تأثير المحتوى الرقمي الموجّه للأطفال بين الأشكال الجذابة والمضامين الخفية
تأثير المحتوى الرقمي الموجّه للأطفال بين الأشكال الجذابة والمضامين الخفية
● مجتمع ٢٢ مايو ٢٠٢٦

تأثير المحتوى الرقمي الموجّه للأطفال بين الأشكال الجذابة والمضامين الخفية

تُعدّ منصات التواصل الاجتماعي فضاءً واسعاً يضمّ أنواعاً متعددة من المحتوى الموجّه للأطفال، ومن بينها محتوى يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، يقوم بتقديم شخصيات متنوعة على شكل خضار أو فواكه أو حيوانات مثل القطط، تُوظَّف داخل قصص أو سيناريوهات درامية قصيرة.

وأشارت شكاوى عدد من الأهالي إلى أن هذا النوع من المحتوى بدأ يثير الجدل مؤخراً، إذ يُنظر إليه على أنه لا يتناسب مع الفئة العمرية للأطفال، كما قد يتضمن رسائل غير ملائمة أو “سامة” لا تنسجم مع القيم والعادات والتقاليد السائدة في المجتمع السوري، ما دفع إلى المطالبة بمزيد من الرقابة والوعي بمحتوى ما يُعرض للأطفال عبر هذه المنصات.

ومن الأشياء التي أزعجت العائلات تضمّن بعض هذه المحتويات موضوعات مثل الخيانة الزوجية، والتنمر، والسخرية من الآخرين أو من الشكل الخارجي، والتدخل في شؤون الآخرين، وإيذاء الغير، إضافة إلى المقالب المزعجة وغيرها من السلوكيات التي أثارت جدلاً حول ملاءمتها للفئة العمرية المستهدفة.

قالت الأخصائية الاجتماعية الأسرية صفاء الصالح في حديث لشبكة شام الإخبارية، إنها تعمل في مجال الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي للأطفال والأسر، وتركّز في عملها على فهم تأثير البيئة الرقمية والتربوية على نمو الطفل، إضافة إلى مساعدة الأهل على بناء بيئة آمنة وداعمة نفسياً.

وأشارت إلى أن بعض أنواع المحتوى الرقمي الذي يبدو “بريئاً” في ظاهره، مثل مقاطع تحتوي على شخصيات كرتونية أو مشاهد لطيفة، قد يتضمن في مضمونه سلوكيات عنف أو خداع أو تنمر أو إيحاءات غير مناسبة، لافتة إلى أن دماغ الطفل يتلقى في هذه الحالة رسائل متناقضة بين الشكل اللطيف والسلوك المؤذي، ما يسبب ارتباكاً في إدراكه للعالم وتشويشاً في فهمه للسلوكيات.

وأضافت أن هذا النوع من المحتوى قد يترك مجموعة من الآثار النفسية والسلوكية، من أبرزها تشوّش التمييز بين الصحيح والخاطئ نتيجة تقديم السلوك المؤذي من خلال شخصيات محببة، إلى جانب ارتفاع مستويات القلق والخوف الليلي بسبب مشاهد العنف المغلفة بطابع مرح، فضلاً عن احتمال تقليد سلوكيات سلبية دون وعي لأنها تبدو طبيعية أو مضحكة، مع تراجع في مستوى التعاطف وزيادة في الاندفاعية لدى الطفل.

وبيّنت أن تكرار التعرض لهذا المحتوى يؤدي إلى نوع من التطبيع مع السلوكيات المؤذية، حيث يصبح الدماغ أكثر اعتياداً عليها، خاصة في ظل غياب نموذج صحي بديل، وربط هذه السلوكيات بشخصيات محببة لدى الطفل، ما يجعلها أكثر قبولاً لديه.

وتحدثت عن أن الطفل يتعلم فهم العلاقات والصراع والعقاب من خلال النماذج التي يراها، فإذا كانت هذه النماذج قائمة على العنف أو الإقصاء أو الخداع، فإنه قد يطور تصوراً بأن الصراع يُحل بالقوة، وأن العقاب هو شكل من الانتقام وليس وسيلة للتصحيح، وأن العلاقات تقوم على السيطرة بدلاً من الاحترام المتبادل.

كما نوهت إلى أن مشاهد التنمر والإقصاء قد تؤثر بشكل مباشر على الطفل، إذ قد تجعله يشعر بأنه معرض لأن يكون ضحية، أو تدفعه في بعض الحالات إلى تقليد دور المتنمر باعتباره الأقوى، إضافة إلى ضعف الثقة بالنفس وزيادة الحساسية تجاه النقد، مع احتمال انتقال هذه السلوكيات إلى علاقاته مع الإخوة أو الأصدقاء.

وأكدت أن بعض المشاهد التي تتضمن إيحاءات أو علاقات غير مناسبة لعمر الطفل قد تؤدي إلى إثارة فضوله بشكل مبكر، وتشويش فهمه للحدود الجسدية والعاطفية، وبناء تصورات غير دقيقة حول مفاهيم الحب والجسد والخصوصية، إلى جانب تسريع نضج نفسي غير صحي.

وفيما يتعلق بدور الأهل، أوضحت أهمية المرافقة أثناء المشاهدة كلما أمكن، والتحقق من مصادر المحتوى قبل السماح به، إلى جانب الحوار مع الطفل حول ما يشاهده وما يفهمه، ووضع ضوابط واضحة لوقت الشاشة ومحتواها.

وبيّنت معايير تمييز المحتوى الآمن، ومنها أن يكون صادراً عن جهات إنتاج موثوقة، وخالياً من مشاهد العنف أو الصراخ أو الإيحاءات أو السلوكيات المؤذية، مع وضوح الرسائل التربوية فيه، وعدم احتوائه على مفاجآت غير مناسبة ضمن محتوى يبدو في ظاهره بريئاً.

وأشارت إلى أن حماية الأطفال تتطلب اختيار منصات مخصصة لهم، وتفعيل أدوات الرقابة الأبوية، وتقديم بدائل تربوية وترفيهية مثل القصص والألعاب التعليمية والأنشطة، إضافة إلى تعليم الطفل مهارة التوقف عند الشعور بعدم الارتياح، وبناء علاقة حوارية مفتوحة تدفعه للحديث مع الأهل عند مواجهة أي محتوى مزعج.

يشير عدد من الأخصائيين في التربية وعلم النفس إلى أن المحتوى الرقمي الموجّه للأطفال، خصوصاً المقدم عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي وبأسلوب كرتوني جذاب، قد يؤثر في طريقة إدراك الطفل للسلوكيات والقيم، إذ يعتمد في فهمه على الشكل الظاهري للشخصيات أكثر من مضمون الرسائل.

وأضافوا أن تكرار التعرض لمشاهد تتضمن سلوكيات سلبية قد يؤدي إلى تطبيعها تدريجياً لدى الطفل، ما يجعل دور الأهل في المرافقة والحوار أثناء المشاهدة ضرورياً لتوضيح الفروق بين السلوك المقبول وغير المقبول وتعزيز الوعي الرقمي لديه.

يتواصل الجدل حول طبيعة المحتوى الموجّه للأطفال عبر منصات التواصل الاجتماعي، خاصة مع انتشار مواد تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي وتقديمها في أشكال جذابة، وبينما تتنوع هذه المحتويات في أساليبها ومضامينها، تبقى مسألة ملاءمتها للفئة العمرية وآليات التعامل معها محل اهتمام لدى الأهالي والمهتمين.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ