النساء المتأخرات في الزواج... ضغوط مستمرة وتأثيرات نفسية
النساء المتأخرات في الزواج... ضغوط مستمرة وتأثيرات نفسية
● مجتمع ٩ يوليو ٢٠٢٦

النساء المتأخرات في الزواج... ضغوط مستمرة وتأثيرات نفسية

تتعرض النساء المتأخرات في الزواج لنظرة اجتماعية قاسية، قد تتجلى في إطلاق أوصاف جارحة مثل "عانس"، وفي التعامل مع حالتهن على أنها مشكلة ينبغي حلها، ما ينعكس على موقعهن داخل الأسرة والمجتمع ويضعهن أمام ضغوط مستمرة.

تتعدد أسباب تأخر الزواج لدى النساء تبعاً للظروف الشخصية والأسرية المحيطة، ومن بينها ما يتعلق بالأسرة، مثل تحمّل بعض النساء مسؤوليات داخل المنزل أو تأجيل الزواج لأسباب عائلية، إلى جانب الاستمرار في التعليم أو التركيز على العمل وبناء الاستقرار الشخصي.

كما تلعب التغيرات الاجتماعية دوراً في ذلك، مع اختلاف معايير اختيار الشريك وارتفاع سقف التوقعات، إضافة إلى عوامل فردية تتعلق بالقناعة أو عدم توفر شريك مناسب، ما يجعل تأخر الزواج نتيجة لتداخل عدة عوامل.

في هذا السياق، قال الاختصاصي في الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي، والمدرّب في مجال الإرشاد والمشورة النفسية ماهر قصّار، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن هذا الموضوع ليس قضية اجتماعية فحسب، وإنما يمس جوهر الهوية والكرامة الإنسانية، موضحاً أن اللغة التي نستخدمها قد تتحول إلى "إطارات وقوالب" نضع فيها عقول أفراد المجتمع، وعندما تتحول هذه الإطارات إلى أحكام تؤثر في التصنيف والإقصاء، فإنها تترك جروحاً نفسية عميقة في نفوس من يستقبلها.

وأضاف أن خطورة هذه المصطلحات من المنظور النفسي تكمن في أنها تصنع أحكاماً اجتماعية، فالمرأة قد تكون ناجحة في عملها، مستقرة نفسياً، وفاعلة في مجتمعها، لكن تكرار النظر إليها على أنها "السلعة التي يجب أن تحقق بيعاً"، وتكرار الرسائل السلبية، قد يجعلها تشعر وكأنها أقل قيمة أو أنها أخفقت في تحقيق ما يتوقعه الآخرون منها، ومع مرور الوقت قد تتسلل هذه الأفكار إلى صورتها عن نفسها، فتؤثر في تقديرها لذاتها، وتولد لديها مشاعر الحزن أو القلق أو الإحباط، ليس بسبب تأخر الزواج بحد ذاته، وإنما بسبب الطريقة التي ينظر بها المجتمع إليها.

وأشار إلى أن الضغوط  تمتد إلى الممارسات اليومية، حيث تتعرض كثير من النساء لأسئلة متكررة مثل: "متى سنفرح بك؟" أو "لماذا لم تتزوجي حتى الآن؟"، وقد يُقارنّ بأخريات أصغر سنًا، أو يتعرضن لمحاولات مستمرة للتدخل في قراراتهن الشخصية، وفي بعض الأسر تتحول هذه الضغوط إلى مصدر دائم للتوتر، فتشعر المرأة بأنها مطالبة بإرضاء المجتمع أكثر من اهتمامها بما يناسب حياتها واختياراتها.

ونوّه إلى أن هذه الضغوط قد تنعكس على الصحة النفسية بطرق مختلفة، فقد تدفع بعض النساء إلى العزلة الاجتماعية تجنباً للأسئلة المحرجة، أو إلى القبول بعلاقات غير صحية خوفاً من نظرة المجتمع، أو إلى العيش في حالة مستمرة من القلق والشعور بعدم الرضا عن الذات، لافتاً إلى أن المشكلة في كثير من الأحيان ليست في تأخر الزواج، وإنما في الضغط النفسي الذي يرافقه.

وبيّن أن للإعلام والخطاب التوعوي الاجتماعي دوراً كبيراً في هذا الإطار، فعندما تُقدَّم المرأة غير المتزوجة على أنها "حالة ناقصة" أو "مشكلة تحتاج إلى حل"، فإن ذلك يعزز الوصم ويكرّس الحكم والإطار السلبي، أما عندما يسلّط الإعلام الضوء على المرأة كإنسان كامل له حق اختيار توقيت حياته، وله أدوار متعددة في المجتمع، فإنه يسهم في بناء ثقافة أكثر احتراماً وإنصافاً، فالكلمات التي نستخدمها تصنع الوعي، وقد تكون سبباً في شفاء إنسان أو في جرحه.

ولفت إلى أن رسالته لكل شابة تواجه هذا النوع من الضغوط هي أن تدرك أن قيمتها الإنسانية لا ترتبط بعمرها ولا بحالتها الاجتماعية، فمرحلة الزواج ليست مقياساً للنجاح أو الفشل ولا شهادة على قيمة الإنسان، مشدداً على أهمية استثمار الوقت في التعليم والعمل والصحة النفسية والعلاقات الإيجابية، والإحاطة بأشخاص داعمين بدلاً من أولئك الذين يثقلونها بالأحكام.

وذكر أن من حق المرأة أن تضع حدوداً صحيّة بينها وبين الأسئلة والتعليقات المتكررة، وأن تعبّر باحترام عن عدم رغبتها في الخوض في حياتها الخاصة، موضحاً أن طلب الدعم النفسي عند الشعور بتأثير هذه الضغوط ليس علامة ضعف، بل خطوة واعية لحماية الذات.

وأكد أن المجتمع يحتاج إلى الانتقال من سؤال المرأة: "متى سنفرح بكِ" إلى سؤال أكثر إنسانية: "هل أنتِ بخير؟ وهل تعيشين ما يدعم كرامتك وصحتك النفسية؟"، مبيناً أن الصحة النفسية لا تُبنى على تحقيق توقعات الآخرين، وإنما على أن يعيش الإنسان حياته وفق قناعاته وظروفه، في بيئة تحترم اختياراته وتقدّر إنسانيته قبل أي شيء آخر.

ينصح أخصائيون نفسيون النساء اللواتي يواجهن ضغوطاً بسبب تأخر الزواج بالتركيز على استقرارهن النفسي والتعامل بوعي مع نظرة المجتمع، دون ربط قيمتهن الشخصية بالحالة الاجتماعية، كما يؤكدون أهمية تنظيم الأولويات بما يتناسب مع ظروف كل سيدة، سواء على مستوى التعليم أو العمل أو الحياة الخاصة، إلى جانب التعامل مع الأسئلة والتعليقات المتكررة بهدوء ووضع حدود مناسبة لها. 

يرتبط تأخر الزواج بمجموعة من العوامل المتداخلة التي تختلف باختلاف الظروف الشخصية والأسرية والاجتماعية، في وقت لا تزال فيه بعض الأنماط المجتمعية تفرض أحكاماً وضغوطاً على النساء بسبب حالتهن الاجتماعية، وفي المقابل، تبرز أهمية تبنّي خطاب أكثر توازناً يراعي الخصوصية الفردية ويبتعد عن التعميم، بما يسهم في تخفيف هذه الضغوط وتعزيز فهم يقوم على احترام تنوّع التجارب الإنسانية.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ