تنمية استقلالية الطفل بين دور الأسرة والمدرسة وأساليب التربية الحديثة
تنمية استقلالية الطفل بين دور الأسرة والمدرسة وأساليب التربية الحديثة
● مجتمع ١٣ مايو ٢٠٢٦

تنمية استقلالية الطفل بين دور الأسرة والمدرسة وأساليب التربية الحديثة

تُعدّ الاستقلالية لدى الطفل من أبرز المهارات التي يسعى الأهل والمربون إلى تنميتها منذ السنوات الأولى، لما لها من دور في بناء شخصية قادرة على الاعتماد على النفس واتخاذ قرارات بسيطة تتناسب مع عمره، وتبدأ هذه المهارة بالتشكل تدريجياً من خلال مواقف الحياة اليومية داخل الأسرة والمدرسة، حيث يتعلم الطفل القيام بمهامه دون اعتماد كامل على الآخرين.

وتكتسب الاستقلالية أهمية كبيرة في مرحلة الطفولة، إذ تسهم في تعزيز ثقة الطفل بنفسه وتنمية شعوره بالقدرة على الإنجاز، كما تساعده على تحمّل المسؤولية والتدرّب على اتخاذ قرارات بسيطة، ما ينعكس إيجاباً على تطوره النفسي والعقلي، ويهيئه للتعامل مع متطلبات الحياة بشكل أكثر توازناً في المستقبل.

في المقابل، تؤدي الاتكالية لدى الطفل إلى ضعف الثقة بالنفس وزيادة اعتماده على الآخرين في أبسط الأمور، كما يواجه صعوبة في اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية، ما ينعكس سلباً على أدائه الدراسي وتفاعله الاجتماعي، ويحدّ من قدرته على تطوير مهاراته بشكل سليم.

وفي هذا السياق، قالت إنعام دحام سرحان، حاصلة على ماجستير في العلوم والبحوث السكانية في قسم حماية الأسرة، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الأم هي الجهة الأساسية المسؤولة عن تربية الأطفال والإشراف عليهم منذ الولادة وحتى مرحلة النضج، حيث تتابع نموهم وتغذيتهم وتعليمهم، وتعمل على غرس القيم والأخلاق في شخصياتهم، خصوصاً في مرحلة الطفولة المبكرة، إلى جانب سعيها المستمر لتعديل السلوكيات غير المرغوب فيها وتعزيز السلوكيات الإيجابية لديهم.

وأضافت أن العمل التربوي الذي يقوم على برامج مثل منتسوري يركز بشكل أساسي على تعليم الأطفال الاستقلالية والاعتماد على النفس، من خلال إشراكهم في أعمال المنزل، وتمكينهم من القيام بواجباتهم اليومية بأنفسهم، وتأمين احتياجاتهم البسيطة، مشيرة إلى أن هذا النوع من التربية يساهم في تعزيز ثقة الطفل بنفسه، وتقوية شخصيته، وتدريبه على مواجهة الحياة بشكل تدريجي. 


ونوّهت سرحان إلى أهمية عدم مقارنة الطفل بغيره من الأطفال، لأن ذلك قد يترك أثراً نفسياً سلبياً عميقاً يبقى معه لفترة طويلة، وبيّنت أن من أساليب تعزيز شخصية الطفل أيضاً منحه فرصة التعامل مع المال بشكل بسيط وموجّه، مثل السماح له بشراء بعض الملابس كالبنطال أو الكنزة، أو إشراكه في شراء بعض حاجيات المنزل، معتبرة أن هذا السلوك يساعد الطفل على الشعور بوجوده ودوره داخل الأسرة. 

كما أشارت إلى أهمية إشراك الأطفال في الوضع الاقتصادي للأسرة بشكل مناسب لعمرهم، إضافة إلى توزيع المهام داخل البيت على الأبناء، على أن يكون الوالدان قدوة لهم في السلوك والعمل.

وتحدثت أيضاً عن دور المدرسة في تنمية استقلالية الطفل، موضحة أنها تلعب دوراً مهماً في هذا الجانب من خلال تشجيع الطلاب على الاعتماد على أنفسهم في كتابة الوظائف المدرسية، وإشراكهم في الفرق الرياضية، وتكليفهم بمهام تنظيمية داخل المدرسة مثل لجان النظافة والانضباط، الأمر الذي يساهم في بناء الثقة بالنفس وتطوير المهارات والاهتمامات المختلفة لديهم.

وأشارت إلى أن العمل الجماعي داخل المدرسة يعدّ من الأدوات المهمة في تعزيز استقلالية الطفل، إذ يساعده على تجاوز الخجل والانخراط في الأنشطة الجماعية، سواء الرياضية أو التعليمية، إضافة إلى الأنشطة التفاعلية والأسئلة الجماعية، ما يسهم في تنمية الثقة بالنفس بشكل تدريجي.

ونوّهت إلى مجموعة من النصائح التي تقدمها للأهالي والمعلمين، حيث دعت إلى ضرورة الحوار مع الطفل، والاستماع إليه، ومساعدته في حل المشكلات التي يواجهها، إلى جانب متابعة مستواه الأكاديمي داخل المدرسة، ومراقبة مدى تعاونه وسلوكه مع زملائه، مؤكدة أن هذه المتابعة تسهم في بناء شخصية متوازنة للطفل، وأن هؤلاء الأطفال هم رجال المستقبل وبناء المجتمع القادم.

وفي تعريفها لمفهوم الاستقلالية عند الأطفال، قالت إن الاستقلالية تعني قدرة الطفل على القيام ببعض الأمور بنفسه، واتخاذ قرارات بسيطة تناسب عمره، مع تحمّل جزء من المسؤولية عن نفسه وسلوكه، دون الاعتماد الكامل على الكبار في كل التفاصيل اليومية.

وأوضحت أن الاستقلالية تشمل أمثلة متعددة مثل أن يأكل الطفل وحده، ويرتدي ملابسه، ويرتب ألعابه، وأن يختار بعض الأشياء البسيطة مثل لعبته أو ملابسه أو نشاطه المفضل، إضافة إلى قدرته على التعبير عن رأيه بقول “أريد” و“لا أريد” بطريقة مهذبة، ومحاولته حل مشكلاته البسيطة قبل طلب المساعدة.

وأشارت إلى أن أهمية الاستقلالية تكمن في كونها تنمّي ثقة الطفل بنفسه، حيث يشعر بالفخر عندما ينجح في إنجاز شيء بمفرده، كما تساعده على تحمّل المسؤولية من خلال تعلّم نتائج أفعاله، وتطوير مهاراته العقلية والحركية عبر التجربة والخطأ، إلى جانب مساهمتها في إعداد الطفل للاعتماد على نفسه مستقبلاً في إدارة حياته ودراسته وعلاقاته.

وأضافت أن الاستقلالية الصحية تقلّل من التعلق الزائد بالكبار، حيث يصبح الطفل مرتبطاً بوالديه بشكل طبيعي دون خوف مفرط أو اعتماد كامل، كما تساعده على فهم مفهوم الحرية ضمن إطار من المسؤولية والالتزام بالقواعد.

وتحدثت عن دور المدرسة في تعزيز استقلالية الطفل، موضحة أنها تسهم في ذلك من خلال اعتماد أساليب التعلم النشط الذي يشرك الطالب في الدرس بدل الاكتفاء بالاستماع، إضافة إلى التعلم التعاوني الذي يضع الطلاب في مجموعات عمل بأدوار محددة، والتعلم القائم على حل المشكلات والمشاريع الذي يدفعهم للبحث والتفكير واتخاذ القرار.

وأضافت أن إتاحة حرية الاختيار داخل الصف، مثل اختيار كتاب أو موضوع أو نشاط معين، تساعد الطفل على الشعور بأن رأيه مهم، كما أن تكليفه بمهام فردية ومتابعة الواجبات بشكل مستقل يعزز اعتماده على نفسه في التعلم.

كما لفتت إلى أهمية تشجيع الأطفال على التعبير عن آرائهم داخل الصف، واستخدام أسلوب التوجيه بدلاً من الأوامر المباشرة، وتكليفهم بأدوار ومسؤوليات داخل البيئة الصفية، إضافة إلى التعامل الإيجابي مع الأخطاء باعتبارها جزءاً من التعلم وليس سبباً للعقاب.

وبيّنت أن تدريب الطفل على التنظيم الذاتي، مثل ترتيب أدواته وتنظيم وقته وواجباته، يسهم في تعزيز استقلاليته، كما أشارت إلى أهمية تقبّل الفروق الفردية بين الأطفال، وتشجيعهم على المحاولة دون خوف، مع التركيز على الجهد وليس النتيجة فقط.

وأكدت على أن هذه الأساليب مجتمعة، سواء داخل الأسرة أو المدرسة، تسهم في بناء شخصية مستقلة للطفل، قادرة على التفكير واتخاذ القرار وتحمل المسؤولية تدريجياً، بما ينعكس إيجاباً على مستقبله.

تتجلى الاستقلالية لدى الطفل كمهارة تتشكل تدريجياً من خلال ممارسات يومية داخل الأسرة والمدرسة، حيث يتعلم الاعتماد على النفس في بعض المهام واتخاذ قرارات بسيطة، ومع اختلاف الأساليب التربوية والتعليمية، تتفاوت درجة هذه الاستقلالية بين الأطفال، بما ينعكس على سلوكهم وطريقة تعاملهم مع المسؤوليات.

الكاتب: فريق العمل - سيرين المصطفى
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ