قراءة اقتصادية لزيادة الرواتب.. بين إعادة هيكلة الأجور والأثر على الوضع المعيشي
قراءة اقتصادية لزيادة الرواتب.. بين إعادة هيكلة الأجور والأثر على الوضع المعيشي
● اقتصاد ٢٥ مايو ٢٠٢٦

قراءة اقتصادية لزيادة الرواتب.. بين إعادة هيكلة الأجور والأثر على الوضع المعيشي

جسدت الزيادة النوعية الأخيرة على الرواتب والأجور خطوة في مسار تحسين الأجور داخل القطاع العام، وانعكست بصورة مباشرة على استقرار قطاعات الصحة والتربية والتعليم، باعتبارها من أكثر القطاعات ارتباطاً بحياة المواطنين اليومية وجودة الخدمات الأساسية.

في حين يتوقع أن تمتد آثار هذه الزيادات إلى الأسواق المحلية بدرجات متفاوتة عبر تنشيط الطلب الاستهلاكي وتحريك جزء من الدورة الاقتصادية، وسط استمرار النقاش حول مدى قدرة هذه الزيادات على مواجهة التضخم وتحسين القوة الشرائية بشكل فعلي ومستدام.

وأصدرت وزارة المالية التعليمات التنفيذية للمرسوم رقم 68 لعام 2026، الذي يقضي بمنح زيادات نوعية على الرواتب والأجور للعاملين في قطاعات محددة، في مقدمتها الصحة، التعليم العالي والبحث العلمي، التربية والتعليم، إضافة إلى الأوقاف، وهيئة الطاقة الذرية، ومصرف سوريا المركزي، والهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، والجهاز المركزي للرقابة المالية، مع الجهات التابعة والمرتبطة بها.

وبحسب التعليمات التنفيذية، فإن هذه الزيادات لا تُطبق بشكل موحد، بل ترتبط بـ"لائحة الزيادة النوعية التي تحدد النسب وفق المسمى الوظيفي، بما يشمل الأطباء بمختلف اختصاصاتهم، الكوادر التربوية، أساتذة الجامعات، والوظائف الرقابية والإدارية داخل المؤسسات المشمولة.

وتنص الإجراءات على منح زيادة عامة بنسبة 50% للعاملين غير المشمولين بالزيادات النوعية، تُصرف مع رواتب شهر أيار 2026، في إطار محاولة لتوسيع الأثر المالي للقرار ليشمل بقية العاملين في القطاع العام.

كما أقرت التعليمات تعويضات إضافية مرتبطة بالموقع الجغرافي، حيث يحصل العاملون في المناطق النائية على 15% من الأجر الشهري المقطوع، بينما يحصل العاملون في المناطق شبه النائية في وزارتي الصحة والتربية على 10%، في محاولة لتقليص الفجوة بين مراكز المدن والمناطق الطرفية.

وشملت الإجراءات أيضاً إعادة تنظيم أجور التدريس الإضافي، بحيث يتم احتساب أجر الساعة التدريسية وفق معادلات تربط النصاب التدريسي بالراتب المقطوع وعدد الساعات الفعلية، بما يعيد ضبط كلفة الحصص الإضافية داخل المدارس والمعاهد.

وأكدت التعليمات استمرار تعويضات لجان الامتحانات العامة بعد مضاعفتها خمس مرات وتحويلها إلى الليرة السورية الجديدة، إلى جانب الإبقاء على أنظمة تعويض التعليم الخاص وتعادل الشهادات وفق القوانين النافذة.

كما نصت على إلغاء جميع التعويضات السابقة الخاصة بالفئات المشمولة بالزيادة النوعية اعتباراً من تاريخ سريان المرسوم، في خطوة وُصفت بأنها إعادة هيكلة شاملة لمكونات الراتب وليس مجرد إضافة رقمية.

وبحسب الإطار المالي، يتم صرف الرواتب والتعويضات بالليرة السورية الجديدة حصراً، مع تحديد إمكانية صرف الراتب الأساسي قبل الزيادة في بعض الحالات، وتأجيل الجزء الإضافي لما بعد العطلة في حال وجود ضغط إداري على عملية الصرف.

وعلى المستوى الاقتصادي، قدم الخبير المالي والمصرفي "علي محمد"، قراءة تعتبر المرسوم جزءاً من تصحيح تدريجي لمنظومة الأجور يهدف إلى توجيه الزيادة نحو القطاعات التي تُنتج رأس المال البشري، مثل التعليم والصحة، مع توقع امتداد الزيادات لاحقاً إلى قطاعات إنتاجية كالصناعة والزراعة والسياحة والإدارة المحلية.

واعتبر محمد أن رفع الرواتب في هذه المرحلة يرتبط بمحاولة دعم استقرار المؤسسات أكثر من كونه معالجة فورية لمستوى المعيشة، مؤكداً أن تحسين الدخل في القطاعات الحيوية ينعكس مباشرة على جودة الخدمات العامة واستقرار الكوادر.

في المقابل، رأى الخبير الاقتصادي إيهاب اسمندر أن الزيادات الأخيرة جاءت امتداداً لسلسلة زيادات بدأت منذ منتصف 2025، لكنها أدت إلى اتساع الفجوة بين القطاعات المختلفة، بحيث باتت الرواتب مرتبطة بدرجة الاختصاص والموقع الوظيفي بشكل أكبر من أي وقت سابق.

ولفت اسمندر إلى أن متوسط التضخم الشهري خلال الفترة الأخيرة بلغ نحو 3.5%، أي ما يعادل ارتفاعاً يقارب 18% منذ بداية العام، ما يقلص جزءاً من الأثر الحقيقي للزيادة، رغم أنها تبقى “ملموسة نسبياً” في بعض الشرائح.

وقدر أن الأسرة السورية تحتاج في المتوسط إلى نحو 400 دولار شهرياً لتأمين الاحتياجات الأساسية، في حين لا يزال متوسط الأجور بعد الزيادة يتراوح بين 150 و200 دولار، ما يعني استمرار فجوة واضحة بين الدخل والمعيشة.

من جانبه، قدم الخبير الاقتصادي حسام عايش توصيفاً نقدياً للسياسة الحالية، مؤكداً أن الزيادات النوعية “إيجابية لكنها غير كافية وغير منصفة”، داعياً إلى إعادة بناء شاملة لمنظومة الأجور بعيداً عن الحلول الجزئية والانتقائية.

وأوضح عايش أن التضخم المستورد وارتفاع تكاليف الطاقة والشحن، إضافة إلى تضخم داخلي مرتبط بضعف الضبط السوقي، يؤديان إلى امتصاص سريع لأي زيادة في الرواتب، ما يجعل الأثر الصافي محدوداً على القوة الشرائية.

ودعا إلى ربط الأجور بالإنتاجية والمهارات، واعتماد زيادات دورية مرتبطة بمؤشرات التضخم الحقيقية، إلى جانب إصلاح ضريبي يخفف العبء عن الفئات الأقل دخلاً، مع تحسين بيئة المنافسة والحد من الاحتكار.

أما الباحث الاقتصادي مهند زنبركجي فركّز على أن الإشكال الأساسي لا يتعلق فقط بحجم الرواتب، بل بطبيعة النموذج الاقتصادي نفسه، مشيراً إلى أن التضخم في سوريا وصل خلال سنوات سابقة إلى مستويات تُقدّر بنحو 170 ضعفاً مقارنة بعام 2011، ما جعل أي زيادة اسمية غير كافية لتعويض الانهيار السابق في القوة الشرائية.

وتطرق زنبركجي إلى الفرق بين الزيادة الظاهرية في الراتب والزيادة الفعلية في القدرة الشرائية، موضحاً أن التحسن الحالي لا يزال جزئياً، وأن الموظف السوري تحسن وضعه نسبياً مقارنة بأسوأ سنوات الانهيار، لكنه لم يصل إلى مستوى معيشة مستقر أو كافٍ.

في حين حذر من أن رفع الرواتب دون نمو إنتاجي حقيقي قد يؤدي إلى موجات تضخمية جديدة، داعياً إلى ربط الأجور بالإنتاجية والكفاءة، ومنح القطاعات الحيوية مثل الصحة والتعليم والتكنولوجيا والقضاء نظام أجور مستقل وأكثر تنافسية.

وفقا للخبير الاقتصادي محمد قوجه فإن هذه الزيادة تحمل بعداً رمزياً مهماً رغم محدودية الأثر المعيشي المباشر، حيث تسهم في تصحيح جزء من التشوهات المتراكمة في الأجور، وتعيد الاعتبار للكوادر العاملة في القطاعات الحيوية، ولا سيما أن تعويض المناطق النائية، وهو ما من شأنه التخفيف من الفجوة في تكاليف المعيشة والحد من هجرة الأطباء والمعلمين.

وأشار إلى أن الهدف الأساسي لهذه الزيادة، يتمثل في تحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، من خلال ضمان دوامٍ فعال في المدارس والمشافي، وتأمين وجود الكوادر الطبية والتعليمية في المناطق البعيدة، إضافة إلى تخفيف حالة الإحباط الوظيفي.

وأوضح أن التركيز على المناطق النائية يعد خياراً اقتصادياً مهماً، نظراً لما تعانيه تلك المناطق من نقص مزمن في الخدمات الأساسية، موضحاً أن أي تحفيز مالي فيها ينعكس بصورة مباشرة على مؤشرات التعليم والصحة.

وذكر الخبير الاقتصادي محمد كوسا، أن هذه الزيادة النوعية تعد خطوة مهمة ستنعكس إيجاباً على المستوى المعيشي للمواطنين، بشرط أن تترافق مع شمول المتقاعدين والعاملين في القطاع الخاص بزيادات مماثلة، بما يحقق أثراً اقتصادياً أشمل وينشط حركة الأسواق.

واعتبر أن هذه الخطوة تمثل تقديراً للجهود التي يبذلها العاملون في مختلف القطاعات، مشدداً على ضرورة ضبط أسعار الصرف والحد من ارتفاع الدولار، ومحذراً من استغلال بعض التجار لتقلباته في رفع الأسعار، ما قد يؤدي إلى تآكل أثر الزيادات في ظل الغلاء الذي يشهده السوق حالياً.

وتجمع القراءات الاقتصادية على أن المشكلة الجوهرية تكمن في ضعف القاعدة الإنتاجية للاقتصاد، واعتماده الكبير على الاستيراد والتحويلات واقتصاد الظل، ما يجعل أي زيادة في الأجور عرضة للتآكل السريع داخل السوق.

كما تشير التقديرات إلى أن الاقتصاد السوري لا يزال يعاني من اختلال مزمن بين الدخل والأسعار، وهو ما يضع السياسات المالية أمام معادلة صعبة بين تحسين الدخل وتفادي تضخم إضافي.

هذا ويرى مراقبون أن الزيادات النوعية الحالية تبدو خطوة انتقالية في مسار طويل لإعادة تشكيل منظومة الأجور في سوريا، تقوم على استهداف قطاعات محددة ومحاولة تثبيت الكفاءات، لكنها ما تزال، وفق معظم الخبراء، معالجة جزئية تحتاج إلى إصلاح اقتصادي أوسع يشمل الإنتاج والأسعار وسوق العمل لضمان أثر فعلي ومستدام على المستوى المعيشي.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ