بين القدرة الشرائية والمواصفات.. كيف تحدد الأسواق السورية جودة السلع وخيارات المستهلك؟
بين القدرة الشرائية والمواصفات.. كيف تحدد الأسواق السورية جودة السلع وخيارات المستهلك؟
● اقتصاد ٩ يوليو ٢٠٢٦

بين القدرة الشرائية والمواصفات.. كيف تحدد الأسواق السورية جودة السلع وخيارات المستهلك؟

تشهد الأسواق السورية تغيرات واضحة في طبيعة السلع المتداولة وأنماط استهلاك المواطنين، في ظل تداخل عوامل عدة تتحكم بجودة المنتجات وانتشارها، بدءاً من المواصفات الفنية والرقابة، مروراً بمستويات الدخل والقدرة الشرائية، وصولاً إلى سلوك المستهلك وتفضيلاته.

ويبرز في هذا السياق تساؤل أساسي حول المعايير التي تحدد جودة السلعة، وما إذا كانت المنافسة في السوق كفيلة بإخراج المنتجات الأقل جودة، أم أن الظروف الاقتصادية الحالية جعلت السعر العامل الأكثر تأثيراً في قرارات الشراء.

وفي تصريح لصحيفة الثورة السورية يرى رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية الدكتور مازن ديروان أن تحديد نوعية السلعة في الأسواق يرتبط بشكل أساسي برغبات المستهلك والبضائع المنافسة المتوفرة، موضحاً أن المنتج الذي يلبي توقعات الزبائن ويتناسب مع احتياجاتهم قد ينظر إليه على أنه جيد حتى في حال وجود منتجات ذات مواصفات تقنية أعلى.

ويشير ديروان إلى أن مفهوم "البضاعة الجيدة تطرد البضاعة السيئة" يبقى نسبياً ضمن السوق التنافسية، إذ إن المستهلك يختار السلعة الأقرب إلى قدرته الشرائية وذوقه، وليس بالضرورة الأعلى من حيث المواصفات، لافتاً إلى أن مستوى الدخل يلعب دوراً رئيسياً في تحديد الخيارات المتاحة أمام المواطنين.

وأوضح أن ارتفاع الدخل يوسع قدرة المستهلك على اختيار منتجات ذات جودة أعلى، بينما يدفع انخفاض القدرة الشرائية باتجاه البحث عن بدائل أقل سعراً، مؤكداً عدم وجود علاقة مباشرة بين مستوى الربح وجودة المنتج، إذ يمكن أن تحقق بعض السلع منخفضة الجودة أرباحاً مرتفعة نتيجة ظروف السوق، كما يمكن لسلع ذات جودة عالية أن تحقق أرباحاً محدودة.

من جهته، يؤكد عضو غرفة صناعة دمشق وريفها حسان دعبول أن المواصفات والمقاييس تبقى المعيار الأساسي للحكم على جودة المنتجات، مبيناً أن السلعة التي تحقق المعايير المطلوبة تعد مقبولة، بينما تتراجع جودتها في حال عدم الالتزام بالمواصفات.

وأشار دعبول إلى أن السوق يضم شرائح مختلفة من المستهلكين، فهناك من يبحث عن السعر الأقل، وهناك من يفضل الجودة الأعلى ومستعد لدفع تكلفة إضافية مقابلها، مؤكداً أهمية دور الجهات الرقابية في التأكد من مطابقة المنتجات المحلية والمستوردة للمواصفات المعتمدة.

وأوضح أن انخفاض مستوى الدخل يؤدي إلى زيادة الطلب على السلع الأرخص، حتى لو كانت أقل جودة، ما يجعل الرقابة وتطبيق المعايير ضرورة للحفاظ على التوازن بين حماية المستهلك ودعم الصناعة الوطنية.

وفي السياق ذاته، يرى نائب رئيس القطاع الكيميائي في غرفة صناعة دمشق وريفها محمود المفتي أن المنتجات السورية الملتزمة بالمواصفات القياسية تتمتع بجودة جيدة كحد أدنى، بينما تسعى بعض الصناعات إلى تقديم منتجات تتجاوز المعايير الأساسية عبر استخدام مواد أولية أفضل وتقنيات إنتاج أكثر تطوراً.

وأكد المفتي أن الالتزام بالمواصفات يشكل ضمانة أساسية لجودة المنتجات، مشيراً إلى وجود شريحة من الصناعات التي تحاول بناء علامة نوعية خاصة بها واستهداف المستهلك الباحث عن مستويات أعلى من الجودة.

في المقابل، يرى العضو السابق في غرفة صناعة دمشق وريفها حسام عابدين أن العرض والطلب هما العاملان الأكثر تأثيراً في تحديد حركة الأسواق، إلا أن الواقع الحالي جعل القدرة الشرائية للمستهلك العامل الحاسم في قرارات الشراء.

وأوضح عابدين أن بعض المنتجات المستوردة منخفضة السعر تنافس المنتج المحلي بسبب انخفاض تكاليف إنتاجها، مشيراً إلى أن بعض هذه المنتجات قد تكون ضعيفة الجودة نتيجة عدم الالتزام بالمواصفات، بينما يتحمل المنتج الوطني تكاليف إنتاج مرتفعة تحد من قدرته على المنافسة.

ولفت إلى أن انخفاض تكاليف بعض المنتجات قد يدفع إلى تحقيق أرباح أعلى رغم تدني الجودة، نتيجة الاعتماد على مواد أولية أقل تكلفة، مؤكداً أن حماية المستهلك تبدأ من خلال وجود مواصفات واضحة ورقابة فعالة تمكن المواطن من التمييز بين المنتجات قبل شرائها.

بدوره، دعا رئيس مجموعة للتجارة والصناعة عبد السلام الشواف إلى تطوير المواصفات القياسية بما يتناسب مع تطورات الأسواق والقدرة الشرائية للمستهلك، معتبراً أن تحديث التشريعات والمعايير يساعد الصناعة المحلية على تحسين تنافسيتها.

وأشار إلى أن بعض المواصفات تحتاج إلى مراجعة بما يراعي الأداء الفعلي للمنتج وتكاليف الإنتاج، بما يتيح للصناعيين تقديم منتجات مناسبة للسوق دون الإخلال بالجودة المطلوبة.

ويرى الصناعي نزيه شموط أن جودة السلعة ترتبط بعوامل متعددة، أبرزها نوعية المواد الأولية، وجودة التصنيع، والعمر التشغيلي، ومدى الالتزام بالمواصفات، لكنه يؤكد أن المشكلة الأساسية تكمن في صعوبة معرفة المستهلك لجودة المنتج قبل شرائه، ما يجعل السعر عاملاً حاسماً في كثير من الأحيان.

وأوضح شموط أن المنتج الوطني يواجه تحديات كبيرة نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج، في وقت تنافسه منتجات مستوردة منخفضة السعر، مشدداً على أن المشكلة ليست في بلد المنشأ بحد ذاته، وإنما في استيراد الفئات الأقل سعراً ومواصفات.

من جانبه، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش أن جودة السلع تخضع لمعايير تشمل المواصفات القياسية وبلد المنشأ وبطاقة البيان، إضافة إلى دور الرقابة وحماية المستهلك في الحد من انتشار المنتجات مجهولة المصدر.

وأشار عياش إلى أن تراجع القدرة الشرائية يؤدي إلى تغير أنماط الاستهلاك، حيث يتجه المواطن إلى السلع الأرخص سعراً حتى لو كانت أقل جودة، مؤكداً أن العلاقة بين الدخل ونوعية السلع علاقة مباشرة، فكلما ارتفع دخل المستهلك زادت قدرته على طلب المنتجات ذات الجودة الأعلى.

وأضاف أن عوامل عدة تؤثر في قرارات الشراء، منها توفر البدائل، وطبيعة السلعة، ونسبة سعرها إلى دخل المستهلك، ومستوى المنافسة في السوق، مبيناً أن انخفاض الدخل يجعل تلبية الاحتياجات الأساسية أولوية على حساب اختيار المنتجات الأعلى جودة.

وفي ظل هذه الظروف، لا تقتصر تحديات السوق السورية على جودة السلع فقط، بل تمتد إلى ارتفاع مستويات الفقر وتراجع القدرة الشرائية، الأمر الذي فرض على الأسر إعادة تنظيم أولويات الإنفاق والتكيف مع ارتفاع تكاليف المعيشة.

هذا وتشير تقديرات اقتصادية واجتماعية إلى أن اتساع دائرة الفقر يرتبط بعوامل عدة، أبرزها فقدان مصادر الدخل، ارتفاع الأسعار، ضعف فرص العمل، وتراجع الخدمات الأساسية، ما ينعكس على قدرة الأسر في تأمين احتياجاتها اليومية.

وترى الباحثة الاجتماعية الدكتورة ولاء اليوسف أن الفقر لا يقتصر على انخفاض الدخل، بل يشمل ضعف القدرة على الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية والسكن والخدمات الأساسية، محذرة من تداعيات اجتماعية تشمل زيادة التسرب المدرسي وعمالة الأطفال وتراجع الاستقرار المجتمعي.

ويؤكد الباحث الاقتصادي فاخر القربي أهمية تنفيذ إصلاحات اقتصادية طويلة الأمد تشمل إعادة بناء البنية التحتية وتنشيط القطاعات الإنتاجية وتحسين بيئة الاستثمار، إلى جانب مراجعة سياسات الدعم بما يضمن وصوله إلى الأسر الأكثر حاجة.

وفي ظل تراجع القدرة الشرائية، باتت إدارة ميزانية الأسرة السورية تحدياً يومياً، حيث يعتمد كثير من المواطنين على تقليل المصاريف وترتيب الأولويات والبحث عن البدائل الأقل تكلفة.

ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور وائل الحسن أن المرحلة الحالية تتطلب اعتماد ميزانية مرنة داخل الأسرة، تقوم على تحديد الاحتياجات الأساسية ومراقبة الإنفاق وتقليل الهدر والاعتماد على التخطيط المسبق للمشتريات.

وبالتوازي مع هذه التحديات الاقتصادية، تواصل الجهات الرقابية إجراءاتها لضبط الأسواق، حيث نفذت مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك في طرطوس جولات للتأكد من سلامة الموازين ومطابقتها للمعايير المعتمدة، ونظمت ضبوطاً بحق مخالفين في سوق الهال بسبب التلاعب بالأوزان.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الإجراءات تظهر أهمية تعزيز الرقابة على الأسواق بالتوازي مع تحسين القدرة الشرائية، إذ يبقى استقرار السوق مرتبطاً بتوازن معقد بين جودة المنتج، وعدالة الأسعار، وقدرة المستهلك على الاختيار.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ