفسد شخصياتهم حسب رأيها، وتؤكد أنها حاولت مراراً التحدث مع كل من الأم والجدة، لكن محاولاتها لم تلقَ استجابة.
من جانب آخر، تشير منار العبد الله، وهي معلمة في إحدى المدارس السورية، إلى أنها تلاحظ في كثير من الأحيان وجود طلاب يخشون أبسط مشكلة قد تصل أخبارها إلى عائلاتهم، ويبدون حالة من القلق المفرط، خاصة عندما يُطلب استدعاء ولي الأمر من قبل المعلمة أو إدارة المدرسة، وتلفت إلى أن هذه الممارسات تنعكس سلباً على شعور الأطفال بالأمان، وتحرمهم من ممارسة حياتهم بشكل طبيعي.
وتؤكد في حديث لشبكة شام أن الأمر لا يقتصر على الجانب النفسي فحسب، بل يمتد ليؤثر في تحصيلهم الدراسي، إذ إن الدراسة تحتاج إلى قدر من التركيز والاستقرار، في حين أن خوف الطفل المستمر من التعرض للضرب يجعله يعيش حالة من التوتر والتشتت.
في المقابل، يرفض كثير من الأشخاص الصمت إزاء هذه الممارسات، إذ يسعون عند ملاحظتها إلى توثيقها بالصور أو مقاطع الفيديو والتبليغ عنها في محاولة لإنقاذ الأطفال، وعندما تنتشر في منصات التواصل الاجتماعي مقاطع تظهر تعرض أطفال للعنف، يحرص الناشطون على التفاعل معها ويطالبون بمحاسبة المعتدين ووضع حد لهذه الممارسات.
وقد حدث ذلك في إحدى الحالات التي انتشر فيها مقطع مصور لطفل يتعرض للضرب المبرح على يد عمه في حماة، وأثار الفيديو موجة واسعة من التفاعل بين الناشطين الذين طالبوا بمحاسبة المعتدي، قبل أن تعلن الجهات الأمنية اعتقاله، في حين نُقل الطفل إلى المشفى لتلقي العلاج.
ويؤدي التعنيف إلى تداعيات خطيرة قد تلحق بالأطفال على المستويات الجسدية والنفسية والتعليمية، كما قد تتأثر علاقتهم بعائلاتهم لتتحول من مصدر للأمان إلى مصدر للخوف، ما يؤدي إلى فقدان الثقة داخل الأسرة.
يقول فادي النايف، عامل دعم نفسي بالمشفى الجراحي التخصصي في إدلب، إن تكرار انتشار مقاطع تعنيف الأطفال على وسائل التواصل الاجتماعي يعكس وجود خلل عميق في منظومة القيم الأسرية والاجتماعية، وضعفاً في الوعي بأساليب التربية السليمة، إضافة إلى غياب الردع القانوني أو ضعف تطبيقه على أرض الواقع.
ويضيف النايف أن هذه المقاطع تكشف عن تطبيع خطير مع العنف داخل المجتمع، وتحويل معاناة الطفل إلى أداة للانتقام أو الاستعراض أو ما يُسمّى خطأً بـ“التأديب”، مشيراً إلى أن استمرار هذه الظاهرة يشكّل تهديداً حقيقياً للسلام الاجتماعي على المدى البعيد، وقد يساهم في نشوء جيل يعاني من اضطرابات نفسية وسلوكية، ويكون أكثر ميلاً إلى العنف أو الانعزال أو حتى الانخراط في سلوكيات منحرفة مستقبلاً.
ويتابع في تصريح لـ شام، أن العنف يُضعف ثقة الطفل بنفسه وبأسرته والمجتمع من حوله، ويُرسّخ دائرة مغلقة ينتقل فيها السلوك العنيف من جيل إلى آخر، منوهاً إلى أن هذه الممارسات تخلّف تداعيات خطيرة على مختلف المستويات النفسية والجسدية والصحية والتعليمية.
فعلى الصعيد النفسي، يتسبب العنف في شعور الأطفال بالخوف الدائم والقلق والاكتئاب، إضافة إلى ضعف الثقة بالنفس واضطرابات النوم، وقد يصل الأمر في بعض الحالات إلى ظهور ميول عدوانية أو أفكار انتحارية، أما من الناحية الجسدية، فقد يؤدي العنف إلى الإصابة بكدمات وكسور وتشوهات مختلفة، فضلاً عن آثار صحية مزمنة تنتج عن الضغط النفسي المستمر الذي يتعرض له الطفل.
فيما يخص الجانب التعليمي، يكون الطفل المعنَّف معرضاً لضعف التركيز وتراجع التحصيل الدراسي، وقد تنشأ لديه مشاعر النفور من المدرسة مع ارتفاع احتمالية التسرب المبكر، نتيجة عيشه في بيئة غير آمنة تحرم نموّه السليم وتؤثر على قدراته التعليمية والاجتماعية.
ويقترح النايف مجموعة من الحلول للحد من ظاهرة تعنيف الأطفال، تبدأ بتفعيل القوانين وتطبيقها بحزم لحماية الطفل دون تهاون، إلى جانب نشر الوعي المجتمعي بأساليب التربية الإيجابية عبر الإعلام والمدارس ودور العبادة ومنظمات المجتمع المدني.
كما تشمل الحلول توفير خطوط دعم وإبلاغ سرية لحماية الأطفال المعنَّفين، وتأهيل الأهل نفسياً وتربوياً، لا سيما في البيئات المتضررة من الفقر أو النزاعات، عبر ورش عمل وندوات وحوارات.
ويُوجّه فادي النايف رسالة للآباء والأمهات قائلاً إن أطفالهم ليسوا ممتلكات أو أدوات لتفريغ الغضب أو وسيلة للانتقام من الخلافات، وإنما أمانة في أعناقهم، ويؤكد في ختام حديثه أن ما يزرعونه اليوم في نفوس الأبناء سيترجم غداً "سلوكاً ومواقف".