قسد تروّج للعمليات الانتـ ـحارية في الشيخ مقصود وتسوّقها كأفعال بطولية
روّجت المنصات الإعلامية التابعة لقوات سوريا الديمقراطية قسد، عبر تقرير مطوّل بثّه موقع وقناة روناهي، لرواية تمجّد مقتل خمسة من عناصرها في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب، مقدّمة إياهم على أنهم “فدائيون” و”شهداء مقاومة”، في خطاب دعائي يتعمّد إخفاء طبيعة ما جرى فعليًا ويحوّل القتل والانتحار إلى فعل بطولي.
ولم يكتفي ما سمّي “قيادة قوى الأمن الداخلي”، بإعلان أسماء القتلى الخمسة، بل قدّم سردًا تفصيليًا مشحونًا بالأيديولوجيا، تضمّن اعترافًا صريحًا باستعدادهم لتنفيذ تفجير جماعي عند نفاد الذخيرة، عبر حديث مباشر عن “قنبلة جاهزة” وقرار مسبق باللجوء إلى ما وصفه بـ“العملية الفدائية” في حال تطويقهم، وهو توصيف يطابق، وفق المعايير القانونية والحقوقية، تعريف العمليات الانتحارية مهما جرى التلاعب بالمصطلحات.
ويكشف النص، من خلال ما أورده على لسان إحدى القتيلات، عن عقلية تنظيمية تقوم على تقديس الموت وتحويله إلى خيار قتالي مقصود، إذ يؤكد التقرير أن المجموعة كانت قد حسمت قرارها بالقتال “حتى النفس الأخير” ورفض أي إمكانية للاستسلام، في سرد يتقاطع مع أدبيات الجماعات المتطرفة التي تستخدم التفجير والأحزمة الناسفة لقتل نفسها ومن حولها.
كما يتعمّد التقرير تجاهل أي إشارة إلى وضع المدنيين في حي الشيخ مقصود والأشرفية، أو المخاطر التي يفرضها هذا النوع من العمليات داخل أحياء مأهولة، مقابل الإغراق في تمجيد ما يسميه “الكرامة” و”الروح الثورية”، في محاولة واضحة لنزع الصفة الجرمية عن أفعال تُعرّض حياة السكان للخطر، وتخالف بوضوح قواعد القانون الدولي الإنساني التي تحظر اللجوء إلى وسائل قتالية عشوائية أو تفجيرات في مناطق مدنية.
ووفق ما أورده التقرير، فإن القتلى الخمسة هم دنيز تشيا المعروفة باسم زينب كردلي (وهي القناصة التي تم رميها لاحقا من أحد الأبنية، ولاقى هذا الفعل انتقادات حقوقية)، وأيضا هَوَار قنديل واسمه الحقيقي داوود محمد، وروجبين أمارة واسمها وداد مامو، ودلبيرين قامشلو واسمه روجكار نوحي، وفراشين عفرين واسمها مريم هورو، وجميعهم قُتلوا يوم العاشر من كانون الثاني 2026 في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب.
وأشار التقرير إلى رسالة نُسبت إلى زينب كردلي، قالت فيها إن مجموعتها تتعرض لهجوم من الجيش السوري، موضحة أنهم واجهوا تلك الهجمات بوسائل متعددة قبل أن تنفد ذخيرتهم، ما دفعهم إلى استخدام ما تبقى لديهم بحذر.
وأضافت، بحسب ما ورد في الرسالة، أنهم تلقوا دعوات للاستسلام، إلا أنها أكدت رفضهم لذلك، مشددة على أنهم سيواصلون القتال حتى “آخر نفس”. وذكرت الرسالة أيضًا نية المجموعة تنفيذ ما وصفته بـ“عملية انتحارية” في حال نفاد الذخيرة بالكامل، معتبرة أن ما سمّته “حماية كرامة الشعب” يتقدم على أي اعتبار آخر.
تحاول هذه الدعاية، وفق ما يظهر في مضمونها وتوقيتها، دفع عناصر قسد إلى حالة تعبئة نفسية وتطبيع مسبق مع هذا النوع من الأفعال، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى منطقة دير حافر شرقي حلب، على وقع تصاعد التوتر الميداني وتحرك تعزيزات عسكرية لقوات قسد بالتوازي مع حشود للجيش السوري في محيط المنطقة.
يرى مراقبون أن هذا النمط من التغطية يندرج ضمن وظيفة إعلامية ثابتة تؤديها منصات قسد لتبييض ممارساتها المسلحة، عبر إعادة إنتاج العنف والانتحار في صورة فعل أخلاقي مشروع، في مسعى واضح لاستقطاب عناصر جدد، ولا سيما من فئة الشباب والنساء، وبينهم قاصرون، من خلال خطاب عاطفي يستثمر سردية المظلومية الكردية ويعيد توظيفها لأغراض تعبئة وتحريض.
ويعكس التقرير، بصيغته ومضامينه، نموذجًا صارخًا على كيفية توظيف الإعلام الحزبي لتشويه الوقائع، وتقديم العمليات الانتحارية كخيار “مشروع” و”مشرّف”، في انتهاك واضح لكل المعايير الصحفية والمبادئ الإنسانية، ما يضع هذه الطغمة المسلحة التابعة لقوات سوريا الديمقراطية أمام مسؤولية مباشرة عن الترويج للعنف المنظّم.