ذكرى شهداء الثورة السورية حاضرة في الذاكرة العامة للسوريين
يحرص السوريون على استحضار ذكرى شهداء الثورة السورية في مختلف المناسبات الوطنية والفعاليات العامة، من خلال حمل صورهم، والتحدث عنهم، واستعادة قصصهم عبر منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، ويأتي هذا الاستذكار في سياق التأكيد على بقاء سيرتهم حاضرة في الوعي العام، وتقديراً للتضحيات التي قدموها ودمائهم التي بذلوها خلال سنوات الثورة، بما يجعل ذكراهم جزءاً من تفاصيل الفعاليات والمناسبات المرتبطة بها.
وحول هذا الموضوع، قال أسامة الشهاب، الكاتب الصحفي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن استذكار الشهداء في المناسبات الوطنية هو أقل وفاء لهؤلاء الشهداء، وهو أقل ما يمكن تقديمه لتخليد ذكراهم والإشارة لرمزيتهم العظيمة.
وأضاف أن الاستذكار يحول الذكرى من مجرد تاريخ إلى التزام حي، وهو ربط بين ثمن التحرير ونتيجته، وتذكير للأجيال بأن الاستقلال والحرية لم يكونا مجانيين، كما أنه يؤكد أن هؤلاء جزء من الهوية الوطنية الجديدة وليسوا فقط أرقاماً في التقارير.
وفي سياق متصل، قالت الصحافية عائشة صبري في تصريح خاص لـ شبكة شام الإخبارية، إن أهمية استذكار شهداء الثورة في المناسبات الوطنية مثل ذكرى التحرير والفعاليات العامة تأتي ضمن الحفاظ على تاريخ الثورة السورية.
وأضافت أن ذلك يؤكد على هؤلاء الشهداء الذين بذلوا أرواحهم في سبيل تحقيق هذا التحرير، فلولا دماؤهم ما كانت هذه المناسبات العامة لتقام. وأشارت إلى أنه من المهم عدم إغفال تضحياتهم والتعلم منها وجعل قصصهم منارة يسير على دربها الأجيال القادمة.
دور استذكار الشهداء في تعزيز الوعي الجماعي
وأشار الشهاب إلى أن إحياء الذكرى يمنع "التآكل الزمني" للحدث، وكلما تكرر سرد القصص وتوثيق الأسماء، تتحول الذاكرة من فردية إلى جماعية ومن عاطفية إلى معرفية، وبيّن أن هذا يبني وعياً لدى المجتمع بأن النصر كان له تضحيات وهذه التضحيات لها أبطال تذكر، ويخلق خطاً متصلاً بين الماضي والحاضر، ولفت إلى أنه بدون هذه الممارسة تتحول الثورة إلى تاريخ ينسى، ويصبح من السهل نسيان أبطالها، وأن الذاكرة الوطنية الحية المتجددة هي ضمانة ضد النسيان والتكرار.
كما بيّنت صبري أن إحياء ذكرى الشهداء يسهم في تعزيز الوعي الجماعي عبر تذكير الناس، خاصة الذين كانوا موالين للنظام البائد أو رماديين وقفوا على الحياد، ولفتت إلى أنها تكون فرصة لسرد قصص حياة الشهداء والتعريف بهم، لا سيما الشهداء الذين كان لهم أثر كبير في تحقيق النصر لكن لم تنشرهم الكاميرات أو لم يأخذوا حقهم في وسائل الإعلام مقابل تسليط الضوء على عدد محدد من الشهداء في جميع الفعاليات والمناسبات.
وذكرت صبري أن إحياء ذكرى الشهداء له دور أساسي في الحفاظ على الذاكرة الوطنية ويقطع الباب أمام المتسلقين على الثورة من تصدر مشهد النصر والتحرير، كما أنه يعزز من تحقيق العدالة الانتقالية فكلّ شهيد يقابله مجرم استباح دمه.
أهمية القيمة الرمزية لمقتنيات الشهداء
وعن دلالة إعطاء قيمة رمزية لمقتنيات الشهداء، أوضح الشهاب أن المقتنيات الشخصية، سلاح، بدلة، كاميرا، رسالة أخيرة، تنقل الشهيد من كونه "حالة مضت" إلى "قيمة عظيمة ومستمرة"، موضحاً أن القيمة الرمزية هنا هي توثيق لأهمية صاحب الأثر ولدوره الكبير الذي لا يمكن أن ينسى.
وأكد أن عرضها في فعاليات أو مزادات خيرية يحقق هدفين: الأول، إنسنة الشهيد أمام جمهور قد يكون لا يعرفه كله، والثاني تحويل الرمز إلى مورد لدعم عائلات الشهداء أو مشاريع تحمل أسماءهم، وذكر أنها طريقة لجعل الغائب حاضراً ومؤثراً في الواقع.
بدورها، تحدثت صبري عن دلالة إعطاء قيمة رمزية لمقتنيات الشهداء، موضحةً أن رمزية هذه المقتنيات، عبر عرضها في مزادات أو فعاليات رسمية وثورية، تضيف دلائل مادية ترمز إلى حياة الشهيد، ومن خلالها نحكي قصة هذا الشيء المقتنى من أثره.
وأوضحت أنه كما حصل في فعالية أربعاء الرستن في 8 تشرين الأول 2025 عندما بيعت بدلة الشهيد الملازم أول المنشق عن نظام الأسد أحمد الخلف بـ15 ألف دولار لصالح جمعية بسمة أمل، ما أعاد إلى الأذهان مقولته الشهيرة في تاريخ الثورة السورية في 28 أيلول 2011 "إذا رأيتم الدبابات في الرستن فاعلموا أنّي قد استُشهدت".
وأكدت صبري أن إعطاء قيمة رمزية لمقتنيات الشهداء يسهم في عزاء عائلته ومواساتهم بأن شهيدهم يُكرّم ويُحتفى به في المناسبات، وأشارت إلى أن ابنة أحمد الخلف افتتحت حملة أربعاء الرستن ببيع بدلته العسكرية، ما أعطى الابنة والعائلة دافعاً معنوياً كبيراً، خاصة أن بيع البدلة شكّل دليلاً على عطاء جديد يعود بالنفع على مدينته بعد أن وهب روحه في سبيل تحرير بلاده.
دور وسائل التواصل الاجتماعي
وشددت صبري على أن دور وسائل التواصل الاجتماعي في إحياء ذكرى الشهداء هو من أهم الأدوار التي تسهم في نقل قصصهم إلى جمهور أوسع، وأفادت بأنه من الواجب على الصحفيين الاستمرار في البحث عن قصص الشهداء والتواصل مع ذويهم ورفاقهم لنقل أحداث القصة بمهنية وموضوعية دون تحريف.
ونوهت إلى أنه يتوجب على وسائل الإعلام الحكومية والخاصة فتح الباب للصحفيين لنقل هذه القصص بكافة المجالات الصحفية المكتوبة والمسموعة والمرئية.
ودعت صبري عبر "شام" إدارة القنوات ووسائل الإعلام إلى تخصيص برامج تتعلق بقصص الشهداء يستضيفون خلالها ذوي الشهيد أو صديقه ليتحدث بأريحية عن حياة الشهيد وكيف استشهد في الثورة السورية، ودعت وزارة الإعلام إلى دعم هذا الجهد وعقد ندوات حوارية حول أهمية الحفاظ على سردية الشهداء خاصة وأحداث الثورة عامة.
من جهته، شدد الشهاب على أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت حالة أوسع من السرد الرسمي، وأفاد بأنه عن طريقها صارت قصص الشهداء تخرج من التقارير الحقوقية إلى الفيديو، والهاشتاغ، والبوست الشخصي.
ونوه إلى أن هذا أتاح ثلاثة أمور: الأرشفة الشعبية عبر حسابات وصفحات توثق بالصور والفيديو، والانتشار السريع لقصص كانت ستبقى محلية، والتفاعل المباشر حيث يعلق الأصدقاء والرفاق وتتشكل سيرة رقمية للشهيد.
يستمر السوريون في الحفاظ على ذكرى الشهداء واستحضارها في المناسبات والفعاليات العامة، تأكيداً على تقدير التضحيات التي قدموها خلال سنوات الثورة، وإبقاء سيرتهم حاضرة في الذاكرة العامة، كما يهدف هذا الاستذكار إلى إبراز مكانة الشهداء وتخليد ذكراهم، وامتناناً لذويهم وعوائلهم وأبنائهم.