وفاة الشاب محمد غميرة بعد تدهور حالته عقب الاحتجاز.. توقيف 7 أشخاص ومطالب بتحقيق شفاف ومحاسبة المسؤولين
أعلنت عائلة الشاب محمد حسام الدين غميرة وفاته، بعد أيام من تحول قضيته إلى قضية رأي عام ومطالبتها بفتح تحقيق طبي وقضائي عاجل لكشف ملابسات التدهور الخطير في حالته الصحية عقب دخوله مخفر الحفة بريف اللاذقية، قبل نقله إلى المستشفى مصاباً بنزيف دماغي وإدخاله قسم العناية المشددة.
من المخفر إلى العناية المشددة
وقالت العائلة إن غميرة، الذي كان يعاني من مرض "الناعور"، وهو اضطراب يؤثر في قدرة الدم على التخثر، دخل المخفر بحالة صحية مستقرة، وكان واعياً وقادراً على الحديث، قبل أن ينقل لاحقاً إلى المستشفى في حالة صحية حرجة مع ظهور نزيف في ساقه.
وأظهرت الفحوصات الطبية، بحسب المعلومات المتداولة حول القضية، إصابته بنزيف دماغي وتدهور حالته بصورة حادة، كما تعرض لتوقف القلب ثلاث مرات، وبقي تحت الرعاية الطبية المشددة قبل إعلان وفاته.
تحقيقات وتوقيفات
وتدخل محافظ اللاذقية أحمد علي مصطفى في القضية عقب تصاعد الجدل بشأن ملابساتها، ووجه، وفق المعلومات المتداولة، بتوقيف أحد المسؤولين في المخفر وفتح تحقيق رسمي للوقوف على ما تعرض له الشاب خلال فترة وجوده فيه.
وأعلنت قيادة الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية، استكمالاً للإجراءات المتخذة وبناء على نتائج تحقيقات اللجنة المختصة المشكلة لمتابعة القضية، توقيف سبعة أشخاص كانوا موجودين في النظارة وقت وقوع الحادثة، وإبقائهم على ذمة التحقيق بهدف استكمال الإجراءات وكشف كامل الملابسات.
وتبقى مسؤولية تحديد أسباب الإصابات التي تعرض لها غميرة، وما إذا كان قد تعرض لانتهاك أو تقصير خلال احتجازه، مرتبطة بنتائج التحقيقات الطبية والقضائية، وسط مطالبات بإعلان نتائجها للرأي العام ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته.
قضية تثير غضباً واسعاً
وأثارت قضية غميرة موجة من الغضب والتضامن عبر منصات التواصل الاجتماعي، وتركزت مطالب ناشطين وصحفيين وحقوقيين على ضرورة إجراء تحقيق مستقل وشفاف، وتحديد ما جرى منذ دخوله المخفر وحتى نقله إلى المستشفى، وكشف المسؤوليات الإدارية والأمنية والطبية المرتبطة بالحادثة.
وأعادت القضية إلى الواجهة النقاش حول حقوق الموقوفين وآليات الرقابة على أماكن الاحتجاز في سوريا، خصوصاً في ظل حساسية ملف التعذيب بالنسبة إلى السوريين وما خلفته ممارسات أجهزة نظام الأسد البائد من إرث ثقيل من الانتهاكات داخل السجون والفروع الأمنية.
أبازيد: كرامة الإنسان جوهر الثورة
وحذر الباحث أحمد أبازيد من خطورة تكرار التجاوزات المرتبطة بالتوقيف التعسفي وإطالة حجز الحرية وحجب معلومات الموقوفين عن عائلاتهم، إلى جانب ما تحدث عنه من حوادث تعذيب داخل مراكز تابعة لوزارة الداخلية، معتبراً أن هذه الوقائع تستدعي تحركاً رسمياً ومدنياً ورقابياً.
ودعا أبازيد مجلس الشعب إلى ممارسة دوره في مساءلة المسؤولين والعمل على تطوير تشريعات وإجراءات تحظر التعذيب وتحمي الحقوق المدنية والإنسانية، إلى جانب فتح مراكز الاحتجاز أمام زيارات دورية من الجهات الرقابية والمؤسسات الحقوقية.
وأكد أن كرامة الإنسان وحريته شكلتا جوهر مطالب الثورة السورية، وأن التعذيب ارتبط بمنهج أجهزة نظام الأسد البائد، محذراً من أن غياب المحاسبة العلنية والإجراءات الرادعة عند وقوع الانتهاكات يسمح بتكرارها ويهدد بتحويل أخطاء الأفراد إلى ممارسات مؤسساتية.
وأشاد أبازيد في الوقت ذاته بما حققته وزارة الداخلية من إنجازات في بناء منظومة أمنية وملاحقة خلايا تنظيم "داعش" وعصابات المخدرات والخطف، معتبراً أن حماية الأمن وحقوق السوريين، وفي مقدمتهم الموقوفون، يجب أن تكون المعيار الذي يحكم أداء المؤسسة الأمنية.
الخطيب: لا مبرر للتعذيب
وأكدت الحقوقية وعضو مجلس الشعب السوري نور الخطيب عدم وجود أي مبرر لحوادث التعذيب داخل السجون، داعية وزارة الداخلية إلى المبادرة بإجراء تحقيقات شفافة وجدية ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات تثبت التحقيقات وقوعها.
وطالبت الخطيب بتفعيل آليات فعالة وآمنة لتقديم الشكاوى داخل السجون وخارجها، وتعزيز الضمانات الكفيلة بمنع تكرار الانتهاكات، مشيرة إلى مشاركتها سابقاً في نقاشات الخطة الوطنية الاستراتيجية لمناهضة التعذيب، ومعربة عن أملها في تطبيقها بما يحمي كرامة الإنسان ويرسخ دولة القانون والمؤسسات.
اختبار للمحاسبة والشفافية
وتضع وفاة محمد غميرة التحقيقات الجارية أمام مسؤولية مضاعفة لكشف الحقيقة كاملة، خصوصاً بعد انتقال القضية من البحث في أسباب إصابته إلى تحديد الملابسات التي سبقت وفاته والمسؤولية المحتملة عنها.
ويشكل إعلان نتائج التحقيق ومحاسبة أي شخص تثبت مسؤوليته، بصرف النظر عن موقعه، اختباراً لمبدأ خضوع المؤسسة الأمنية للقانون بعد سقوط نظام الأسد البائد، في وقت تمثل فيه حماية كرامة الموقوف ومنع التعذيب وضمان الرقابة على أماكن الاحتجاز ركائز أساسية لبناء الثقة بين السوريين ومؤسسات الدولة.