قبل العودة إلى مقاعد الدراسة.. كيف نهيئ الطلاب نفسياً؟
اقترب موعد افتتاح المدارس في سوريا، ويستعد الطلاب للعودة إلى مقاعد الدراسة والالتحاق بصفوف جديدة ضمن مشوارهم التعليمي، بعد فترة من العطلة، ومع اقتراب العام الدراسي، تبرز أهمية تهيئة الطلاب نفسياً للعودة إلى المدرسة، بما يساعدهم على الانتقال إلى الروتين الدراسي والاستعداد للمرحلة الجديدة.
وتشمل بعض الاستعدادات التي تسبق بدء العام الدراسي تجهيز المستلزمات المدرسية، وتنظيم أوقات النوم والاستيقاظ، وترتيب مكان الدراسة، إلى جانب إعادة ضبط الجدول اليومي بما يتناسب مع ساعات الدوام، بما يساعد الطالب على استعادة نمط حياته الدراسي بصورة تدريجية.
ولا تقتصر الاستعدادات للعام الدراسي على الجوانب التنظيمية، إذ يحتاج الطالب أيضاً إلى تهيئة نفسية تساعده على الانتقال إلى أجواء الدراسة والتعامل مع متطلبات المرحلة الجديدة.
وللحديث عن أهمية هذه التهيئة وطرق تحقيقها، قالت رهف قرنفل، أخصائية نفسية تعمل ضمن منصة «نفسجي»، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن التهيئة النفسية للطلاب قبل العودة إلى المدارس تُعد في علم النفس التربوي «جسر الأمان الحركي والنفسي» الذي ينقل الطالب من العشوائية والراحة المطلقة خلال العطلة الصيفية إلى بيئة الالتزام والقواعد المدرسية.
وأضافت أن أهمية التهيئة النفسية تتمثل في حماية الطفل من «الصدمة التنظيمية»، إذ يحتاج الدماغ إلى تمهيد يساعد على تقليل إفراز هرمونات القلق الناتجة عن التغير المفاجئ، مشيرة إلى أن الطالب المهيأ نفسياً يخوض تجربته المدرسية بشكل أكثر توازناً مع رفاقه ومعلميه، وتتراجع لديه السلوكيات الانسحابية أو العدوانية.
وأوضحت أن الانتقال السلس من العطلة إلى المدرسة يعتمد على «التدرج والابتعاد عن القطع الحاد»، لافتة إلى أن بعض الأسر ترتكب أحياناً خطأ «الاستنفار العائلي المفاجئ»، ما يولد ضغطاً عكسياً، بينما تعتمد الاستراتيجية البديلة على إعادة ضبط الساعة البيولوجية تدريجياً، إذ يمكن قبل أسبوعين من بدء المدارس تقديم موعد النوم والاستيقاظ بمعدل 15 إلى 20 دقيقة يومياً، بما يساعد الدماغ على التأقلم تلقائياً دون إكراه صباحي في اليوم الأول.
وبينت قرنفل في تصريح خاص لـ شام أن من أساليب التهيئة أيضاً دمج المسؤولية بالمتعة من خلال ما وصفته بـ«الطقوس الانتقالية»، وذلك بإشراك الطالب في اختيار الدفاتر وتجهيز الحقيبة، وحتى إعادة ترتيب غرفته أو ركن دراسته، موضحة أن هذا الطقس يمنح الطفل شعوراً بالملكية والسيطرة على خطوته القادمة، ويحول الخوف إلى حماس.
ونوهت إلى أهمية التعامل مع استخدام الشاشات بطريقة تدريجية، فبدلاً من منع الهواتف والأجهزة فجأة، يمكن وضع جدول تنازلي لساعات استخدامها، ومقايضة الساعات المستقطعة بأنشطة تفاعلية أو قراءة خفيفة.
وتحدثت عن المخاوف التي قد تقف خلف بعض السلوكيات التي تظهر لدى الطلاب مع بداية العام الدراسي، موضحة أن التمارض أو البكاء أو العناد قد تكون وراءها مخاوف نفسية حقيقية تتطلب من الأهل الوعي والاحتواء.
وذكرت رهف قرنفل أن من أبرز هذه المخاوف قلق الانفصال، خاصة لدى الأطفال الصغار، والمتمثل بالخوف من الابتعاد عن حضن الأهل وأمان المنزل، موضحة أن التعامل معه يكون بالاعتراف بمشاعر الطفل وطمأنته، وعدم إخباره بأنه «كبير ولا يبكي»، بل يمكن القول له: «أنا بعرف أنو الفراق صعب، بس أنا رح ارجع آخدك بس تخلص الحصة الأخيرة».
وأشارت إلى أن القلق الاجتماعي ورهبة التغيير قد يظهران أيضاً لدى الطفل، نتيجة التخوف من المعلمين الجدد، أو عدم القدرة على بناء صداقات، أو تغير الرفاق، مبينة أن من أساليب التعامل مع ذلك استخدام «لعب الأدوار» في المنزل، والتدرب مع الطفل وكأنهما في الصف، بما يشمل كيفية التعريف عن نفسه والمبادرة بإلقاء التحية على رفاقه الجدد.
ولفتت إلى أن قلق الأداء، أو الخوف من الفشل، قد يتولد نتيجة ضغط التوقعات العالية من الأهل، مؤكدة أهمية طمأنة الطالب بأن الأسرة تقدر جهده وسعيه ومحاولته، وليس فقط حصوله على العلامة التامة، لأن ذلك يبني لديه عقلية نمو مرنة ونفسية مرتاحة.
وأكدت قرنفل أن جعل بداية العام الدراسي تجربة إيجابية يتطلب توفير بيئة مشجعة على التعلم، من خلال الاهتمام بالأيام الأولى عاطفياً وتنظيمياً، مشيرة إلى أهمية تأمين «الصباح الهادئ»، إذ إن النصف ساعة الأولى من يوم الطفل تحدد مزاجه النفسي لساعات الدوام كاملة، فيما ينتقل الصراخ والعجلة والتوتر من الأهل إليه بشكل مباشر، ولذلك ينبغي أن يبدأ الصباح بابتسامة وتنظيم مسبق من الليلة السابقة.
وشددت على أهمية تغيير لغة الخطاب اليومي مع الطفل بعد عودته من المدرسة، داعية إلى الاستغناء عن أسئلة التحقيق واستبدالها بأسئلة عاطفية وبناءة تفتح مساحة للتفريغ النفسي، مثل: «شو أكتر موقف ضحكك اليوم؟» و«مين أكتر رفيق ارتحتله؟».
وأفادت بأن بث الرسائل الإيجابية بشكل غير مباشر يمكن أن يساعد الطفل على الشعور بالأمان، مثل وضع قصاصة ورق أو رسالة تشجيع له، موضحة أن ذلك يمنحه جرعة من الأمان خلال وجوده في المدرسة.
ومع اقتراب انطلاق العام الدراسي، تبقى تهيئة الطالب للمرحلة الجديدة مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة، بما يساعده على خوض تجربته الدراسية بصورة أكثر استقراراً والتكيف مع متطلباتها.