الحرب الإسرائيلية الأمريكية مع إيران تلقي بظلالها على الاقتصاد السوري
بدأت تداعيات الحرب الإسرائيلية الأمريكية مع إيران تنعكس تدريجياً على الاقتصاد السوري، في وقت كانت فيه البلاد تشهد تحسناً نسبياً في بعض المؤشرات الخدمية خلال الأشهر الماضية، ولا سيما في قطاع الكهرباء.
غير أن تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط واضطراب إمدادات الطاقة في المنطقة أعادا الضغوط الاقتصادية إلى الواجهة، لتظهر آثارها في تراجع ساعات التغذية الكهربائية وارتفاع أسعار السلع الأساسية وزيادة تكاليف الإنتاج والنقل.
وتأتي هذه التطورات في ظل اقتصاد لا يزال هشاً بعد سنوات طويلة من الأزمات، ما يجعل أي اضطراب في أسواق الطاقة أو طرق التجارة الإقليمية ينعكس بسرعة على الداخل السوري.
الكهرباء أول المتأثرين بالحرب الإقليمية
كان قطاع الكهرباء من أول القطاعات التي تأثرت بتداعيات التصعيد العسكري في المنطقة، نظراً لاعتماده على الغاز الطبيعي لتشغيل عدد من محطات التوليد.
وكانت سوريا قد بدأت مطلع عام 2026 بالحصول على إمدادات من الغاز عبر الأردن لدعم إنتاج الكهرباء، في إطار ترتيبات إقليمية هدفت إلى تحسين واقع التغذية الكهربائية بعد سنوات من التقنين الطويل.
إلا أن التصعيد العسكري في المنطقة أدى إلى اضطراب هذه الإمدادات وتراجع كميات الغاز الواصلة إلى محطات التوليد، ما انعكس مباشرة على إنتاج الكهرباء في البلاد.
تحسن مؤقت في التغذية قبل عودة التقنين
خلال الأشهر الأولى من عام 2026، شهدت منظومة الكهرباء تحسناً نسبياً مقارنة بالسنوات السابقة، إذ ارتفعت الطاقة المنتجة من نحو 1600 ميغاواط ساعي إلى أكثر من 3000 ميغاواط ساعي بعد وصول إمدادات إضافية من الغاز.
وانعكس هذا التحسن على ساعات التغذية الكهربائية، التي وصلت في بعض المناطق إلى ما بين 12 و20 ساعة يومياً بعد سنوات طويلة من التقنين القاسي الذي كان يصل في بعض الفترات إلى نحو 20 ساعة قطع يومياً.
لكن مع تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة، تراجعت إمدادات الغاز المخصصة لمحطات التوليد، بالتزامن مع خفض الإنتاج في بعض المحطات لإجراء أعمال صيانة دورية، ما أدى إلى عودة زيادة ساعات التقنين في عدة محافظات.
اضطراب أسواق الطاقة يزيد الضغط على الاقتصاد السوري
أدى التصعيد العسكري في الشرق الأوسط إلى اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة العالمية، إذ يمر نحو 20% من تجارة النفط والغاز العالمية عبر مضيق هرمز، ما يجعل أي توتر عسكري في المنطقة عاملاً مؤثراً في الأسعار وسلاسل الإمداد.
وتزامن التصعيد مع تقلبات في أسعار النفط وتذبذب إمدادات الغاز في المنطقة، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على الدول التي تعتمد جزئياً على الاستيراد لتأمين احتياجاتها من الطاقة، ومنها سوريا.
ويرى خبراء اقتصاديون أن ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً ينعكس سريعاً على الاقتصاد السوري، سواء عبر زيادة تكاليف النقل والشحن أو من خلال ارتفاع أسعار الوقود والمواد الأولية، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات في الأسواق المحلية.
ارتفاع الأسعار يطال الأسواق السورية
لم تقتصر تداعيات الحرب الإقليمية على قطاع الطاقة فقط، بل امتدت سريعاً إلى الأسواق المحلية، حيث بدأت أسعار العديد من السلع الغذائية والاستهلاكية بالارتفاع منذ بداية التصعيد العسكري في المنطقة.
ويقدّر تجار في أسواق دمشق أن الزيادات في أسعار بعض السلع تراوحت بين 10 و50 بالمئة خلال الأسابيع الماضية، متأثرة بارتفاع تكاليف النقل والطاقة وحالة عدم الاستقرار في الأسواق.
وسجلت بعض المواد الغذائية ارتفاعات ملحوظة، إذ ارتفع سعر كيلو صدور الدجاج في بعض الأسواق من نحو 350 ليرة إلى 550 ليرة، كما ارتفع سعر كيلو لحم الخاروف من نحو 1600 ليرة إلى 2500 ليرة، فيما صعد سعر كيلو الطماطم من نحو 40 ليرة إلى 150 ليرة.
ويرى خبراء في الاقتصاد أن الاقتصاد السوري يتأثر سريعاً بالتوترات الإقليمية، مشيراً إلى أن ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل يؤدي إلى زيادة التضخم في الأسواق المحلية وتراجع القدرة الشرائية.
تكاليف الإنتاج ترتفع والقطاعات الاقتصادية تتأثر
مع تراجع التغذية الكهربائية، تلجأ العديد من المصانع والورش إلى الاعتماد على المولدات الخاصة والوقود البديل مثل المازوت والفيول لتأمين احتياجاتها من الطاقة.
ويؤدي ذلك إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج بشكل ملحوظ، ما يدفع بعض المنشآت الصناعية إلى رفع أسعار منتجاتها أو تقليص ساعات العمل.
كما تتأثر قطاعات اقتصادية متعددة بهذه التطورات، ولا سيما الصناعات الغذائية ومواد البناء، التي تعتمد بشكل كبير على توفر الطاقة في عمليات الإنتاج.
ثروات نفطية وغازية غير مستثمرة بالكامل
ورغم امتلاك سوريا احتياطيات مهمة من النفط والغاز، فإن الاستفادة منها ما تزال محدودة بسبب الأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية خلال سنوات الحرب.
فقد كان إنتاج النفط السوري قبل عام 2011 يناهز 380 ألف برميل يومياً، قبل أن يتراجع بشكل كبير خلال سنوات الصراع نتيجة تضرر الحقول وخطوط النقل ومحطات المعالجة.
وتتركز معظم الحقول النفطية في محافظتي دير الزور والحسكة، وهي مناطق كانت خاضعة لسيطرة ميليشيا قسد خلال السنوات الماضية.
وبعد عودة عدد من هذه الحقول إلى إدارة الحكومة السورية، بدأت عمليات إعادة تشغيلها تدريجياً، إلا أن قطاع النفط ما يزال يواجه تحديات كبيرة.
وخلال فترة سيطرة ميليشيا قسد على هذه الحقول، انتشرت عمليات الاستخراج والتكرير البدائي للنفط عبر ما يُعرف بـ"الحراقات"، وهي منشآت بدائية تستخدم لتكرير النفط بطرق غير صناعية.
وقد أدت هذه الأساليب إلى تضرر بعض الآبار والمنشآت النفطية، إضافة إلى تراجع كفاءة الإنتاج وتلوث واسع في المناطق المحيطة بالحقول.
كما أن العديد من خطوط النقل ومحطات المعالجة تحتاج إلى إعادة تأهيل شاملة بعد سنوات من الإهمال والدمار، ما يجعل عودة الإنتاج إلى مستوياته السابقة عملية تحتاج إلى استثمارات كبيرة وتقنيات متقدمة.
أزمة الغاز المنزلي تضاعف الأعباء المعيشية
إلى جانب أزمة الكهرباء، يواجه السوريون أيضاً صعوبات متكررة في الحصول على الغاز المنزلي المستخدم للطهي.
وتقدّر حاجة البلاد اليومية من الغاز المنزلي بنحو 1700 طن يومياً، أي ما يعادل نحو 170 ألف أسطوانة غاز، في حين لا تكفي الكميات المتوافرة أحياناً لتغطية كامل الطلب، خصوصاً خلال فترات زيادة الاستهلاك.
وتؤدي هذه الفجوة إلى تأخر وصول أسطوانات الغاز إلى المواطنين في بعض المناطق، كما ترتفع أسعارها في السوق غير النظامية، ما يضيف عبئاً إضافياً على الأسر التي تعاني أصلاً من ارتفاع تكاليف المعيشة.
ضغوط معيشية متزايدة على الأسر السورية
مع ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، تتزايد الضغوط المعيشية على الأسر السورية.
وتشير تقديرات إلى أن إعداد وجبة غذاء بسيطة قد يكلف نحو 100 ألف ليرة سورية في بعض الحالات، وهو مبلغ مرتفع مقارنة بدخول الكثير من الموظفين والمتقاعدين.
كما أن ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل ينعكس على أسعار معظم السلع في الأسواق المحلية، ما يزيد من الأعباء الاقتصادية على المواطنين.
مخاوف من تباطؤ الاستثمار وتوسع الأزمة الاقتصادية
يرى محللون اقتصاديون أن استمرار الحرب في المنطقة قد يوسع دائرة التأثير لتشمل قطاعات أوسع من الاقتصاد السوري.
فارتفاع تكاليف الطاقة وعدم استقرار الأسواق قد يدفع بعض المستثمرين إلى إعادة تقييم مشاريعهم أو تأجيلها، خاصة في القطاعات الصناعية والطاقة.
وفي حال استمرت الاضطرابات الإقليمية لفترة أطول، فقد يواجه الاقتصاد السوري تحديات إضافية تتعلق بارتفاع التضخم وتراجع النشاط الاقتصادي، في وقت لا تزال فيه البلاد تحاول تثبيت مؤشرات التعافي بعد سنوات طويلة من الأزمات.