رحلة الأمهات مع أطفالهن ذوي الإعاقة بين التحديات اليومية والحاجة للدعم المجتمعي
تشكل رعاية الأطفال، ولا سيما ممن يحتاجون إلى متابعة صحية خاصة، تحدياً متشابكاً يفرض على الأسرة أعباء متعددة، تبدأ من لحظة التشخيص وتمتد إلى مراحل المتابعة اليومية والتأهيل، في ظل ظروف معيشية قد تزيد من صعوبة التعامل مع هذه الحالات.
تبرز تجارب الأمهات كمصدر مهم لفهم ما يرافق هذه الرحلة من تفاصيل دقيقة، سواء على مستوى الملاحظة المبكرة للتغيرات الصحية، أو السعي للحصول على التشخيص، وصولاً إلى التكيف مع متطلبات الرعاية والبحث عن الدعم الطبي والتأهيلي.
في هذا السياق، روت سلمى مصطفى (اسم مستعار)، لسيدة تبلغ من العمر 38 عاماً، وتقيم في دير حافر بريف حلب، قصتها لشبكة شام الإخبارية، قائلة إن لديها أربعة أطفال، الأصغر اسمه محمد، وُلد بعد حمل صعب ومرهق، واجهت خلاله مشاكل صحية كثيرة، ثم انتهى بولادة مبكرة.
وأضافت أنها شعرت منذ اليوم الأول بأن طفلها غير طبيعي، وذلك من خلال رضاعته وبكاءه وملامحه، ما أثار قلقها، فيما بعد اصطحب زوجها الطفل برفقة شقيقتها إلى الطبيب، وهي لم تكن معهم بسبب وضعها الصحي، فطلب منهم إجراء تحاليل كروموسومات للطفل.
وبعد ظهور نتيجة التحليل، امتنع الزوج عن إخبارها خوفاً عليها من تأثير الصدمة، ولأنها كانت منجبة حديثاً ووضعها الصحي متعب، ثم بعد مرور أربعة أشهر، ازدادت شكوكها، خاصة مع تكرار ملاحظات الأشخاص من حولها بأن الطفل يبدو غير طبيعي، ما دفعها للإصرار على عرضه على الطبيب مجدداً.
وأشارت سلمى إلى أنه في تلك المرحلة أخبرها زوجها بأن طفلها مصاب بمتلازمة داون، لتعيش أقسى لحظة مرت عليها في حياتها حسب وصفها، إلا أنها حاولت التماسك والتحلي بالقوة لتتمكن من مساعدة طفلها والاعتناء به، وانطلاقاً من مسؤوليتها كأم تجاه عائلتها.
ونوهت إلى أنها بدأت رحلة السعي المستمر للبحث عن أطباء ومراكز طبية وعلاجية لمساعدة طفلها، وأكدت أنها كرّست وقتها للاطلاع على المعلومات المتعلقة بمتلازمة داون، والتنقل بين المراكز والأخصائيين بهدف دعمه، إلا أنها واجهت صعوبات تتعلق بالتكاليف المرتفعة والمواصلات وغيرها من التحديات، لكنها أصرت على متابعة الوقت تطورات طفلها، وبذل كل جهد ممكن لمساعدته.
تعكس هذه التجربة جانباً من التحديات التي تواجهها الأسر، وهو ما يفسره مختصون من خلال قراءة الأثر النفسي والاجتماعي لمثل هذه الحالات على توازن الأسرة.
وفي سياق متصل، قالت الأخصائية الاجتماعية الأسرية صفاء الصالح في تصريح خاص لـ شام، إن الإعاقة أو الصعوبات النمائية تنعكس بشكل مباشر على توازن الأسرة، حيث تتحول إلى ما يشبه حالة طوارئ دائمة تعيد من خلالها ترتيب أدوارها ومسؤولياتها.
ولفتت إلى أن ذلك قد يؤدي إلى اختلال في توزيع الاهتمام بين الأبناء، وما قد يرافقه من مشاعر غيرة أو انسحاب لدى الإخوة، إضافة إلى زيادة الضغوط المالية والعاطفية التي قد تنعكس على العلاقة بين الزوجين أو على أساليب التعامل مع الطفل، فضلاً عن تغير توقعات الأسرة تجاه المستقبل وما يرافقه من قلق مستمر.
وأوضحت أن الأهل يمرون عند اكتشاف الحالة بمشاعر متعددة تبدأ بالصدمة والإنكار، يليها بحث مكثف عن تفسير أو علاج، إلى جانب الخوف من المستقبل ونظرة المجتمع، والشعور بالذنب أو لوم الذات، خاصة لدى الأمهات، مشيرة إلى أن هذه المرحلة قد تؤثر على الاستقرار الأسري، فتتراوح ردود الفعل بين التقارب الشديد أو الانسحاب العاطفي بحسب قدرة الأسرة على التكيف.
وأضافت أن الأسر تواجه تحديات اجتماعية متعددة، من بينها الوصمة المجتمعية ونظرة الشفقة أو التقليل من قدرات الطفل، إلى جانب نقص الوعي في المدارس حول آليات التعامل مع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وصعوبة الوصول إلى خدمات تأهيلية مناسبة، فضلاً عن التعرض لتعليقات أو أسئلة قد تزيد من الضغط النفسي، وضعف السياسات الداعمة لدمج هؤلاء الأطفال في المجتمع.
وبيّنت أن التعامل مع الضغوط اليومية يتطلب اعتماد روتين ثابت يمنح الطفل شعوراً بالأمان، وتوزيع الأدوار بين الوالدين لتخفيف الإرهاق، إلى جانب طلب الدعم من المحيط الاجتماعي، وممارسة مهارات التنظيم الانفعالي، والتركيز على نقاط القوة لدى الطفل، مع تخصيص وقت للحفاظ على توازن العلاقة بين الوالدين.
وفيما يتعلق بتعزيز دمج الطفل، أشارت إلى أهمية التحدث عنه بثقة وإيجابية، وإشراكه في الأنشطة المناسبة لعمره وقدراته، والتعاون مع المدرسة لضمان خطة دعم واضحة، إضافة إلى تنمية مهاراته في التواصل والاستقلال تدريجياً، ونشر الوعي في المحيط القريب حول طبيعة حالته، مع العمل على تعزيز ثقته بنفسه وحمايته من الوصمة داخل الأسرة والمجتمع.
يرى مختصون في المجال النفسي والاجتماعي أن الأمهات اللواتي يرعين أطفالاً من ذوي الإعاقة يواجهن ضغوطاً نفسية مركبة، تبدأ من لحظة اكتشاف الحالة وما يرافقها من صدمة وقلق، وتمتد إلى مراحل طويلة من المتابعة اليومية التي تتطلب جهداً عاطفياً وجسدياً مستمراً.
ويشيرون إلى أن هذه الضغوط قد تنعكس على الحالة النفسية للأم، فتظهر على شكل توتر دائم، أو إرهاق نفسي، أو شعور بالعزلة، خاصة في حال غياب الدعم الكافي من المحيط.
ويؤكد المختصون على أهمية الدور الذي يلعبه الوسط المحيط، سواء الأسرة الممتدة أو المجتمع، في التخفيف من هذه الأعباء، من خلال تقديم الدعم النفسي والمعنوي، وتفهم طبيعة التحديات التي تواجهها الأم، إضافة إلى تعزيز بيئة داعمة تقلل من الوصمة الاجتماعية وتشجع على الاندماج.
كما يشددون على أن وجود شبكات دعم، سواء عبر الأقارب أو المختصين أو مجموعات الأهالي، يسهم في تحسين التوازن النفسي للأم ويخفف من شعورها بالضغط، بما ينعكس إيجاباً على قدرتها في رعاية طفلها.
تُظهر رعاية الأطفال ذوي الإعاقة تداخلاً بين الجوانب الصحية والاجتماعية والنفسية، وما يرتبط بها من تحديات تواجهها الأسر في المتابعة اليومية، كما تعكس تجارب الأمهات وما أورده المختصون واقعاً يتصل بطبيعة الخدمات المتوفرة، ومستوى الوعي المجتمعي، والعوامل التي تؤثر في التعامل مع متطلبات الرعاية على المدى الطويل.