محليات
٢١ مارس ٢٠٢٦
نوروز 2026.. أول احتفال جامع للكرد في عموم سوريا يؤكد وحدة البلاد وتنوعها

شهدت سوريا هذا العام حدثاً غير مسبوق في تاريخها الحديث، مع إحياء عيد النوروز لأول مرة على امتداد الجغرافيا السورية، في مشهد عكس تحولات عميقة في بنية الدولة والمجتمع، ورسّخ حضور التنوع الثقافي بوصفه ركيزة من ركائز الهوية الوطنية الجامعة.

وجاءت الاحتفالات في سياق تطبيق المرسوم رقم (13) لعام 2026، الذي أقرّ بعيد النوروز عطلة رسمية، وأكد أن المواطنين السوريين الكرد جزء أصيل من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية تشكّل مكوّناً أساسياً في الهوية الوطنية السورية.

احتفالات تمتد من قاسيون إلى الشمال… حضور وطني واسع

اتسمت احتفالات هذا العام بطابعها الشامل لأول مرة في سوريا، حيث لم تقتصر على مناطق الشمال الشرقي أو المدن ذات الغالبية الكردية، بل امتدت إلى قلب العاصمة دمشق، في مشهد غير مسبوق.

وشهدت مناطق مثل جبل قاسيون، والمزة، وركن الدين في دمشق، إضافة إلى عفرين وعين العرب (كوباني) في ريف حلب، ومناطق شمال شرقي سوريا، فعاليات احتفالية واسعة، عكست أجواء من الفرح والانفتاح، وكرّست حضور النوروز كعيد جامع.

وتضمنت الاحتفالات طقوساً فلكلورية مميزة، أبرزها إشعال النيران على المرتفعات، وأداء الدبكات الكردية، وارتداء الأزياء التقليدية، إلى جانب مائدة العيد التي تضم سبعة أطعمة تبدأ بحرف السين، في رمزية متوارثة تعبّر عن الخصوبة والتجدد.

كما حضرت الفعاليات الفنية والغنائية التي استلهمت التراث الكردي، في مشهد عكس استمرارية الثقافة عبر الأجيال، واندماجها ضمن الفضاء السوري العام.

يحمل نوروز هذا العام دلالة استثنائية، كونه يأتي بعد عقود من التضييق على الاحتفال بهذه المناسبة، حيث كان يُقابل في مراحل سابقة بإجراءات أمنية واعتقالات.

اليوم، يعكس المشهد تحولاً جذرياً، مع انتقال النوروز من مناسبة مقيدة إلى عيد رسمي معترف به، في خطوة تؤكد تغير مقاربة الدولة تجاه التنوع الثقافي، وتفتح المجال أمام إعادة تعريف العلاقة بين المكونات السورية على أسس أكثر شمولاً.

وأكدت شخصيات كردية مشاركة في الاحتفالات أن ما جرى يمثل انتصاراً معنوياً بعد سنوات من الحرمان، مشددين على أن العيد لم يعد حكراً على مكوّن بعينه، بل أصبح مناسبة وطنية لكل السوريين.

النوروز كرمز للوحدة… رسالة تماسك مجتمعي

في دلالاته الأعمق، حمل النوروز هذا العام رسالة واضحة تتجاوز البعد الاحتفالي، ليصبح تعبيراً عن تماسك المجتمع السوري وقدرته على استيعاب تنوعه.

وأشار مشاركون إلى أن مشهد الاحتفال في دمشق، إلى جانب باقي المناطق، يعكس انتقال النوروز من إطار الهوية الخاصة إلى فضاء الهوية الوطنية الجامعة، مؤكدين أن التلاحم بين المكونات يشكل اليوم أحد أبرز عناصر القوة في سوريا الجديدة.

كما ارتبطت رمزية العيد، القائمة على اليوم الجديد وانتصار النور على الظلام، بالتحولات السياسية والاجتماعية التي تعيشها البلاد، في ظل مرحلة إعادة بناء الدولة وترسيخ مفهوم المواطنة.

ورغم الأجواء الإيجابية، لم تخلُ المناسبة من بعض الحوادث التي أثارت جدلاً، حيث تداول ناشطون مقطعاً يُظهر قيام أنصار ميليشيا حزب العمال الكردستاني بإنزال علم الجمهورية العربية السورية والدوس عليه في مدينة عين العرب.

وأثارت هذه الحادثة موجة استنكار واسعة بين الأهالي، الذين اعتبروا أن مثل هذه التصرفات تمثل إساءة لرمز وطني، ومحاولة لاستثمار المناسبة في سياق سياسي ضيق، يتناقض مع روح العيد ورسائله في المقابل، برزت ردود فعل شعبية تؤكد رفض هذه الممارسات، والتشديد على أن النوروز يجب أن يبقى مناسبة جامعة تعكس وحدة السوريين، لا منصة لإثارة الانقسام.

بين الرمزية والواقع… الكرد ينالون حقوقهم ضمن الدولة

يعكس الاحتفال الواسع بالنوروز هذا العام مؤشراً واضحاً على تحسن موقع الكرد في المشهد السوري، في ظل الاعتراف الرسمي بهويتهم الثقافية، ودمجها ضمن الإطار الوطني، ويرى مراقبون أن تطبيق المرسوم (13) يشكّل خطوة عملية نحو تعزيز مفهوم المواطنة، من خلال ضمان الحقوق الثقافية لمختلف المكونات، بما يساهم في بناء دولة قائمة على التعددية والتكامل.

ويأتي إقرار عيد النوروز مناسبة وطنية في سوريا في إطار التحولات التي شهدتها البلاد بعد التحرير، حيث صدر المرسوم الجمهوري رقم 13 بتاريخ الـ 16 من كانون الثاني 2026، والقاضي باعتبار يوم الـ 21 من آذار عطلة رسمية بهذه المناسبة، في خطوة تعكس الاعتراف بالتنوع الثقافي في المجتمع السوري وتطور النظرة إلى الموروث الثقافي للكرد، بعد سنوات من القيود التي طال الاحتفال بها.

ويصادف السبت اليوم، 21 ٱذار/مارس، عيد النوروز، أحد أهم المناسبات الاجتماعية والثقافية لدى الشعب الكردي، التي تمثل رمزاً للحياة والتعايش والتكافل الاجتماعي، ويُعد جزءاً أصيلاً من التراث الكردي، ومن مظاهر التنوع الثقافي الذي يثري المجتمع السوري ويمنحه مزيداً من الجمال والغنى.

عيد النوروز سببه وتاريخه 
 
ويُعتبر هذا العيد من أقدم المناسبات في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، إذ تمتد جذوره لآلاف السنين، وقد احتفلت به شعوب عدة كالفُرس والكُرد وبعض شعوب آسيا الوسطى باعتباره بداية عام جديد وفق التقويم الشمسي. ويحمل اسم “نوروز” دلالة “اليوم الجديد”، في إشارة إلى انطلاق دورة جديدة في الطبيعة والحياة.

ترتبط مناسبة “نوروز” بالعديد من الحكايات والأساطير الشعبية، من أبرزها الرواية الكردية التي تروي قصة الحداد “كاوا”، الذي تمرّد على الملك الظالم “الضحّاك”، والذي كان، بحسب الموروث الشعبي، يقتل الأطفال لإطعام الأفاعي التي تنمو على كتفيه.


تذكر الأسطورة أن “كاوا” نجح في القضاء على “الضحّاك”، وأشعل النيران فوق قمم الجبال إعلاناً للنصر وبداية مرحلة جديدة من الحرية، ومنذ ذلك الحين غدا إشعال النار في ليلة “نوروز” رمزاً للغلبة على الظلم واستقبال حياة جديدة. 

النوروز في عهد الأسد 

لطالما واجه الأكراد أشكالاً من القمع خلال حكم نظام الأسد فيما يخص الاحتفال بمناسبة “نوروز”، إذ كانت الأجهزة الأمنية للنظام السابق تتعامل مع هذه الفعاليات بحساسية بالغة، وغالباً ما تعكر أجواء الاحتفالات وتمنع التجمعات المرتبطة بها.

سبق أن تعرّض عدد من المواطنين الأكراد للملاحقة الأمنية خلال سنوات حكم نظام الأسد، نتيجة مشاركتهم في احتفالات “نوروز” أو رفع الرموز الثقافية الكردية.

مرسوم رئاسي يعترف بحقوق الأكراد ويُقرّ النوروز عطلة رسمية

بعد سقوط النظام البائد، زالت العقبة التي كانت تمنع الأكراد من حقوقهم، وأفسح المجال لهم لممارسة طقوسهم الاجتماعية والثقافية، وفي هذا السياق أصدر الرئيس أحمد الشرع، في منتصف الشهر الأول من العام الجاري، المرسوم الرئاسي رقم (13) لعام 2026، الذي نصّ على اعتبار المواطنين السوريين الكرد جزءاً أساسياً وأصيلاً من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية تُعدّ جزءاً لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحّدة.

وأكد المرسوم التزام الدولة بحماية التنوع الثقافي واللغوي، وضمان حق المواطنين الكرد في إحياء تراثهم وفنونهم وتطوير لغتهم، في إطار السيادة الوطنية ووحدة البلاد، كما أقرّ اعتماد اللغة الكردية لغة وطنية، والسماح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة ضمن المناطق التي يشكّل فيها الكرد نسبة ملحوظة من السكان، سواء ضمن المناهج الاختيارية أو في إطار النشاطات الثقافية والتعليمية.

وشمل المرسوم إلغاء جميع القوانين والتدابير الاستثنائية التي ترتّبت على إحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة، ومنح الجنسية السورية لجميع المواطنين من أصول كردية المقيمين على الأراضي السورية، بمن فيهم مكتومو القيد، مع مساواتهم التامة في الحقوق والواجبات.

ونصّ المرسوم أيضاً على اعتبار عيد النوروز (آذار) عطلة رسمية مدفوعة الأجر في جميع أنحاء الجمهورية، بصفته عيداً وطنياً يعبّر عن الربيع والتآخي بين مختلف مكوّنات المجتمع السوري.

ترحيب المجتمع الكردي بالمرسوم

أحدث ذلك المرسوم صدى واسعاً لدى المجتمع الكردي في سوريا، إذ اعتُبر خطوة تاريخية نحو الاعتراف بهويتهم الثقافية واللغوية وحقهم في ممارسة تراثهم بحرية، فاعتبار عيد النوروز عطلة رسمية مدفوعة الأجر لم يكن مجرد إجراء إداري، بل يحمل دلالة رمزية قوية على الاعتراف بالوجود التاريخي للأكراد في النسيج الوطني السوري وتقدير مساهمتهم في التنوع الثقافي للبلاد.

ورحب كثير من الأكراد بهذا القرار باعتباره إنصافاً تاريخياً بعد عقود من التجاهل والتهميش، وأكدوا أن الاعتراف بالمرسوم يعكس إرادة الدولة في تعزيز التعايش والتنوع الثقافي.

كما اعتبر المجتمع الكردي أن هذا الإجراء يعزز الهوية الوطنية الموحدة مع احترام خصوصيات المكوّنات الثقافية المختلفة، ويتيح لهم الاحتفال بعيد النوروز بوصفه مناسبة وطنية وحقاً مكتسباً ضمن إطار الدولة، بعيداً عن أي قيود أو ممارسات تمييزية كانت قائمة سابقاً.

ويحمل الاحتفال بعيد النوروز هذا العام أهمية خاصة، كونه أول احتفال بعد الاعتراف الرسمي من قبل الحكومة السورية بهذا العيد، ما يمنح الأكراد شعوراً بالاعتراف بهويتهم وتراثهم ولغتهم، ويعزز انتماءهم للمجتمع السوري، كما يتيح لهم الاحتفال بشكل علني، ما يخلق شعوراً بالحرية والمساواة بعد سنوات من التهميش بسبب الأسد.

اقرأ المزيد
٢١ مارس ٢٠٢٦
تصريحات قبوات وبطيخة تشعل سجالاً حول الهوية والتنوع في سوريا

أثارت التصريحات الصادرة عن وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات، وكلمة المطران إيسيدور بطيخة، تفاعلاً واسعاً تجاوز مضمون قرار محافظة دمشق تقييد بيع وتقديم المشروبات الكحولية في ثلاثة أحياء يغلب عليها الطابع المسيحي، ليتحوّل إلى سجال مفتوح حول الخطاب العام وحدود التعبير وقضايا الهوية والتنوع في سوريا.

وجاء النقاش بعد أن انتقدت الوزيرة القرار، معتبرة أنه يمسّ بالتنوع الاجتماعي والثقافي الذي تتميز به سوريا، وقالت قبوات، عبر صفحتها في "فيسبوك"، إن المسيحيين في سوريا هم سكانها الأصليون، هم الذين حافظوا على دينهم السماوي عبر السنين، ووقفوا ضد المستعمرين لوطنهم. آمنوا أن الثقافة والعلم يبنيان البلاد". 

وأضافت "في أيام الثورة، هم من وقفوا معها لم يستخدموا أسمائهم المستعارة، ناضلوا ووقفوا مع المظلومين دون خوف، والباقي فضل الصمت ولم يحمل السلاح للقتل"، "المسيحيون في سوريا هم أدباؤها ومثقفوها، أطباؤها وكتابها. مناطقنا ليست أماكن للمشروبات والكحول، بل هي قلب دمشق وتاريخها المشرق، ومكان للعيش المشترك. مبادئنا الحب، واحترام التنوع، هي أخلاقنا"، بحسب تعبير الوزيرة.

ومع اتساع دائرة النقاش على مواقع التواصل الاجتماعي، برزت ردود فعل ناقدة لمنشور الوزيرة بشكل لافت، شكّلت القسم الأكبر من التفاعل، مقابل مواقف مؤيدة وأخرى تحليلية حاولت مقاربة المشهد بصورة أكثر توازناً.

وتصدّرت المنشورات الناقدة المشهد، واتسمت بتنوعها وحدّتها، حيث برزت مواقف لعدد من الإعلاميين والكتّاب والناشطين وانتقد مدير الإعلام الحكومي بحمص "سامر السليمان" طريقة طرح الوزيرة، معتبراً أنه كان من الأجدى معالجة الموضوع عبر القنوات الحكومية، لا عبر منشور علني، كما أشار إلى أن تصوير دور مكوّن بعينه خلال الثورة بصورة مثالية يتجاهل وجود تباينات داخل كل مكونات المجتمع.

من جهته، وصف الصحفي "غسان ياسين" خطاب قبوات بأنه مستفز منتقداً ما اعتبره خروجاً عن موقعها كوزيرة إلى خطاب يُفهم على أنه تمثيل لمكوّن ديني بعينه، وهو ما أثار، بحسب رأيه، حساسية غير ضرورية في الشارع.

أما الشاعر "حذيفة العرجي"، فقد ذهب إلى نقد أكثر حدّة، متسائلاً عن إنجازات الوزيرة، وواصفاً تصريحها بأنه يحمل “لغة استفزازية” وطرحاً غير دقيق، معتبراً أن الخطاب افتقر إلى التوازن المطلوب في موقع مسؤولية.

وفي السياق ذاته، ركّز الدكتور مهند الأصبحي على تفنيد فكرة السكان الأصليين مقدماً قراءة تاريخية اعتبر فيها أن سوريا شهدت تعاقب حضارات وأديان متعددة، وأن ربط الأصالة بدين معين يُعد تبسيطاً مخلّاً للواقع التاريخي المعقد.

كما عبّر عدد من الناشطين عن مواقف ناقدة مشابهة، حيث استعرضوا تسلسلاً تاريخياً للشعوب التي سكنت سوريا، في محاولة للرد على توصيفات الهوية المطروحة، مؤكدين أن الهوية السورية نتاج تراكمي لا يمكن اختزاله بإطار واحد.

في سياق التفاعل، ظهرت أصوات مؤيدة دافعت عن تصريحات قبوات، من بينها الكاتب محيي الدين لاذقاني الذي اعتبر أن ما طرحته يستند إلى قراءة تاريخية معروفة لدور المسيحيين في النهضة الثقافية السورية، مستحضراً أسماء شخصيات أدبية وفكرية لعبت دوراً بارزاً في التاريخ الحديث.

كما قدّم فراس طلاس موقفاً أقرب إلى اللاذقاني، حيث رأى أن الانتقادات الموجهة للوزيرة مبالغ فيها، معتبراً أن الإشكالية الأساسية تكمن في القرار نفسه وطريقة إصداره، لا في التعليق عليه، مشدداً على أن “قولبة” مناطق معينة بهذا الشكل كانت الخطأ الأكبر.

في حين قدّم لبيب النحاس طرحاً تحليلياً اعتبر فيه أن انتقاد القرار في حد ذاته مبرر، لكنه أشار إلى إشكالية طرح الوزيرة لموقفها بشكل علني، لافتاً إلى أن القضية تعكس غياب رؤية واضحة في إدارة التنوع، وضعفاً في آليات التشاور مع المكونات المعنية.

كما رأى أن الجدل القائم يكشف عن أزمة أعمق تتعلق بطريقة تعريف الحقوق والحريات في سوريا، وغياب إطار جامع يحدد العلاقة بين الدولة ومكوناتها المختلفة.

أما تصريحات المطران إيسيدور بطيخة، فقد لاقت تفاعلاً لافتاً، حيث حظي طرحه المتعلق بالمواطنة المتساوية بقبول نسبي، خاصة تأكيده على ضرورة تطبيق القوانين بشكل شامل دون تمييز.

في المقابل، واجهت دعوته إلى اعتصام سلمي انتقادات من بعض الأصوات التي رأت أن اللجوء إلى الشارع في مثل هذه القضايا قد يفتح الباب أمام توترات غير محسوبة، ويفضل أن تتم المعالجة عبر الأطر المؤسسية والحوار المباشر.

هذا وتعكس ردود الفعل على تصريحات قبوات وبطيخة حالة من الحراك النقاشي المكثف داخل المجتمع السوري، حيث تصدّرت الأصوات الناقدة المشهد، مدفوعة باعتبارات تتعلق بالخطاب والمضمون والموقع الرسمي، وبينما ظهرت مواقف مؤيدة وتحليلية، فإن الجدل بمجمله كشف عن حساسية عالية تجاه قضايا الهوية والتنوع، وعن حاجة متزايدة إلى خطاب متوازن يراعي تعقيدات الواقع السوري ويحدّ من الاستقطاب.

اقرأ المزيد
٢١ مارس ٢٠٢٦
زيارة القبور في أيام العيد: طقس اجتماعي متوارث واستحضار لذكرى الراحلين

يحافظ السوريون خلال الأعياد على تقليد زيارة المتوفين من أفراد العائلة والأقارب والأصدقاء، كإحدى أبرز العادات المجتمعية المتوارثة في البلاد، إذ تمثل هذه الزيارة فرصة لاستذكار الأحبة والعناية بمكان دفنهم، بما يعكس ارتباط المجتمع بتراثه وقيمه الإنسانية.

غالباً ما يبدأ السوريون هذا الطقس في الصباح الباكر من أول أيام العيد، حاملين معهم الماء ونبات الريحان الذي يضفي رائحة زكية ولوناً أخضر، فيمكثون عند القبور، يسقونها وينظفونها من الأعشاب اليابسة، ويقرؤون لها الفاتحة وآيات قرآنية، داعين للمتوفى بالرحمة والمغفرة.

تعلم السوريون هذه العادة من أجدادهم وتمسكوا بها لأسباب عدة، أبرزها الحفاظ على القبور والعناية بها واستحضار ذكرى الراحلين بمناسبة العيد والدعاء لهم وتنظيف شواهدهم، وفي الوقت نفسه لتعليم أبنائهم قيم الاحترام والتقدير للأجيال السابقة حتى وإن رحلوا، ما يجعل زيارة المقابر فرصة لتعزيز الذاكرة الجماعية والوفاء للراحلين.

ولا تقتصر دوافع زيارة القبور على البعد الاجتماعي والإنساني، بل تستند أيضاً إلى خلفية دينية يشجّع عليها علماء الدين، لما تحمله هذه الزيارة من دلالات إيمانية وتربوية، إذ تذكّر الإنسان بالموت والآخرة وبحتمية الرحيل وقِصر الحياة، ما يدفعه إلى مراجعة نفسه والابتعاد عن الذنوب والعمل للآخرة.

كما تتيح فرصة للدعاء للميت وطلب الرحمة والمغفرة له، وهو ما يُعدّ من مظاهر البرّ بالميت حتى بعد وفاته، فضلاً عن أنها تدفع الإنسان إلى الاتعاظ والاعتبار وتقلّل من تعلّقه بالدنيا، وتحثّه على التواضع والتفكير في نهاية كل إنسان.

في الوقت الذي يشكل فيه هذا الطقس جزءاً من عادات العيد، يظل كثير من السوريين محرومين منه، ويعتبر بالنسبة لهم أمراً مستحيلاً أو بعيد المنال، ومن بينهم عوائل الشهداء الذين فقدوا أبنائهم في سجون النظام البائد، حيث استشهد الأبناء تحت التعذيب أو الإعدامات الميدانية، وتم دفنهم في مقابر جماعية مجهولة.

إلى جانبهم، هناك أسر الشهداء الذين ارتقوا في المعارك ضد قوات الأسد، ولم يتمكنوا من الوصول إلى جثامين أبنائهم لإحضارها ودفنها بشكل لائق، إضافةً إلى السوريين الذين فقدوا حياتهم في البحار أو اختفوا في الغابات وغيرها من السيناريوهات المأساوية التي حدثت خلال رحلات اللجوء.

وينطبق الأمر على الذين هاجروا خارج سوريا خلال سنوات الثورة وتوفي أحد أفراد عائلتهم أثناء اللجوء، واضطروا إلى دفنه في بلاد الغربة بسبب صعوبة نقل الجثامين إلى الوطن، ثم عاد ذووهم إلى سوريا بعد التحرير، حاملين معهم حسرة القلوب على قبور أحبتهم التي تركوها خلفهم.

يحاول هؤلاء، رغم بعدهم الجغرافي، الحفاظ على الاهتمام بقبور أحبّتهم في بلاد الغربة، وذلك من خلال التواصل مع أصدقائهم أو معارفهم المقيمين هناك وتوصيتهم بزيارة القبور خلال أيام العيد، وتفقّدها وتنظيفها وسقاية المزروعات المحيطة بها، ما يمنحهم شعوراً بشيء من الراحة النفسية ويخفف من وطأة الحرمان الناتج عن عدم قدرتهم على التواجد شخصياً عند القبور في هذه المناسبة.

غالباً ما يعيش الأشخاص المحرومون من زيارة القبور خلال العيد شعوراً بالحسرة والضغط النفسي، إذ لم تقتصر معاناتهم على فقدان الأحبة فحسب، إذ امتدت أيضاً إلى غياب أي أثر يذكّرهم بهم ويخفف من وطأة الألم الذي يعيشونه.

وقد ضاعف ذلك من معاناة أمهات المعتقلين والشهداء والمختفين، إذ وصل بهن الحال إلى حدّ أن أصبحن يغبطن الأمهات الأخريات اللواتي يعرفن مواقع دفن أبنائهن ويستطعن زيارة قبورهم متى شئن، خاصة خلال سنوات الثورة السورية وما رافقها من اعتقالات وإعدامات ميدانية وظروف قاسية أدت إلى استشهاد آلاف السوريين.

 وتظل زيارة المقابر خلال العيد طقساً اجتماعياً متوارثاً وعميق الدلالة، يحافظ عليه السوريون في هذه المناسبة، لما يجمعه من وفاء للراحلين واستحضار لذكراهم، ويعكس الارتباط النفسي والإنساني للمجتمع السوري بأحبّته.

اقرأ المزيد
٢٠ مارس ٢٠٢٦
مرسوم رئاسي لمعالجة الديون المتعثرة في المصارف العامة وإتاحة التسوية وإعادة الجدولة

أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم 70 لعام 2026، الخاص بمعالجة القروض والتسهيلات الائتمانية المتعثرة الممنوحة من المصارف العامة قبل تاريخ نفاذه، في خطوة تستهدف تسوية الديون المتراكمة ومنح المدينين تسهيلات جديدة للسداد، ضمن آليات تشمل الإعفاء من الفوائد والغرامات وإعادة جدولة الالتزامات المالية.

عرّف المرسوم جملة من المصطلحات الأساسية المرتبطة بأحكامه، من بينها المدين والدين وكتلة الدين وتوابع الدين وإعادة الجدولة، كما استثنى التسهيلات الائتمانية الممنوحة من بنك الاستثمار الأوروبي من أحكامه، على أن تُشكّل لجنة للنظر فيها بقرار من وزير المالية.

نظم المرسوم آلية تسوية الديون التي لا تتجاوز كتلة الدين فيها 100 مليون ليرة سورية، إذ أعفى المدين من كامل الفوائد التأخيرية والغرامات والفوائد العقدية في حال سداد كامل رصيد الدين خلال ثلاثة أشهر من تاريخ نفاذه، كما أعفاه من كامل الفوائد التأخيرية والغرامات دون الفوائد العقدية إذا تم السداد خلال ستة أشهر، مع إتاحة تسديد رصيد دين العملة السورية بالدولار الأميركي وفق سعر الصرف المحدد في نشرة مصرف سورية المركزي بتاريخ التسديد.

حدد المرسوم للديون التي تزيد كتلة الدين فيها على 100 مليون ليرة سورية إعفاءات جزئية، تشمل إعفاء المدين من 50 بالمئة من الفوائد العقدية والتأخيرية والغرامات إذا سدد كامل رصيد الدين خلال ثلاثة أشهر، وإعفاء بنسبة 30 بالمئة من هذه المبالغ إذا تم السداد خلال ستة أشهر، مع السماح أيضاً بتسديد رصيد دين العملة السورية بالدولار الأميركي وفق نشرة مصرف سورية المركزي يوم التسديد.

شمل المرسوم ديون العملات الأجنبية، فنص على إعفاء كامل من الفوائد العقدية والتأخيرية والغرامات عند تسديد كامل الرصيد خلال ثلاثة أشهر، وإعفاء بنسبة 50 بالمئة من الفوائد العقدية والتأخيرية وكامل الغرامات عند السداد خلال ستة أشهر، مع جواز تسديد رصيد الدين بالعملة المحددة في عقد الإقراض أو بما يعادلها بالليرة السورية وفق سعر الصرف المحدد في نشرة مصرف سورية المركزي بتاريخ التسديد. كما أجاز للمصارف، استثناء من أحكام السرية المصرفية، تزويد طالب التسديد برصيد الدين لغايات تطبيق المرسوم.

أجاز المرسوم للمدينين الذين تتجاوز كتلة ديونهم 100 مليون ليرة سورية أو ما يعادلها بالعملات الأجنبية طلب إعادة جدولة ديونهم على أقساط شهرية، شريطة أن يكون التعثر سابقاً لتاريخ نفاذ المرسوم، وأن يقدم الطلب خلال ستة أشهر، وأن يتم من صاحب العلاقة أو وكيله القانوني، على ألا تتجاوز مدة الجدولة ثلاث سنوات من تاريخ توقيع الاتفاق. كما ألزم طالب الجدولة بتسديد دفعة حسن نية بنسبة 5 بالمئة من كتلة الدين، مع إعادة تحديد معدلات الفائدة العقدية وفق معدلات المصرف المعتمدة على التسهيلات المشابهة بتاريخ توقيع اتفاق الجدولة.

بيّن المرسوم أن الطلب يقدم إلى ديوان الإدارة العامة للمصرف أو فروعه، ولا يقبل تسجيله من دون إيصال تسديد دفعة حسن النية، على أن يبت المصرف بالطلب خلال مدة لا تتجاوز شهراً من تاريخ تسجيله، ثم يُبلّغ المدين للحضور وتوقيع الاتفاق خلال خمسة عشر يوماً من اليوم التالي للتبليغ. كما نص على تأجيل الغرامات والفوائد التأخيرية إلى القسط الأخير، مع إعفاء من 25 بالمئة منها عند الالتزام الكامل بشروط إعادة الجدولة.

أوضح المرسوم أن إعادة الجدولة تُلغى إذا لم يُوقّع الاتفاق ضمن المدة المحددة، أو إذا تخلف المدين عن تسديد ثلاثة أقساط متتالية أو خمسة أقساط خلال فترة إعادة الجدولة، وفي هذه الحالة يعاد رصيد كتلة الدين إلى ما كان عليه عند تقديم الطلب، بعد حسم دفعة حسن النية والأقساط المسددة فقط. كما أكد أن الإعفاءات لا تشمل الرسوم والمصاريف والنفقات القضائية المسددة لتحصيل الدين.

أكد المرسوم بقاء ضمانات الدين سارية، واستمرار التزام الكفلاء الضامنين بتعهداتهم مع المدين الأصلي، مع أحقية المصرف في طلب ضمانات إضافية عند عدم كفاية الضمانات القائمة. كما نص على توقف الملاحقات القضائية، بما في ذلك إجراءات التنفيذ والأحكام القضائية المبرمة بحق المدينين والكفلاء، إذا تمت التسوية أو بعد توقيع اتفاق إعادة الجدولة، على أن تُستأنف هذه الإجراءات من المرحلة التي وصلت إليها في حال إلغاء الجدولة.

خوّل المرسوم وزير المالية، بناءً على اقتراح من مصرف سورية المركزي أو الجهاز المركزي للرقابة المالية أو الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، استثناء بعض المقترضين من أحكامه، كما أجاز له تمديد المهلة المحددة شهراً إضافياً واحداً إذا وجدت أسباب تستدعي ذلك. ونص في ختامه على أن يصدر وزير المالية التعليمات التنفيذية اللازمة لتطبيقه، وأن تتولى وزارة المالية إعداد مشروع الصك التشريعي اللازم، على أن يُنشر المرسوم في الجريدة الرسمية ويُعد نافذاً من تاريخ صدوره.

اقرأ المزيد
٢٠ مارس ٢٠٢٦
مرسوم رئاسي يمنح إعفاءات ضريبية للمكلفين المتضررين من الحرب

أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم 69 لعام 2026، الذي ينظم منح إعفاءات من الضرائب والرسوم المالية للمكلفين المتضررين من الحرب في سوريا، وذلك استناداً إلى نسبة الضرر التي لحقت بالأصول الثابتة للمنشآت التجارية والصناعية والسياحية، نتيجة العمليات العسكرية أو الأعمال التخريبية خلال الفترة الممتدة من 15 آذار 2011 وحتى 8 كانون الأول 2024.

عرّف المرسوم الضرر بأنه الدمار الكلي أو الجزئي الذي أصاب الأصول الثابتة للمنشآت المشمولة، كما حدد الجهة المعنية بالتنفيذ بوزارة المالية والهيئة العامة للضرائب والرسوم، ونصّ على تشكيل لجنة أو أكثر في كل محافظة لتقدير حجم الضرر، تضم ممثلين عن مديرية المالية ووزارة العدل ووزارة الإدارة المحلية والبيئة ووزارة الاقتصاد والصناعة ونقابة المهندسين، إضافة إلى خبير تقييم يسميه وزير المالية.

أوكل المرسوم إلى هذه اللجان مهمة تقدير نسبة الضرر مئوياً من الأصول الثابتة، وفق آلية تصدر بقرار من وزير المالية، على أن يصدر قرار الإعفاء بناءً على تقرير اللجنة من قبل المدير العام للهيئة العامة للضرائب والرسوم.

منح المرسوم المنشآت التجارية المتضررة إعفاءات متفاوتة بحسب نسبة الضرر، حيث تحصل المنشآت التي تراوحت أضرارها بين 25 و50 بالمئة على إعفاء بنسبة 50 بالمئة لمدة عام واحد بدءاً من عام 2026، فيما تحصل المنشآت التي بلغت نسبة الضرر فيها بين 51 و75 بالمئة على إعفاء بنسبة 75 بالمئة لمدة عام واحد، أما المنشآت التي بلغت أضرارها بين 76 و100 بالمئة فتحصل على إعفاء كامل بنسبة 100 بالمئة لمدة عام واحد.

وسع المرسوم نطاق الإعفاءات بالنسبة للمنشآت الصناعية والسياحية، إذ منحها إعفاء بنسبة 50 بالمئة لمدة عامين إذا تراوحت نسبة الضرر بين 25 و50 بالمئة، وإعفاء بنسبة 75 بالمئة لمدة ثلاثة أعوام إذا بلغت الأضرار بين 51 و75 بالمئة، وإعفاء كاملاً بنسبة 100 بالمئة لمدة أربعة أعوام إذا تراوحت نسبة الضرر بين 76 و100 بالمئة، وذلك اعتباراً من عام 2026.

كلّف المرسوم وزير المالية بإصدار التعليمات التنفيذية اللازمة لتطبيق أحكامه، كما نصّ على تكليف وزارة المالية بإعداد مشروع الصك التشريعي اللازم، على أن يُنشر المرسوم في الجريدة الرسمية ويُعد نافذاً من تاريخ صدوره، في خطوة تستهدف تخفيف الأعباء المالية عن المنشآت المتضررة ودعم مسار التعافي الاقتصادي.

اقرأ المزيد
٢٠ مارس ٢٠٢٦
مرسوم "68" يقر زيادات نوعية على رواتب العاملين في ثماني جهات عامة

أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم 68 لعام 2026، القاضي بتطبيق لائحة زيادة نوعية مرفقة بالمرسوم على رواتب وأجور العاملين في عدد من الجهات العامة، على أن تتضمن هذه الزيادة علاوة الترفيع المستحقة بموجب القانون رقم 50 لعام 2004.

شملت الجهات الواردة في المرسوم وزارات الصحة، والتعليم العالي والبحث العلمي، والتربية والتعليم، والأوقاف، إلى جانب مصرف سورية المركزي، والهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، والجهاز المركزي للرقابة المالية، وهيئة الطاقة الذرية.

نصّ المرسوم على أن تشمل الزيادة جميع المسميات الوظيفية المذكورة في اللائحة المرفقة به، بما يعني توسيع نطاق الاستفادة ضمن الجهات المحددة وفق ما تضمنته اللائحة الخاصة بالزيادة النوعية.

أوضح المرسوم أن العاملين في الشأن الصحي ووزارة التربية والتعليم، ممن تشملهم هذه الزيادات ويعملون في المناطق النائية وشبه النائية، سيتقاضون تعويضاً إضافياً يحدد لاحقاً بموجب التعليمات التنفيذية.

كلّف المرسوم وزير المالية بإصدار التعليمات التنفيذية اللازمة لتطبيق أحكامه، وذلك بالتنسيق مع الوزراء ورؤساء الهيئات المعنيين، بما يضمن تنفيذ الزيادة وفق الآليات المحددة.

أكد المرسوم أن أحكامه تُنشر رسمياً، وتُعد نافذة اعتباراً من الأول من أيار 2026، في خطوة تستهدف إقرار زيادات نوعية لفئات وظيفية محددة ضمن عدد من الجهات العامة.

 

اقرأ المزيد
٢٠ مارس ٢٠٢٦
مرسوم رئاسي برفع الرواتب والأجور وتعديل الحد الأدنى للأجور في سوريا

أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم 67 لعام 2026، القاضي بإضافة نسبة 50 بالمئة إلى الرواتب والأجور المقطوعة النافذة بتاريخ صدور المرسوم، وذلك للعاملين في الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة وشركات ومنشآت القطاع العام وسائر الوحدات الإدارية، إلى جانب جهات القطاع المشترك التي لا تقل نسبة مساهمة الدولة فيها عن 50 بالمئة من رأسمالها.

شمل المرسوم فئات واسعة من العاملين، بينهم المشاهرون والمياومون والمؤقتون، سواء كانوا وكلاء عرضيين أو موسميين أو متعاقدين أو معينين بعقود استخدام أو بموجب صكوك إدارية، إضافة إلى العاملين على أساس الدوام الجزئي أو الإنتاج أو الأجر الثابت والمتحول، كما نص على سريان الزيادة حكماً على المتقاعدين من السوريين ومن في حكمهم، ضمن ضوابط محددة تتعلق بقيمة الراتب أو الأجر الشهري المتقاعد عليه.

استثنى المرسوم من هذه الزيادة العاملين المدنيين والعسكريين المشمولين بأحكام قانون العاملين الأساسي رقم 53 لعام 2021 الصادر عن حكومة الإنقاذ السورية سابقاً، كما استثنى العاملين الذين استفادوا من زيادات نوعية أُقرت لعدد من الوزارات والهيئات.

رفع المرسوم الحد الأدنى العام للأجور والحد الأدنى لأجور المهن لعمال القطاع العام والخاص والتعاوني والمشترك غير المشمولين بأحكام القانون الأساسي للعاملين بالدولة رقم 50 لعام 2004، ليصبح 12,560 ليرة سورية جديدة شهرياً.

خوّل المرسوم وزير المالية تعديل جداول الأجور والرواتب النافذة بما يتفق مع أحكام الزيادة الجديدة، مع منحه صلاحية جبر الكسور وتدوير الأرقام في حدود عشر ليرات سورية جديدة إلى الأعلى، سواء بالنسبة للجداول الملحقة بالقانون الأساسي للعاملين بالدولة أو الخاصة بالفئات المستثناة من أحكامه.

أبقى المرسوم جميع التعويضات الممنوحة وفق القوانين والأنظمة النافذة محسوبة على الأجور المعمول بها قبل صدوره، كما نص على أن يصدر وزير المالية التعليمات التنفيذية اللازمة لتطبيق أحكامه، بما في ذلك تحديد مصدر تمويل النفقة الناجمة عنه.

أكد المرسوم أن أحكامه تُنشر في الجريدة الرسمية، وتُعد نافذة اعتباراً من الأول من أيار عام 2026، في خطوة تحمل أبعاداً اقتصادية ومعيشية واسعة على مستوى الرواتب والأجور في سوريا.

اقرأ المزيد
١٩ مارس ٢٠٢٦
الإفراج عن 600 معتقل وموقوف في الحسكة ضمن تنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني

وصلت، اليوم الخميس 19 آذار، دفعة جديدة من المعتقلين المفرج عنهم من سجون "قسد" إلى منطقة الميلبية جنوب الحسكة، في إطار استكمال تنفيذ بنود اتفاق 29 كانون الثاني، حيث تضمنت هذه الدفعة الإفراج عن 300 معتقل بجهود الفريق الرئاسي المكلف بمتابعة الملف.

كما شملت العملية الإفراج عن 300 موقوف من المنتسبين لـ"قسد"، كانوا قد أُوقفوا خلال عمليات إنفاذ القانون التي نُفذت في الفترة الماضية، في خطوة متزامنة تهدف إلى معالجة ملف التوقيفات المرتبطة بتلك العمليات.

وفي السياق، أوضح المتحدث باسم الفريق الرئاسي أحمد الهلالي أن عمليات الإفراج ستتواصل خلال المرحلة المقبلة، وصولاً إلى "تبييض السجون" وإغلاق ملف المعتقلين بشكل كامل.

وكان الهلالي قد أشار في وقت سابق من اليوم إلى أن هذه الدفعة تأتي بإشراف مباشر من قيادة الأمن الداخلي في محافظة الحسكة، وضمن متابعة تنفيذ الاتفاق الموقع أواخر كانون الثاني، مؤكداً أن الإفراجات ستتواصل تباعاً خلال الفترة القادمة.

وفي هذا السياق، أوضح المتحدث باسم الفريق الرئاسي المكلّف بعملية الدمج مع "قسد" في الحسكة أحمد الهلالي، أن "قسد" ستتخذ إجراءات إيجابية في ملف المعتقلين، تشمل تنفيذ عملية إخلاء كبيرة بالتنسيق مع قيادة الأمن الداخلي في المحافظة.

وأضاف الهلالي أن الفريق الرئاسي، بالتنسيق مع جهاز الاستخبارات العامة، يعمل على إعداد قوائم تضم المئات من مقاتلي "قسد"، تمهيدًا لإخلاء سبيلهم بدءًا من يوم غد، في خطوة تأتي استكمالًا للجهود الرامية إلى إنهاء هذا الملف.

ويوم أمس، عُقد اجتماع موسّع في الحسكة جمع المبعوث الرئاسي العميد زياد العايش مع قائد "قسد" مظلوم عبدي، بحضور محافظ الحسكة نور الدين أحمد وقائد الأمن الداخلي العميد مروان العلي، حيث ركّزت المباحثات على متابعة تنفيذ بنود الاتفاق، ولا سيما إطلاق دفعة جديدة من المعتقلين من الطرفين، إلى جانب بحث ترتيبات الدمج المؤسساتي.

كما تناول الاجتماع تقييم ما أُنجز خلال الأيام الماضية، بالتزامن مع بحث آليات استئناف عودة النازحين والمهجّرين إلى مناطقهم، إذ جرى استعراض أوضاع مهجّري رأس العين، مع الإشارة إلى ترتيبات جارية لضمان عودتهم بعد عطلة العيد، فضلًا عن التحضير لعودة دفعة من مهجّري عفرين في التوقيت ذاته.

وكان المبعوث الرئاسي زياد العايش قد جدّد قبل أيام التزام الدولة السورية بإغلاق ملف "قسد" والمعتقلين المرتبطين به، ضمن مسار يستهدف تعزيز الاستقرار والمضي في عملية دمج وطني شامل.

اقرأ المزيد
١٩ مارس ٢٠٢٦
"الضحيك".. حكاية عائلة كتبت اسمها بالدم وقدّمت أبناءها شهداء للثورة

لم تبدأ حكاية عائلة الضحيك من موقع عابر في سياق الثورة السورية، بل من قلب الألم والقصف والحصار، ومن داخل بيت في مدينة تلبيسة بريف حمص الشمالي خرج منه الأبناء واحداً تلو الآخر، يحملون أدواراً مختلفة، لكنهم التقوا جميعاً عند ذات النهاية وهي الشهادة في سبيل الثورة السورية.

تتبعت شبكة شام الإخبارية قصص شهداء العائلة فوجدت أن في هذا البيت، لم يكن الفقد حدثاً طارئاً، بل مساراً متصلاً لعائلة قدمت أبناءها تباعاً، حتى تحول اسمها إلى مرادف للتضحية في واحدة من أكثر مناطق سوريا اشتعالاً خلال سنوات الثورة ومع مرور الوقت، لم تعد القصة مجرد سيرة أفراد، بل تحولت إلى ذاكرة جمعية تختصر حكاية مدينة بأكملها.

البداية كانت مع الشقيقين أحمد ومحمود، اللذين شكلا معاً أول فصول التضحية "أحمد سليمان الضحيك"، المهندس والناشط الإعلامي، خرج في الأيام الأولى للحراك ليحمل الكاميرا في وجه الدبابات، موثقاً اقتحام تلبيسة في 29 أيار/مايو 2011، لم يكن مجرد ناقل صورة، بل أحد أوائل من كسروا حاجز الصمت، ليعرف لاحقاً بلقب "شهيد الحقيقة"، بعد أن دفع حياته ثمناً لكشف جرائم النظام البائد.

لم تمضِ أشهر قليلة حتى لحق به شقيقه "محمود سليمان الضحيك"، الذي اعتُقل في خضم الحملة الأمنية على المدينة، قبل أن يُعدم ميدانياً في 21 أيلول/سبتمبر 2011 بعد تعرضه لتعذيب قاسٍ على أحد الحواجز، كان محمود، كما يصفه أبناء مدينته، من خيرة شباب تلبيسة، وقد تحول اسمه لاحقاً إلى رمز حين أُطلقت باسمه أولى التشكيلات العسكرية في المدينة.

وتوالت مراحل الفقد سريعاً على العائلة في 4 شباط/فبراير 2012، ارتقى "زكريا سليمان الضحيك"، برصاص قناصة، وبعده بأشهر، استشهد "عبد الكافي سليمان الضحيك"، في 9 حزيران/يونيو 2012، الذي كان يؤدي دوراً إنسانياً كممرض، خلال مشاركته في تحرير أحد الحواجز التابعة للنظام البائد.

ولم يتوقف النزف عند هذا الحد، إذ استشهد "سليم سليمان الضحيك"، الأبن الأكبر في العائلة في 20 تموز/يوليو 2012 خلال المعارك الدائرة في تلبيسة، أثناء محاولة السيطرة على أحد الحواجز العسكرية على الطريق الدولي، في وقت كانت فيه المدينة تواجه واحدة من أعنف الحملات العسكرية.

وسط هذا المشهد، برز الشهيد "محمد سليمان الضحيك"، المعروف بـ"أبو حاتم"، واشتهر في الكفاح المسلح بعد مشاركته في المظاهرات السلمية وأسس أواخر عام 2011 "سرية الشهيد محمود الضحيك"، التي حملت اسم شقيقه، لتكون واحدة من أوائل التشكيلات التي نشأت في تلبيسة، قبل أن تتطور لاحقاً ضمن كتائب الفاروق.

ومع تصاعد المعارك، تدرّج أبو حاتم في العمل العسكري، ليقود "لواء الإيمان بالله"، ويصبح لاحقاً قائد القطاع الجنوبي في حركة حزم، حيث عُرف بجرأته في إدارة الجبهات، ومشاركته المباشرة في المعارك، خاصة في ريف حمص، ما جعله واحداً من أبرز القادة الميدانيين في تلك المرحلة.

وفي 16 أيلول/سبتمبر 2014، وصلت حكاية الشهيد أبو حاتم إلى ذروتها، حين استُهدف بصاروخ من طائرة حربية أثناء وجوده على رشاش مضاد جوي، محاولاً التصدي لها في تلك اللحظة، لم يكن وحده، إذ استشهد إلى جانبه شقيقه عبد الناصر، في مشهد يعكس كيف بقيت العائلة مجتمعة حتى في لحظاتها الأخيرة على خطوط النار.

بهذا، تكون عائلة الضحيك قد قدّمت عدداً كبيراً من أبنائها خلال فترة زمنية قصيرة، بين ناشط إعلامي وثّق الحقيقة، ومقاتلين خاضوا المعارك، ومسعفٍ عمل على إنقاذ الجرحى، في تنوّع يعكس طبيعة المشاركة المجتمعية الواسعة في الثورة السورية.

اليوم، وبعد سنوات على تلك التضحيات، عاد اسم العائلة إلى التداول مجدداً، لكن في سياق مختلف، حين ظهر مقطع مصوّر للناشط نضال عكيدي إلى جانب الحاج سليمان الضحيك، والد الشهداء وهو يتحدث عن تلقي العائلة بلاغاً من الشركة العامة لصناعة وتسويق الإسمنت ومواد البناء "عمران"، يتعلق بمطالبة مالية مثيرة للجدل.

من جانبه كشف أحد أحفاد الحاج سليمان الضحيك، في حديث لـ"شبكة شام"، أن جده—المولود عام 1948—تأثر بشدة بعد تلقيه بلاغاً يتعلق بمطالبة مالية مرتبطة بمواد بناء كان قد استخدمها ابنه أبو حاتم بعلم أهالي المنطقة خلال سنوات الثورة السورية في إنشاء ملاجئ وتحصينات للجبهات.

وأوضح الحفيد أن هذه المطالبة أثارت في نفس الحاج حالة من الحزن والاستغراب، خاصة أنه أبٌ قدّم عدداً كبيراً من أبنائه شهداء، وهو اليوم جدٌّ يرعى نحو 45 يتيماً من أبناء أولئك الشهداء.

ومع التداول الواسع للمقطع، تحولت القضية إلى رأي عام، ما دفع الجهات الرسمية في محافظة حمص إلى التحرك السريع، حيث زار محافظ حمص الدكتور عبد الرحمن الأعمى منزل العائلة، برفقة عدد من المسؤولين، هم محمد الناصر مدير مديرية الإعلام في حمص، وعبيدة الأرناؤوط مدير الشؤون السياسية، ومحمود فضيلة مدير الشركة العامة لصناعة وتسويق الإسمنت ومواد البناء "عمران"، وطلال الزعيب المدير العام للمدينة الصناعية في حسياء، إضافة إلى إبراهيم مردود مدير منطقة الرستن.

وخلال الزيارة، جرى بحث تفاصيل الشكوى، حيث أكد المحافظ أن القضية تعود إلى عام 2019 في عهد النظام البائد، ولا توجد أي ملاحقات حديثة بحق العائلة، مع التعهد بحلها بشكل جذري وإنهاء كافة تبعاتها.

وفي أعقاب ذلك، أصدرت عائلة الضحيك بياناً أعلنت فيه الطي النهائي للملف، مؤكدة أن التفاعل الشعبي والرسمي شكّل خطوة جوهرية في إنصافها ورد الاعتبار لتضحيات أبنائها، مشددة على أن تاريخ الشهداء سيبقى محل تقدير دائم، ومشيدة بسرعة الاستجابة الرسمية.

كما عبّرت العائلة في ختام بيانها عن شكرها العميق لأهالي تلبيسة وكافة السوريين، مؤكدة أن تضامنهم كان العامل الأبرز في إيصال صوتها وتحقيق هذا الإنصاف، لتُختتم بذلك واحدة من القضايا التي أعادت التذكير بحكاية عائلةٍ لم تكن مجرد اسم، بل سيرة تضحيات ممتدة في وجدان السوريين.

اقرأ المزيد
١٩ مارس ٢٠٢٦
الداخلية تعلن تفكيك شبكة لسرقة السيارات وترويج المخدرات بالسويداء

أعلنت وزارة الداخلية، يوم الخميس 19  آذار/ مارس عن تمكن قوى الأمن الداخلي في محافظة السويداء من إحباط نشاط شبكة إجرامية منظمة تنشط في سرقة السيارات والاتجار بها، يضاف إلى ذلك تعاطي وترويج المخدرات.

ووفقًا لبيان رسمي صادر عن الوزارة فإن العملية جاءت  عقب عمليات رصد ومتابعة دقيقة لتحركات المشتبه بهم، حيث أُلقي القبض على عدد منهم أثناء قيادتهم سيارات مسروقة عند حاجز المتونة، قبل أن تتمكن الجهات المختصة من إلقاء القبض على كامل أفراد الشبكة.

في حين أظهرت التحقيقات أنهم كانوا ينقلون المركبات المسروقة إلى السويداء عبر طريق دمشق–السويداء، وتتألف الشبكة من 9 أشخاص، بينهم 7 رجال وامرأتان، وتنشط في عدة محافظات.

وحسب التحقيقات الأولية تعتمد الشبكة أسلوباً منظّماً يقوم على سرقة السيارات ونقلها إلى مدينة جرمانا، بريف دمشق، حيث يتم تزوير رخص السير وعقود البيع والتأمين، وتغيير أوصاف المركبات تمهيداً لإعادة تسويقها.

هذا وقد تمكنت القوى الأمنية من استرداد عدد من السيارات المسروقة وتسليمها إلى أصحابها أصولًا، فيما لا تزال التحقيقات مستمرة مع الموقوفين تمهيدًا لإحالتهم إلى القضاء المختص، وفق بيان الداخلية.

اقرأ المزيد
١٨ مارس ٢٠٢٦
الحسكة: تحركات متسارعة لإخلاء المعتقلين واستكمال دمج "قسد" ضمن مؤسسات الدولة

شهدت مدينة الحسكة، اليوم الأربعاء، حراكًا متسارعًا في تنفيذ بنود اتفاق 29 كانون الثاني، مع تركيز رئيسي على ملف المعتقلين وترتيبات دمج "قسد" ضمن مؤسسات الدولة، وسط مؤشرات على بدء خطوات عملية خلال الفترة القريبة.

وفي هذا السياق، أوضح المتحدث باسم الفريق الرئاسي المكلّف بعملية الدمج مع "قسد" في الحسكة أحمد الهلالي، أن "قسد" ستتخذ إجراءات إيجابية في ملف المعتقلين، تشمل تنفيذ عملية إخلاء كبيرة بالتنسيق مع قيادة الأمن الداخلي في المحافظة.

وأضاف الهلالي أن الفريق الرئاسي، بالتنسيق مع جهاز الاستخبارات العامة، يعمل على إعداد قوائم تضم المئات من مقاتلي "قسد"، تمهيدًا لإخلاء سبيلهم بدءًا من يوم غد، في خطوة تأتي استكمالًا للجهود الرامية إلى إنهاء هذا الملف.

وبالتوازي مع ذلك، عقد اجتماع موسّع في الحسكة جمع المبعوث الرئاسي العميد زياد العايش مع قائد "قسد" مظلوم عبدي، بحضور محافظ الحسكة نور الدين أحمد وقائد الأمن الداخلي العميد مروان العلي، حيث ركّزت المباحثات على متابعة تنفيذ بنود الاتفاق، ولا سيما إطلاق دفعة جديدة من المعتقلين من الطرفين، إلى جانب بحث ترتيبات الدمج المؤسساتي.

كما تناول الاجتماع تقييم ما أُنجز خلال الأيام الماضية، بالتزامن مع بحث آليات استئناف عودة النازحين والمهجّرين إلى مناطقهم، إذ جرى استعراض أوضاع مهجّري رأس العين، مع الإشارة إلى ترتيبات جارية لضمان عودتهم بعد عطلة العيد، فضلًا عن التحضير لعودة دفعة من مهجّري عفرين في التوقيت ذاته.

وفي سياق متصل، وجّه الفريق الرئاسي رسالة موسّعة بمناسبة ذكرى الثورة السورية، استحضر فيها تضحيات السوريين في مختلف المناطق، مشيرًا إلى ما قدمه الشهداء والجرحى والمهجّرون والمعتقلون من أثمان خلال السنوات الماضية.

وأكد الفريق في بيانه أن المرحلة المقبلة تتطلب مقاربة شاملة تقوم على الانتقال من حالة الصراع إلى بناء الدولة، من خلال ترسيخ العدالة والمساءلة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، والعمل على بناء مؤسسات قادرة على حماية الحقوق وصون الكرامة.

كما شدد البيان على أن أي حديث عن مستقبل سوريا لا يمكن أن يكتمل دون معالجة جوهر القضية، بما يشمل تحقيق العدالة الانتقالية، وإطلاق مسار مصالحة وطنية يضمن مشاركة مختلف مكونات المجتمع، ويؤسس لبيئة مستقرة ومستدامة.

وأشار الفريق إلى أن الوفاء لتضحيات السوريين يقتضي تحويل الشعارات إلى سياسات عملية، والانتقال من مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة، بما يعزز الاستقرار ويضع أسس نظام قائم على القانون.

وختم البيان بالتأكيد على أن سوريا المقبلة يجب أن تكون قائمة على الحرية والكرامة والعدالة، بوصفها مرتكزات أساسية لأي مسار سياسي أو مؤسساتي في المرحلة القادمة.

وكان المبعوث الرئاسي زياد العايش قد جدّد قبل أيام التزام الدولة السورية بإغلاق ملف "قسد" والمعتقلين المرتبطين به، ضمن مسار يستهدف تعزيز الاستقرار والمضي في عملية دمج وطني شامل.

اقرأ المزيد
١٨ مارس ٢٠٢٦
من المطالبة بالإصلاح إلى الإسقاط … الثورة السورية من الشرارة الأولى حتى فجر الحرية 

لم يكن الطريق الذي سلكته الثورة السورية قصيراً ولا بسيطاً، كما لم يكن خطها مستقيماً منذ يومها الأول، فقد اختلفت الروايات حول المكان والتاريخ الدقيقين لأول مظاهرة خرجت ضد النظام المخلوع، بين منتصف شباط، و15 آذار، و18 آذار من عام 2011، إلا أن هذا الاختلاف لا يحجب حقيقة ثابتة، وهي أن السوريين خرجوا منذ اللحظة الأولى حاملين مطالب واضحة تتصل بالإصلاح، واستعادة الحقوق، والتمسك بالحرية والكرامة، قبل أن يتطور مسار الأحداث سريعاً تحت وطأة القمع والعنف إلى ثورة شاملة غيّرت وجه البلاد.

البدايات الأولى… هتافات الإصلاح التي تحولت إلى مطلب إسقاط النظام

في الأسابيع الأولى، عبّر الشارع السوري عن مطالبه عبر هتافات ركّزت على الكرامة ورفض الإذلال، وارتفعت شعارات من قبيل: “الموت ولا المذلة”، و”الشعب السوري ما بينهان”، و”الشعب يريد إصلاح النظام”، و”حرية.. حرية”، قبل أن تتسع رقعة المظاهرات يوماً بعد آخر.

ومع اتساع الحراك، أصبح يوم الجمعة محطة أسبوعية ثابتة لخروج المحتجين، حيث كان الناشطون يتوافقون على اسم خاص لكل جمعة، في تقليد حمل بعداً تنظيمياً ورمزياً في آن واحد. 


ومنذ البداية، واجهت أجهزة أمن النظام تلك التظاهرات بالضرب والعصي والقنابل المسيلة للدموع، ثم بالرصاص الحي، غير أن القمع لم ينجح في وقف تمدد الاحتجاجات، بل أسهم في رفع سقفها السياسي، فانتقلت المطالب خلال فترة قصيرة من الدعوة إلى الإصلاح، إلى المطالبة بإسقاط النظام، ثم إلى الحرية الكاملة، وصولاً إلى المطالبة بمحاكمة رأس النظام.

أربعة عشر عاماً من التحولات… من السلمية إلى المعارك المفتوحة

امتدت الثورة السورية على مدى أربعة عشر عاماً، وتحوّل شكلها أكثر من مرة خلال هذه الرحلة الطويلة، إذ بدأت كتظاهرات سلمية في الشوارع والساحات، ثم دخلت مرحلة محدودة من التسلح عبر ضباط وعناصر انشقوا عن جيش النظام، قبل أن تتوسع إلى مواجهات على شكل حرب عصابات، ثم إلى معارك للسيطرة على مدن وبلدات، ثم إلى تحرير محافظات ومناطق واسعة، لتدخل لاحقاً في مرحلة أصبحت فيها البندقية والمدفع والطيران أدوات حاضرة في يوميات المشهد السوري.

وفي هذا المسار الطويل، مرّت الثورة بتحولات سياسية وعسكرية ومجتمعية عميقة، تركت أثرها على بنية البلاد وعلى طبيعة الفاعلين فيها، وعلى شكل التحديات التي واجهت السوريين في كل مرحلة.

2011 المظاهرات في مواجهة الرصاص

مع بداية عام 2011، بدا الإرهابي الفار بشار الأسد واثقاً من أن ما حدث في تونس ومصر لن يتكرر في سوريا، وعبّر عن ذلك صراحة حين قال في مقابلة مع صحيفة “وول ستريت جورنال” إن الثورة لن تصل إلى سوريا، لأنها “ليست تونس أو مصر”، وقد عكس هذا الموقف قناعة لدى النظام بأن أدوات القمع التي بناها طوال عقود كافية لإبقاء السوريين تحت السيطرة.

غير أن المشهد تبدّل سريعاً، وبدا كأن جدار الخوف الذي شيده النظام على مدار خمسين عاماً قد انهار دفعة واحدة، فقد أطلق ناشطون سوريون على موقع “فيسبوك” صفحات عدة منها "شبكة شام الإخبارية" و “الثورة السورية ضد بشار الأسد 2011”، وبدأت الصفحات بنشر دعوات تعبئة وتحفيز للخروج في مظاهرات سلمية ضد النظام.

وسرعان ما استجاب الناس لتلك الدعوات، لتخرج أولى المظاهرات في دمشق، وتحديداً في سوق الحميدية، حيث هتف المتظاهرون للحرية، بعد تجمع عدد من الناشطين أمام الجامع الأموي عقب صلاة الظهر يوم الثلاثاء 15 آذار، ثم تحركوا باتجاه منطقة الحريقة، لينضم إليهم آخرون في الطريق.

وفي الوقت نفسه تقريباً، كانت درعا تشهد حراكاً أكثر زخماً، وما هي إلا أيام قليلة حتى بدأت المظاهرات تتوالى في محافظات عدة، وسط قبضة أمنية شرسة ظهرت منذ النداءات الأولى للحرية، إذ سارعت قوات النظام إلى مهاجمة التظاهرات وفضها بالقوة واعتقال المشاركين فيها.

وفي 18 آذار، أطلقت قوات الأمن النار على مظاهرة خرجت في درعا البلد وتوجهت نحو ساحة الجامع العمري، حيث طالب المتظاهرون بالحرية، وإلغاء قانون الطوارئ، وبدء عملية سياسية في البلاد، إضافة إلى الإفراج عن الأطفال الذين اعتقلتهم قوات النظام بعد كتابتهم عبارات مناهضة له على جدران المدارس. وفي ذلك اليوم، سقط أول شهيدين في الثورة السورية.

الناشطون والتنسيقيات… ولادة الإعلام الثوري

في هذه المرحلة، برز “الناشط” بوصفه واحداً من أهم العناصر الفاعلة في المشهد الثوري، إذ لم يكن مجرد مشارك في التظاهر، بل أصبح ناقلاً للحدث وشاهداً عليه ووسيطاً بين الشارع السوري والعالم الخارجي، ومن هنا نشأت ظاهرة “المواطن الصحفي”، التي فرضها غياب الإعلام الحر واحتكار النظام للمعلومة والمنبر.

حمل كثير من الشبان هواتفهم المحمولة وكاميرات بسيطة، وخرجوا لتوثيق المظاهرات والانتهاكات والاعتقالات والقتل، كما دخل بعضهم في مداخلات هاتفية مع القنوات العربية والدولية، لينقلوا ما يجري أولاً بأول، وقد انتهى المطاف بعدد كبير منهم إلى الاعتقال أو الاغتيال أو الاستشهاد تحت التعذيب.

ومع اتساع رقعة الاحتجاجات، لم يعد النشاط الميداني فردياً فقط، بل بدأ يأخذ شكلاً أكثر تنظيماً مع ظهور “التنسيقيات” المحلية في المدن والبلدات والأحياء الثائرة. وقد أدارت هذه التنسيقيات جوانب مهمة من الحراك، من تحديد نقاط التجمع ومسارات التظاهر، وتنسيق الهتافات، وتوحيد أسماء الجمع، وكتابة الشعارات واللافتات، وتوثيق الانتهاكات، وتأمين التواصل بين المناطق، وصولاً إلى إنشاء شبكات اتصال عبر “سكايب” و”فيسبوك”، شكّلت لاحقاً النواة الأولى للإعلام الثوري.

رواية النظام… المؤامرة والفتنة بدل الاستجابة للمطالب

كما احتكر النظام السلطة ومفاصل الدولة، احتكر الإعلام أيضاً، واستخدمه مبكراً لمهاجمة الثورة وتشويه صورتها، فكررت قنواته الرسمية أوصافاً مثل “مندسون” و”جماعات مخربة” و”عملاء”، مستندة إلى الخطاب الرسمي الذي عبّر عنه بشار الأسد في كلمته أمام مجلس الشعب في 30 آذار.

فقد وصف ما يجري بأنه “مؤامرة” وليس ثورة، واعتبر أن أدواتها “الفتنة الطائفية” و”العالم الافتراضي” و”الفوضى”، كما قال إن بعض من خرجوا للتظاهر فعلوا ذلك بحسن نية، وأن الدولة مطالبة بمحاربة هذه الفتنة. وانتهت كلمته من دون أن يقدم أي استجابة فعلية للمطالب التي كانت قد اتسعت، بينما كانت المظاهرات تسجّل مزيداً من الضحايا والمصابين في درعا وحمص وريف دمشق وغيرها.

ومع إغلاق الساحات العامة في أيام الجمع، وتطويقها من قبل الأمن والشبيحة، خرجت التظاهرات في بلدات ومدن وقرى بشكل متفرق، وإن كانت بعض الساحات الكبرى قد احتضنت حشوداً ضخمة، كما حدث في ساحة العاصي في حماة وساحة الساعة في حمص.

رفع المتظاهرون شعار “ما رح نركع ما رح نركع.. جيب الدبابة والمدفع”، في إشارة واضحة إلى أن القمع لن يثنيهم عن مطالبهم، لكن النظام اختار المضي في القمع، فأدخل الآليات العسكرية إلى الشوارع والساحات لفض الاحتجاجات.

وفي 19 نيسان، فضّت قوات النظام اعتصاماً واسعاً في ساحة الساعة وسط حمص، بعدما تحوّل تشييع شهداء إلى اعتصام شارك فيه آلاف المحتجين الذين بقوا مطالبين بالحرية وإسقاط النظام. وقد استخدمت القوات الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي، ما أدى إلى سقوط ضحايا وجرحى في وقت كانت فيه إمكانات التوثيق والنقل ما تزال محدودة.

وفي حماة، شهد صيف 2011 واحدة من أكبر التظاهرات في تاريخ الثورة، حين احتشد مئات الآلاف في ساحة العاصي، في مشهد أعاد إلى المدينة ذاكرتها الثقيلة مع النظام. أما في بانياس، فقد خرجت مظاهرات كبيرة في أحيائها، ولا سيما البيضا ورأس النبع، قبل أن تتعرض لحملات أمنية وعسكرية هدفت إلى منع انتقال الحراك إلى الساحل.

وبحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، سجلت السنة الأولى من الثورة ما لا يقل عن خمسة آلاف ضحية، من بينهم 384 طفلاً و256 سيدة.

المواقف الدولية الأولى والانشقاقات وبداية العمل العسكري

على المستوى الدولي، بدأت بعض العواصم الغربية والإقليمية تراجع مواقفها من النظام. فقد طالب أعضاء في مجلس الشيوخ الأميركي الرئيس باراك أوباما بدعوة بشار الأسد إلى التنحي، معتبرين أنه فقد شرعيته بسبب قمعه العنيف للمظاهرات. وفي المقابل، نصح رئيس الوزراء التركي آنذاك رجب طيب أردوغان الأسد، خلال اتصال هاتفي، بوقف حملة القمع والبدء بإصلاحات عاجلة، مع وضع جدول زمني سريع لتنفيذها.

لكن الأسد واصل تجاهل المطالب، وخرج في خطاب آخر خلال حزيران ليكرر رواية المؤامرة ويصف المتظاهرين بـ”الجراثيم”، قبل أن يدعوه أوباما بعد شهرين إلى التنحي، مؤكداً أن مستقبل سوريا يجب أن يحدده السوريون، وأن الأسد يقف في وجه هذا المستقبل بينما يعتقل شعبه ويعذبه ويقتله.

في موازاة ذلك، بدأت الانشقاقات تظهر داخل الجيش السوري، حيث أعلن عدد من الضباط والجنود انحيازهم إلى الشعب. وكان المقدم حسين هرموش من أوائل من أعلنوا انشقاقهم في حزيران، قبل أن يعلن العقيد رياض الأسعد انشقاقه في تموز، ويؤسس الجيش السوري الحر الذي تعهد بحماية المظاهرات السلمية والتصدي للقوات التي يرسلها النظام لقمعها.

وعلى الصعيد السياسي، تأسس المجلس الوطني السوري في إسطنبول في 2 تشرين الثاني، برئاسة برهان غليون، بوصفه إطاراً جامعاً للمعارضة، هدفه إسقاط نظام الأسد وإقامة دولة ديمقراطية.

2012 المجازر الكبرى ومحاولات الالتفاف السياسي

لم يتوقف نظام الأسد البائد منذ بداية الثورة عن السعي إلى جرّ الحراك الشعبي نحو المواجهة المسلحة، مستفيداً من تفوقه العسكري الهائل في مواجهة شعب أعزل، وفي الوقت نفسه كان يعمل على تسويق رواية مفادها أن ما يجري ليس ثورة شعبية، بل مجموعات مسلحة تهدد أمن البلاد واستقرارها.

ومن هنا، استخدم تسليح الجيش السوري الحر ذريعة لاقتحام البلدات والمدن على مرأى العالم، معتمداً على القصف المدفعي والصاروخي، فيما شهد ذلك العام أولى الطلعات الواضحة للطيران المروحي الذي استخدم في استهداف المناطق الثائرة.

وقد ارتبط عام 2012 في الذاكرة السورية بمناطق منكوبة ومجازر دامية، من بابا عمرو في حمص إلى الحولة في ريفها، إلى داريا في ريف دمشق، حيث ارتكبت قوات النظام عمليات قتل ممنهجة بحق المدنيين.

في 3 شباط، شنّ النظام حملة عسكرية عنيفة على حي بابا عمرو في حمص، استمرت قرابة أربعة أسابيع من القصف قبل اقتحامه مطلع آذار، وقد وثقت منظمات حقوقية مقتل مئات المدنيين خلال تلك الحملة.

وفي 25 أيار، وقعت مجزرة الحولة التي عُدت من أبشع مجازر ذلك العام، حيث وثقت الأمم المتحدة مقتل 108 أشخاص، بينهم 49 طفلاً و34 امرأة، مع الإشارة إلى أن معظم الضحايا جرى إعدامهم ميدانياً بعد قصف المنطقة.

أما داريا، فقد تعرضت لهجوم واسع بدأ في 20 آب، وبعد أيام من القصف والاقتحام، كُشف في 25 آب عن مئات الجثث، وتمكنت الجهات المحلية من توثيق ما لا يقل عن 700 ضحية من رجال ونساء وأطفال، أُعدم معظمهم ميدانياً ودفنوا في مقبرة جماعية.

وفي تلك المرحلة، احتد النقاش بين من رأى أن عنف النظام لا بد أن يُقابل بالقوة، ومن تمسك بسلمية الثورة، بينما كان النظام يوسّع اعتماده على قوات النخبة، وفي مقدمتها الفرقة الرابعة، إلى جانب الميليشيات الإيرانية و”حزب الله” اللبناني.

سياسياً، عُرف العام بأنه عام المبادرات الفاشلة، فقد طرح كوفي عنان، المبعوث المشترك للأمم المتحدة والجامعة العربية، خطة “النقاط الست”، التي تضمنت وقف العنف والإفراج عن المعتقلين والبدء بمسار سياسي تقوده الأطراف السورية، لكن الخطة لم تحقق أي اختراق فعلي. كما حاول الأخضر الإبراهيمي لاحقاً إحياء المسار السياسي، غير أن النظام كان قد دفع البلاد إلى مرحلة أكثر دموية وتعقيداً، مع اتساع المواجهات وتراجع فرص التهدئة.

2013 احتدام المعارك والكيماوي الذي هزّ العالم

خلال هذا العام، بدأت فصائل الجيش السوري الحر تظهر بمستوى أكبر من التنظيم، وانضم إليها مئات المتطوعين، وانتقلت من الدفاع إلى الهجوم على أهداف استراتيجية للنظام، شملت المطارات والقطع العسكرية ومستودعات السلاح والحواجز التي كانت تفصل البلدات والقرى عن بعضها.

وعلى المستوى السياسي، تأسس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية بقيادة معاذ الخطيب، قبل أن يشغل لاحقاً مقعد سوريا في جامعة الدول العربية بصفة ممثل للمعارضة.

ورغم كثرة المبادرات الدولية والتصريحات المطالبة برحيل بشار الأسد وانتقال السلطة سلمياً، بقيت تلك المواقف بلا أثر حقيقي، بينما كانت المعارك مشتعلة في تخوم دمشق وفي محافظات عدة، وتمكنت الفصائل من السيطرة على مدينة الرقة لتصبح أول مركز محافظة يخرج بالكامل من قبضة النظام.

وفي خضم هذا المشهد، ألقى بشار الأسد كلمة في دار الأوبرا بدمشق، قال فيها إن ما يجري ليس مواجهة بين السلطة والمعارضة، بل “بين الوطن وأعدائه”، وقدم ما سماها مبادرة للحل، لكنها قوبلت برفض واسع، واعتُبرت محاولة جديدة للمراوغة بينما استمرت آلة القتل دون توقف.

غير أن الحدث الأبرز والأثقل في ذلك العام كان هجوم الكيماوي على الغوطة الشرقية في 21 آب، حين تعرضت مناطق عدة في الغوطة لقصف بغاز السارين، في واحدة من أبشع الجرائم في تاريخ الثورة. وقد تصدرت صور الضحايا، وخصوصاً الأطفال، المشهد العالمي، وبدا أن ضربة دولية ضد النظام باتت وشيكة، إلا أن الأمر انتهى إلى صفقة بين واشنطن وموسكو قضت بتسليم الترسانة الكيماوية المعلنة للنظام مقابل تجنيبه الضربة.

2014 صعود داعش وتعدد الجبهات

لم تعد المواجهة في سوريا خلال هذا العام مقتصرة على فصائل الثورة وقوات النظام، فقد برز تنظيم “داعش” لاعباً ثالثاً قوياً، وتمدد في الشرق والشمال، قبل أن يعلن “الخلافة” من مدينة الرقة.

هذا التطور أعاد تشكيل المشهد بالكامل، إذ دخلت فصائل الثورة في قتال مع التنظيم، فيما باتت مناطق واسعة من البلاد موزعة بين النظام والثوار و”داعش”، وفي الوقت نفسه تشكل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة وبدأ ضرباته ضد التنظيم داخل الأراضي السورية.

ومع تعدد الجبهات، تراجع حضور الحراك الأول وشعاراته في عدد من المناطق، وحلّ مكانه واقع أكثر تشابكاً استنزف السوريين وأعاد ترتيب أولويات القوى الإقليمية والدولية.

وفي موازاة ذلك، كانت مناطق جوبر وحرستا والغوطة الشرقية وداريا ومعضمية الشام تشهد معارك قاسية على تخوم دمشق، وسط صمود لافت لمقاتلي الثورة، ما دفع النظام إلى زيادة استخدام البراميل المتفجرة وتطبيق سياسة الأرض المحروقة لإجبار السكان على النزوح وكسر قدرة الفصائل على الصمود.

2015 تحرير إدلب والتدخل الروسي المباشر

في ربيع 2015، كانت الفصائل المقاتلة في إحدى أقوى مراحلها، حيث شكّلت غرفة عمليات مشتركة تحت اسم “جيش الفتح”، وبدأت سلسلة عمليات بارزة كان أولها تحرير مدينة إدلب، ثم فك الحصار عن الأحياء التي كانت تسيطر عليها الفصائل في حلب.

وضم جيش الفتح سبع مجموعات رئيسية هي: أحرار الشام، وجبهة النصرة، وجند الأقصى، وجيش السنة، وفيلق الشام، ولواء الحق، وأجناد الشام. وقد تمكن هذا التحالف من طرد قوات النظام من إدلب، ما مهّد لاحقاً للسيطرة على معظم الحدود الإدارية للمحافظة، التي تحولت لاحقاً إلى خزان بشري وعسكري للثورة وملاذ أخير للثوار.

لكن هذا التقدم قابله تطور حاسم لصالح النظام، إذ جاء التدخل الروسي المباشر في 30 أيلول بعد طلب رسمي من نظام الأسد، ومع بدء الغارات الروسية من قاعدة حميميم، أصبحت السماء السورية عاملاً حاسماً في قلب موازين المعارك.

وقد أدى التدخل الروسي إلى استعادة قوات النظام وحلفائه أجزاء واسعة من الأراضي، فيما واصل تنظيم داعش توسعه، وفي هذه المرحلة تشكلت قوات “قسد” بدعم أميركي لمواجهة التنظيم، وتلقت أسلحة ودعماً جوياً مكّنها لاحقاً من السيطرة على مناطق واسعة في الجزيرة السورية.

2016 التهجير من ريف دمشق وسقوط حلب الشرقية

ساهم التدخل الروسي المباشر مع كثافة قصف قوات النظام واستمرار الحصار المفروض على غوطة دمشق في إنهاك الفصائل المقاتلة واستنزاف قدراتها، لتبدأ بعدها مرحلة التهجير المنظم، وكانت داريا أولى المحطات الكبرى في هذا المسار، حين أُجبر مقاتلوها وسكانها على الخروج برعاية أممية باتجاه الشمال السوري، وتحديداً إلى إدلب.

وقد شكلت داريا بداية سلسلة طويلة من عمليات التهجير التي طالت مدناً وبلدات ثائرة حول دمشق، لتصبح حافلات الإجلاء جزءاً من استراتيجية النظام لتفكيك الثورة في محيط العاصمة.

وفي العام نفسه، تمكن النظام من التقدم في مدينة حلب، مستفيداً من ضعف الفصائل والخلافات التنظيمية بينها، ومع تدخل تركي غير مباشر في الشمال وتفاهمات ميدانية، جرى التوصل إلى اتفاق أفضى إلى خروج المدنيين والمقاتلين من الأحياء الشرقية، لتسقط حلب الشرقية بالكامل بيد النظام.

وبنهاية عام 2016، تقلصت مساحة مناطق الثوار بشكل كبير، وأصبحت إدلب الملاذ الأكبر والأخير، وسط أحاديث كثيرة عن مستقبلها واحتمالات التسوية أو الحرب الشاملة فيها.

2017 أستانة وخفض التصعيد

في هذا العام، وصل مسار جنيف إلى طريق مسدود، بعدما فشلت المفاوضات المباشرة وغير المباشرة بين النظام والمعارضة تحت رعاية الأمم المتحدة في تحقيق أي تقدم جدي، في ظل غياب الإرادة الحقيقية لدى النظام وحليفه الروسي.

وميدانياً، ومع انحسار المعارك الكبرى واقتصارها على مواجهات متفرقة على تخوم إدلب وريفَي اللاذقية وحماة، انتقل ثقل الملف السوري جزئياً من جنيف إلى أستانة، حيث أطلقت روسيا وتركيا وإيران مساراً جديداً أفضى إلى إنشاء “مناطق خفض التصعيد”.

وشملت هذه المناطق محافظة إدلب وأجزاء من ريف حلب الغربي وريف حماة الشمالي وريف اللاذقية الشرقي، وريف حمص الشمالي، والغوطة الشرقية، إضافة إلى جنوب سوريا في درعا والقنيطرة.

ورغم أن الاتفاق بدا في ظاهره محاولة لتخفيف العنف وتجميد الجبهات، إلا أن الوقائع اللاحقة أظهرت أنه تحوّل في كثير من الأحيان إلى مرحلة مؤقتة سبقت حصاراً أو قصفاً أو تهجيراً، كما كرّس بصورة أوسع خرائط النفوذ والانتقال من خطاب إسقاط النظام إلى خطاب إدارة الحرب في سوريا وتثبيت خطوط التماس.

2018 عام التهجير الواسع وخسارة الجنوب

بذات السيناريو تقريباً، وبعد حصار طويل، هجّرت قوات النظام أهالي ومقاتلي الغوطة الشرقية، ثم اتسعت العمليات إلى ريف حمص الشمالي ومناطق من القلمون، حيث كانت الحملات تبدأ بالقصف والحصار وتنتهي باتفاقات إخراج نحو إدلب أو ريف حلب الشمالي.

وشهد هذا العام كذلك اتفاق المدن الأربع، الذي شمل الفوعة وكفريا في ريف إدلب من جهة، والزبداني ومضايا في ريف دمشق من جهة أخرى، وجرت الترتيبات بوساطة إيرانية وتركية وتحت إشراف أممي، لتنتقل مجموعات من السكان والمقاتلين إلى الشمال.

وفي درعا، مهد الثورة، دخلت قوات النظام وحلفاؤها إلى الجنوب السوري عبر ما سمي “اتفاقات تسوية”، بعد سنوات من خروجه عن السيطرة، ليُطوى بذلك فصل رمزي وعسكري بالغ الأهمية في تاريخ الثورة. كما حصل أمر مشابه في ريف حمص الشمالي، مع ضغوط روسية ونظامية على الأهالي لإخراج من تبقى من المقاتلين أو تسوية أوضاعهم.

وهكذا خسرت الثورة خلال عام واحد محيط العاصمة والجنوب وآخر جيوبها في حمص، وانحصرت الجغرافيا الخارجة عن سيطرة النظام إلى حد كبير في الشمال الغربي.

وفي الوقت نفسه، شهدت محافظة حلب تبدلاً آخر في الخريطة العسكرية، إذ تقدمت فصائل الجيش السوري الحر إلى جانب القوات التركية في عفرين خلال عملية “غصن الزيتون” ضد “قسد”، وانتهت العملية بالسيطرة على المنطقة.

وفي ظل هذا التراجع الكبير للفصائل، بدأ النظام، مدعوماً بغطاء جوي روسي، التمهيد للتقدم نحو إدلب، مستفيداً من الخلافات الفصائلية والخسائر المتتالية، لكن تركيا، التي أصبحت لاعباً رئيسياً في الملف العسكري، توصلت مع روسيا إلى اتفاق سوتشي، بهدف تجنيب إدلب عملية عسكرية واسعة.

ونص الاتفاق على إنشاء منطقة منزوعة السلاح بين المعارضة وقوات النظام، وسحب السلاح الثقيل والمتوسط من خطوط التماس، وإبعاد الفصائل المصنفة متشددة عن المنطقة، مع تسيير دوريات ومراقبة مشتركة.

2019 إدلب في قلب النار

بعد تراجع مناطق المعارضة، أصبحت إدلب وريفا حماة وحلب المحيطان بها الجبهة الأبرز. وخلال هذا العام شهدت المنطقة حملات عسكرية واسعة وقصفاً مكثفاً وموجات نزوح كبيرة.

تقدمت قوات النظام في عدة محاور، وسقطت لاحقاً بلدات ومدن مفصلية على خطوط التماس، فيما تحولت إدلب إلى الملاذ الأخير لملايين المدنيين والمهجرين، وذلك بعد عام من إعلان اتفاق سوتشي الذي لم يطبَّق كما ورد في بنوده، مع استمرار خروقات النظام ورفض بعض الفصائل لبنود منه، مع تنفيذها عمليات محدودة في ريفي حماة واللاذقية.

وفي العام نفسه، أقر الكونغرس الأميركي قانون “قيصر”، الذي حمل اسم المصور العسكري المنشق الذي سرّب عشرات آلاف الصور لضحايا التعذيب في سجون النظام، وشكّل القانون أداة عقوبات جديدة على النظام بسبب جرائم الحرب التي ارتكبها بحق المدنيين.

2020 اتفاق موسكو وبداية الجمود العسكري

مع خسارة المعارضة مساحات واسعة في إدلب، وما رافق ذلك من موجات نزوح ضخمة نحو الحدود التركية، تدخلت تركيا بشكل مباشر للمرة الأولى في مواجهة قوات النظام، مستخدمة وحدات برية وطائرات مسيرة من نوع “بيرقدار”، ما أدى إلى وقف الحملة العسكرية.

وانتهى التصعيد إلى اتفاق جديد بين أنقرة وموسكو في آذار 2020، ومنذ ذلك الوقت لم تعد خرائط السيطرة تشهد التحولات الكبيرة التي طبعت السنوات السابقة، بل دخلت البلاد مرحلة تثبيت خطوط التماس، مع استمرار القصف المتقطع والخروقات على أكثر من جبهة.

وفي الوقت نفسه، عادت المظاهرات في بعض المناطق المحررة لتؤكد التمسك بهدف إسقاط النظام، وللمطالبة بعودة النازحين إلى قراهم ومدنهم التي سيطرت عليها قوات النظام وروسيا، كما وجه المحتجون رسائل إلى الفصائل العسكرية والضامن التركي والمجتمع الدولي للعمل من أجل عودة آمنة للمهجرين.

وفي الجنوب، بدا المشهد أكثر تعقيداً مع عودة نشاط تنظيم داعش وزيادة التوغل الروسي، الذي أصبح الراعي الأول لاتفاقات التسوية والتهجير بعد أحداث 2018، وعمل على تأسيس الفيلق الخامس.

2021 – 2023 جمود الجبهات ومحاولات تعويم النظام

خلال هذه السنوات، بقيت خرائط السيطرة شبه مستقرة، وتركز الحديث على الطرق الدولية “إم 4” و”إم 5”، وعلى إمكانات تطوير التفاهمات القائمة، في وقت أخذ النظام يروج لعمليات تسوية وعودة بعض السكان إلى المناطق التي استعادها، كما تحدث عن مشاريع لإعادة الإعمار.

سياسياً، أعاد النظام علاقاته مع بعض الدول التي نظرت إليه بوصفه الجهة المنتصرة، وسعت في الوقت نفسه إلى الحد من تجارة الكبتاغون التي ارتبط اسمه بها. كما طرحت تركيا علناً فكرة اللقاء مع رأس النظام وضرورة الوصول إلى تسوية، وعُقد لقاء ثلاثي في موسكو بين وزراء دفاع روسيا وتركيا والنظام.

وفي هذا السياق، تمادى بشار الأسد في رفض الوساطات، ولا سيما التركية، إلى درجة السخرية من فكرة لقائه بالرئيس أردوغان، كما خرج من عزلته الدولية تدريجياً، فزار روسيا، ثم الإمارات، وشارك لاحقاً في القمة العربية في السعودية.

كما استثمر النظام آثار الزلزال الذي ضرب جنوبي تركيا وشمال سوريا في شباط 2023 لإعادة تنشيط الاتصالات السياسية واستقبال وفود عربية، قبل أن تتسلم المملكة العربية السعودية أوراق اعتماد سفير سوريا لديها.

لكن الحدث الأبرز في هذا السياق كان انتفاضة السويداء في صيف 2023، التي أعادت إحياء روح الثورة السورية، بعدما تحولت المطالب المعيشية إلى حراك سياسي واضح رفع شعار إسقاط النظام ووحدة السوريين، ولم تبق أصداؤها محصورة في الجنوب، إذ شهدت إدلب وريفها مظاهرات تضامنية واسعة رأت في حراك السويداء امتداداً مباشراً لثورة 2011.

وفي الفترة نفسها، كان لمعركة “طوفان الأقصى” في غزة أثر على الداخل السوري، ولا سيما في دمشق ومناطق النفوذ الإيراني، حيث كثفت إسرائيل ضرباتها ضد مواقع مرتبطة بإيران و”حزب الله”، ما ساهم في إضعاف الحضور الإيراني داخل سوريا، ودفع “حزب الله” إلى إعادة الانتشار والانسحاب نحو لبنان.

2024 عام الحسم وسقوط النظام

منذ بدايته، بدا عام 2024 ثقيلاً على السوريين، مع تفاقم الأزمات الاقتصادية وتصاعد الضربات الإسرائيلية داخل سوريا ضد مواقع مرتبطة بإيران، في وقت تمسك فيه الأسد بتحالفه مع طهران و”حزب الله”، ما بدد آمال بعض الدول العربية والغربية التي كانت تراهن على انفتاح سياسي منه.

وفي الشمال السوري، وخصوصاً في المناطق المحررة، تضاعفت معاناة السكان مع استمرار خروقات النظام وعودة مخاوف النزوح على امتداد خطوط التماس.

وبينما كان العالم منشغلاً بالحرب في غزة وامتدادها إلى لبنان، سعى الأسد إلى انتزاع مزيد من الاعترافات السياسية التي تعيد تعويمه، وفي الوقت نفسه كان يروّج عبر خطاباته وإعلامه لفكرة أن الهجوم على إدلب بات قريباً.

في المقابل، عملت الفصائل في إدلب والشمال السوري على تطوير تفاهمات ميدانية فيما بينها، وأعلنت تشكيل غرفة عمليات مشتركة، كانت مهمتها في البداية الرد على القصف والتجاوزات المستمرة من قبل قوات النظام، التي واصلت استهداف المدن والبلدات بالقصف المدفعي والطائرات المسيّرة، فيما استمرت الطائرات الروسية في تنفيذ ضربات على مواقع في المنطقة.

وفي 27 تشرين الثاني، أعلنت إدارة العمليات العسكرية إطلاق معركة “ردع العدوان”، في تطور عكس حجم الهشاشة التي وصلت إليها قوات النظام، وأثار دهشة أطراف إقليمية ودولية كانت لا تزال تسعى إلى إعادة تطبيع العلاقات معه.

وبالتوازي مع ذلك، واصل المقاتلون ملاحقة ما تبقى من قوات النظام، في وقت سارع عدد من القادة العسكريين والمسؤولين إلى الهرب من مواقعهم، إلى أن انهار النظام المخلوع بالكامل، وفرّ الإرهابي الفار بشار الأسد إلى موسكو في 8 كانون الأول 2024.

خاتمة: ثورة غيّرت سوريا وكتبت فصلها الأهم

منذ الشرارة الأولى وحتى سقوط النظام، قطعت الثورة السورية مساراً بالغ التعقيد، واختبرت أشكالاً متعددة من المواجهة، من الشارع السلمي إلى ميادين القتال، ومن الهتاف إلى التوثيق، ومن الحصار إلى التهجير، ومن المجازر إلى لحظة الحسم.

ولم تكن تلك السنوات مجرد تعاقب أحداث سياسية وعسكرية، بل كانت زمناً كاملاً أعاد تشكيل وعي السوريين وهويتهم الجمعية، ورسخ معاني الحرية والكرامة في وجدان أجيال كاملة، لتبقى الثورة السورية، بكل ما حملته من تضحيات وتحولات، واحدة من أبرز المحطات في تاريخ سوريا الحديث.

اقرأ المزيد
1 2 3 4 5

مقالات

عرض المزيد >