الكهرباء السورية بين تحسن التغذية وتحديات الاستدامة
الكهرباء السورية بين تحسن التغذية وتحديات الاستدامة
● محليات ١٦ أغسطس ٢٠٢٦

الكهرباء السورية بين تحسن التغذية وتحديات الاستدامة

سجل قطاع الكهرباء في سوريا خلال عام 2026 تحسناً تدريجياً في مستويات الإنتاج والتغذية، بالتوازي مع توسع أعمال تأهيل شبكات النقل والتوزيع وإدخال مشاريع جديدة للطاقة الشمسية، في مسار يستهدف رفع كفاءة المنظومة وتحسين موثوقيتها، وسط تحديات تتعلق بتأمين الوقود، وخفض الفاقد، وضبط الاستجرار غير المشروع.

وحسب الأرقام الرسمية الصاظرة عن وزارة الطاقة حقق القطاع خلال النصف الأول من العام تقدماً ملحوظاً، إذ بلغ إنتاج الطاقة نحو 10 ملايين ميغاواط، فيما ارتفعت ساعات التغذية من نحو ثماني ساعات يومياً إلى نحو 20 ساعة وأكثر في بعض المناطق، بالتوازي مع إدخال مشاريع للطاقة الشمسية باستطاعة إجمالية بلغت 420 ميغاواط.

في حين يرى الخبير في الطاقة المهندس "موفق فتال"، أن أهمية التحسن لا تقتصر على زيادة الإنتاج أو ارتفاع ساعات التغذية، بل تكمن في تكامل عدة مسارات تشمل زيادة التوليد، وتحسين التغذية، واستبدال الشبكات المهترئة، وتركيب مراكز تحويل وعدادات جديدة، بالتوازي مع التوسع في مشاريع الطاقة الشمسية.

وأوضح "فتال" في حديثه لصحيفة الثورة السورية أن قطاع الكهرباء تعرض لأضرار جسيمة على مدى سنوات، ما يجعل إعادة بنائه بحاجة إلى استثمارات كبيرة ومدة زمنية كافية وكفاءات فنية وإدارية، إلى جانب شراكة فعلية بين الدولة والقطاع الخاص.

واعتبر أن المقياس الأهم لنجاح عملية التعافي سيكون انعكاسها على النشاط الاقتصادي، من خلال عدد المصانع والمشروعات التي ستعود إلى العمل، وفرص العمل التي ستوفرها.

من جانبه، يرى الخبير في مجال الطاقة الدكتور "أحمد الضحيك"، أن التحسن المسجل يستند إلى معالجة متعددة الجوانب، تشمل زيادة قدرات التوليد وتطوير مصادر الطاقة، معتبراً أن إدخال نحو 420 ميغاواط من مشاريع الطاقة الشمسية يمثل خطوة استراتيجية لتخفيف الضغط عن المحطات التقليدية وتقليل الاعتماد على الوقود المستورد.

وأشار الضحيك إلى أن الاستفادة الكاملة من الطاقة الشمسية تتطلب مستقبلاً التوسع في مشاريع التخزين الكهربائي وتطوير شبكة النقل، لافتاً إلى أن التحدي الأساسي يتمثل في الحفاظ على التحسن وتعميمه على مختلف المحافظات، بالتوازي مع خفض الفاقد الفني والتجاري وتأمين الوقود. واعتبر أن الوصول إلى تغذية كهربائية مستقرة يشكل ركيزة أساسية لتحفيز الاستثمار وخفض تكاليف الإنتاج الصناعي.

وعلى مستوى الشبكات، أظهرت بيانات وزارة الطاقة تنفيذ 30.7 كيلومتراً واستبدال 244 كيلومتراً من خطوط التوتر المتوسط، إضافة إلى تنفيذ 53.4 كيلومتراً من خطوط التوتر المنخفض، ليصل إجمالي خطوط التوتر المتوسط المنفذة والمستبدلة إلى 274.7 كيلومتراً.

وشملت أعمال تطوير البنية التحتية أيضاً تنفيذ واستبدال 800 مركز تحويل، بينها 107 مراكز جديدة و693 مركزاً مستبدلاً، إلى جانب تركيب واستبدال 50,664 عداداً، منها 19,498 عداداً أحادي الطور جديداً و28,440 عداداً أحادي الطور مستبدلاً، إضافة إلى 1,026 عداداً ثلاثي الطور جديداً و1,700 عداد ثلاثي الطور مستبدلاً.

وتأتي هذه الأعمال بالتوازي مع توسيع مصادر التوليد وتعزيز الاعتماد على الطاقة البديلة، بما يهدف إلى رفع كفاءة الشبكات وتحسين موثوقية التغذية وتقليل الاختناقات الفنية التي تواجه المنظومة.

في المقابل، يبقى الجانب المالي أحد العوامل المؤثرة في استدامة قطاع الكهرباء، بدءاً من قدرة المواطنين على تحمل تكاليف الاستهلاك، وصولاً إلى كفاءة التحصيل والحد من الهدر والاستجرار غير المشروع.

وحذر الخبير الاقتصادي الدكتور "شادي أحمد" من ارتفاع قيمة الفواتير المنزلية وما قد يترتب عليه من أعباء تفوق القدرة المالية لبعض الشرائح، الأمر الذي قد يدفع بعض المواطنين إلى البحث عن وسائل بديلة وغير قانونية للحصول على الطاقة.

وأشار إلى تفاوت مستويات التحصيل بين المناطق، لافتاً إلى وجود مناطق تتمتع بتغذية مستمرة على مدار الساعة مع تأخر بعض سكانها عن سداد المستحقات، معتبراً أن انتشار الاستجرار غير المشروع يزيد من الشعور بعدم العدالة ويستنزف موارد القطاع.

وشدد على ضرورة أن يترافق التحسن الفني والتقني مع عدالة في توزيع الكهرباء، وترشيد الاستهلاك الحكومي، وإعادة النظر في تسعير الفواتير بما يتناسب مع مستويات دخل المواطنين، بما يسهم في تعزيز الثقة بالمنظومة واستدامتها.

وبموجب التعرفة المعتمدة منذ مطلع تشرين الثاني 2025، يُحتسب استهلاك الكهرباء المنزلي وفق شرائح سعرية خلال دورة فوترة مدتها شهران، إذ يبلغ سعر الكيلوواط الساعي 600 ليرة للاستهلاك حتى 300 كيلوواط ساعي، بينما تُحتسب الكمية التي تتجاوز هذا الحد بسعر 1400 ليرة للكيلوواط الساعي، وفق قرارات وزارة الطاقة الصادرة في 30 تشرين الأول 2025.

وتتحدد القيمة الفعلية للفاتورة وفق قراءة العداد، من خلال احتساب الفارق بين القراءة الحالية والسابقة، فيما تُستخدم كميات تقديرية في الحالات التي يتعذر فيها الوصول إلى العداد أو تسجيل القراءة. وحددت المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء، في 31 كانون الأول 2025، كمية تقديرية تبلغ 400 كيلوواط ساعي للدورة للمشتركين المنزليين على التوتر المنخفض الذين لم تتمكن شركات الكهرباء من تركيب عدادات أحادية الطور لهم.

وبحسب الآلية المعتمدة، يُحتسب للمشترك غير المعفى من التقنين أول 300 كيلوواط ساعي بسعر 600 ليرة، والـ100 كيلوواط ساعي المتبقية بسعر 1400 ليرة، بينما تُحتسب الكمية التقديرية كاملة بسعر 1700 ليرة للكيلوواط الساعي للمشترك المعفى من التقنين. وأوضحت المؤسسة أن هذا الإجراء مؤقت إلى حين تأمين العدادات الأحادية وتلبية طلبات المشتركين، وبدأ تطبيقه اعتباراً من الدورة السادسة لعام 2025.

وتشكل مشاريع الطاقة الشمسية أحد أبرز مسارات تطوير قطاع الكهرباء، إذ بلغت الاستطاعة الجديدة المنفذة خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 420 ميغاواط، موزعة بالتساوي بين مشروع باستطاعة 210 ميغاواط مع شركة كيوبيزد الإماراتية، ومشروع مماثل مع شركة تشونغخه إنفستمنت الصينية.

هذا وتشير هذه المشاريع إلى توجه نحو تنويع مزيج الطاقة وتقليل الضغط على مصادر التوليد التقليدية، إلا أن توسيع الاعتماد على الطاقة المتجددة سيبقى مرتبطاً بتطوير شبكات النقل والتوزيع وتأمين حلول تخزين قادرة على التعامل مع طبيعة الإنتاج المتذبذبة للطاقة الشمسية.

وتجدر الإشارة إلى أن التحسن المسجل في التغذية الكهربائية يمثل خطوة مهمة في مسار إعادة بناء القطاع، إلا أن تثبيته وتحويله إلى خدمة مستقرة ومستدامة يتطلب استمرار الاستثمار في التوليد والشبكات، وتأمين الوقود، وخفض الفاقد، وتحسين التحصيل، وضبط الاستجرار غير المشروع، إلى جانب توسيع مشاريع الطاقة المتجددة. فالنجاح الحقيقي للمرحلة المقبلة لن يقاس فقط بعدد ساعات التغذية، وإنما بقدرة المنظومة على دعم الصناعة والاستثمار والخدمات وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ