ضعف الوعي القانوني لدى بعض الأفراد وأثره على حماية الحقوق وتنظيم العلاقات
بعض الأفراد في سوريا لا يولون الاهتمام الكافي للجانب القانوني في حياتهم اليومية، إذ غالباً ما يُنظر إلى القوانين على أنها مرتبطة بالمشكلات أو الإجراءات عند الحاجة فقط، وليس كجزء أساسي من الوعي اليومي.
في حين أن المعرفة القانونية تُعد ضرورة تمكّن الفرد من فهم حقوقه وواجباته، وتحميه من ضياع حقوقه أو التعدي على حقوق الآخرين، كما تسهم في تسهيل التعامل مع الإجراءات والمعاملات الرسمية، وتعزز قدرته على اتخاذ قراراته ضمن إطار قانوني سليم يضمن مصالحه وينظم علاقاته داخل المجتمع.
وتتعدد أسباب ضعف هذا الاهتمام، أبرزها ربط القانون بالمشكلات فقط، إذ لا يلجأ إليه كثيرون إلا عند وقوع نزاع أو دعوى، ما يقلل من الإحساس بأهمية معرفته بشكل مسبق، إلى جانب غياب التعليم القانوني المبكر وعدم إدخال المفاهيم القانونية ضمن التنشئة أو المناهج التعليمية.
كما يسهم تعقيد اللغة والمصطلحات والإجراءات القانونية في ابتعاد البعض عنها، إضافة إلى اعتماد بعض الأفراد على الخبرة الاجتماعية ونصائح المحيطين بهم بدلاً من الرجوع إلى القانون، فضلاً عن انشغال شريحة واسعة بالظروف المعيشية واعتبار المعرفة القانونية أمراً ثانوياً.
في المقابل، ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة في توسيع الوصول إلى المحتوى القانوني المبسط، حيث بات بإمكان الأفراد التعرف على القوانين والحقوق والإجراءات المرتبطة بحياتهم اليومية عبر مواد توعوية يقدمها محامون وحقوقيون من خلال مقاطع فيديو ومنشورات دورية، إلى جانب تداول دراسات ومقالات قانونية بشكل أوسع، وهو ما ساهم في تعزيز مستوى الوعي لدى شريحة من المجتمع، رغم أن هذا الأثر ما يزال محدوداً لدى البعض نتيجة ضعف المتابعة أو الاهتمام بهذا النوع من المحتوى.
الوعي القانوني ودوره في حماية الحقوق وتعزيز المعرفة المجتمعية
قالت المحامية والناشطة النسوية والمدنية حنان زهر الدين، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الوعي القانوني هو ضرورة مجتمعية يحتاج إليها الأفراد في حياتهم لتدبير شؤونهم القانونية ومعاملاتهم الإدارية والقضائية، لتثبيت ملكياتهم والمحافظة عليها، وذلك بالشكل البسيط.
وأضافت أن الوعي القانوني في هذه المرحلة التي تمر بها سوريا، ومع التوجه نحو تأسيس دستور يحمي حقوق الأفراد ويضمن المساواة والعدالة والكرامة الإنسانية، يعد أمراً أساسياً.
وبينت أن الوعي القانوني يمكن الأفراد من معرفة حقوقهم وكيفية حمايتها، والعمل على صياغتها بالشكل الذي يضمن ويحمي مصالحهم، لافتةً إلى أن المجتمع يعاني من ضعف في هذا الوعي حتى في أبسط التفاصيل، نتيجة عدم تدريس القانون في المناهج المدرسية وعدم دخوله في التربية الثقافية بشكل عام، إلى جانب غياب المنظمات الحقوقية التي تعمل على أرض الواقع في نشر هذا الوعي وتسهيل الوصول إليه وتوسيع إدراك الأفراد.
وأشارت في تصريح خاص لـ شام، إلى أن معظم الأفراد لا يعرفون أو لا يدركون حقوقهم الأساسية التي تحفظ إنسانيتهم وكرامتهم، وكذلك تحفظ الأنظمة الموجودة عبر مراعاتها وعدم مخالفتها، لما لذلك من تأثير على بنية المجتمع ككل.
وأضافت أن المطلوب من وسائل الإعلام أن تخصص زوايا قانونية يومية ثابتة في برامجها للتوعية القانونية، وأن تتعاون مع المحامين والمحاميات في نشر هذه الثقافة، مشيرة إلى أن كثيراً من الأشخاص يفقدون حقوقهم المالية والوظيفية نتيجة عدم معرفتهم بالقوانين.
ونوّهت إلى أن الكثير من النساء على وجه الخصوص لا يستطعن الوصول إلى المحاكم والتقاضي بسبب عدم المعرفة أولاً، وثانياً بسبب أوضاعهن الاقتصادية التي لا تمكنهن من رفع الدعاوى لتثبيت حقوقهن أو المطالبة بها، مؤكدة ضرورة وضع خطط وسياسات وتقديم استشارات قانونية مجانية لمساعدتهن في الوصول إلى حقوقهن.
وأكدت المحامية حنان على أن تبسيط لغة القانون في وسائل الإعلام وعبر ورشات التوعية القانونية من شأنه أن يسهم في زيادة الوعي القانوني وحل المشكلات التي تواجه الأفراد.
ويرى محامون أن ضعف الوعي القانوني لا يرتبط فقط بغياب المعرفة بالنصوص، بل بضعف الإلمام بالإجراءات العملية المرتبطة بالحقوق، مثل كيفية تنظيم العقود وتوثيقها أو متابعة المعاملات الرسمية، ما يؤدي في كثير من الحالات إلى أخطاء قانونية يمكن تفاديها بسهولة، وبيّنوا أن العديد من النزاعات التي تصل إلى المحاكم تعود في أساسها إلى غياب هذا الحد الأدنى من المعرفة، لا سيما في التعاملات غير الموثقة أو الاتفاقات الشفوية.
في المقابل، أشار حقوقيون إلى أن المشكلة تتجاوز الأفراد لتشمل محدودية وصول المعلومات القانونية المبسطة إلى المجتمع، إذ تبقى المعرفة القانونية في كثير من الأحيان محصورة ضمن الأوساط المتخصصة، ولفتوا إلى أن تعزيز الوعي القانوني يتطلب تقديم محتوى واضح وقابل للتطبيق في الحياة اليومية، بما يساعد الأفراد على فهم حقوقهم وممارستها بشكل فعلي، والحد من النزاعات قبل وقوعها.
ويبقى الوعي القانوني عنصراً مهماً في تنظيم حياة الأفراد داخل المجتمع، وفهم الحقوق والواجبات والإجراءات المرتبطة بها، سواء في التعاملات اليومية أو في الحالات التي تتطلب مساراً قانونياً، ومع تنوع مصادر المعرفة وتطور أدوات الوصول إلى المعلومات، تتعدد المسارات التي يمكن أن تسهم في تعزيز هذا الوعي وتوسيع نطاقه لدى مختلف الفئات.