الرستن تستعيد سكانها تدريجياً.. منازل متضررة ومدارس مكتظة واحتياجات خدمية متزايدة
الرستن تستعيد سكانها تدريجياً.. منازل متضررة ومدارس مكتظة واحتياجات خدمية متزايدة
● مجتمع ٨ أكتوبر ٢٠٢٦

الرستن تستعيد سكانها تدريجياً.. منازل متضررة ومدارس مكتظة واحتياجات خدمية متزايدة

تشهد مدينة الرستن في ريف حمص الشمالي عودة تدريجية للأهالي بعد سنوات من النزوح، وسط تحديات تتعلق بتوفر المساكن وارتفاع تكاليف المعيشة ومحدودية فرص العمل، إلى جانب احتياجات خدمية متراكمة تشمل شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي والمدارس والمرافق الصحية، في ظل استمرار آثار الدمار في عدد من أحياء المدينة.

وتشير تقديرات محلية إلى عودة نحو 60% من النازحين، بينما لا يزال قسم من السكان يقيمون في مناطق نزوحهم بسبب فقدان المنازل أو صعوبة تأمين مصدر دخل، ما يجعل استكمال العودة مرتبطاً بتحسين الخدمات وإعادة تأهيل المرافق المتضررة وتوفير ظروف معيشية تسمح للعائلات بالاستقرار.

السكن والعمل يحددان قرار العودة

قال رأفت فرزات، عضو المكتب التنفيذي في مجلس مدينة الرستن، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن نحو 60% من النازحين عادوا إلى المدينة، فيما لم يتمكن قرابة 40% من العودة لأسباب تتعلق بصورة رئيسية بعدم توفر مساكن مناسبة أو فرص عمل تضمن لهم دخلاً مستقراً.

وأوضح أن عدداً من العائلات استقر خلال سنوات النزوح في مدن الشمال السوري أو في مدينة حمص، وارتبط بأعمال ومصادر رزق يصعب التخلي عنها قبل توفر بدائل مناسبة في الرستن.

وأشار إلى أن تأمين المسكن والعمل يمثلان عاملين أساسيين في تشجيع الأهالي على العودة، إذ إن الرغبة في الاستقرار داخل المدينة لا تكفي وحدها عندما تكون المنازل مدمرة أو غير صالحة للسكن، أو عندما تفتقر الأسرة إلى مصدر دخل يغطي احتياجاتها.

البنية التحتية تحتاج إلى تأهيل واسع

وبيّن فرزات أن سنوات القصف التي تعرضت لها الرستن خلفت أضراراً كبيرة في البنية التحتية والمرافق العامة، شملت شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي والطرق، إضافة إلى المدارس ودور العبادة.

وأضاف أن مجلس المدينة، بالتعاون مع إدارة المنطقة والمجتمع المحلي، بدأ تنفيذ أعمال خدمية لمعالجة بعض الأضرار، شملت ترميم المنصفات في الطرق الرئيسية والأسواق، واستبدال أجزاء من شبكات الصرف الصحي المتهالكة في عدد من الأحياء.

وأوضح أن هذه الأعمال تأتي ضمن الإمكانات المتاحة، في حين تتطلب معالجة المشكلات بصورة أوسع دعماً مالياً وفنياً يتجاوز قدرة المجلس المحلي، ولا سيما في المشاريع التي تحتاج إلى استبدال شبكات كاملة أو إعادة تأهيل مرافق تعرضت لأضرار كبيرة.

المدارس في مقدمة الأولويات

وتبرز المؤسسات التعليمية ضمن المرافق التي تحتاج إلى تدخلات إضافية، سواء لإصلاح المباني المتضررة أو زيادة القدرة الاستيعابية للمدارس العاملة مع ارتفاع أعداد العائدين.

وأكد فرزات أن ترميم المدارس يمثل إحدى الأولويات الحالية لمجلس المدينة، نظراً إلى حجم الأضرار التي لحقت بالمنشآت التعليمية خلال سنوات الحرب وأهمية استعادة دورها في خدمة الطلاب.

وفي السياق ذاته، أوضح الناشط أحمد الشيخ علي، أحد أبناء الرستن، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، أن عدد المدارس العاملة حالياً لا يتناسب مع الضغط القائم وأعداد الطلاب المتوقع التحاقهم بها خلال العام الدراسي.

وأشار إلى أن المدينة تحتاج إلى زيادة عدد المدارس وتأهيل المباني القائمة، لافتاً إلى أن آثار القصف لا تزال ظاهرة في بعض المدارس التي تستقبل الطلاب، ما يعكس استمرار الحاجة إلى أعمال ترميم تتجاوز الإصلاحات المحدودة.

احتياجات صحية تتجاوز الخدمات الحالية

ولا تقتصر مطالب الأهالي على قطاع التعليم، إذ يشكل تطوير الخدمات الصحية أحد الاحتياجات الرئيسية في الرستن، في ظل الحاجة إلى مرافق قادرة على خدمة سكان المدينة ومناطق ريف حمص الشمالي.

وقال فرزات إن المدينة تحتاج إلى مشفى يوفر خدمات صحية أوسع للأهالي، بالتوازي مع تحسين واقع المؤسسات الطبية القائمة.

من جانبه، أوضح الشيخ علي أن الرستن تضم حالياً مستوصفين يختلف مستوى الخدمات المتاحة فيهما، مشيراً إلى الحاجة لإنشاء مستوصف ثالث في منطقة أخرى من المدينة، بما يساعد على توسيع التغطية الصحية وتخفيف الضغط عن المراكز الحالية.

وتعكس هذه المطالب الحاجة إلى زيادة القدرة الاستيعابية للخدمات الصحية مع استمرار عودة السكان، ولا سيما في المناطق التي لا تتوفر فيها مرافق طبية قريبة أو خدمات كافية.

مبانٍ حكومية خارج الخدمة

وتحدث الشيخ علي عن استمرار الأضرار في عدد من المباني الحكومية التي لم تستعد وظائفها الخدمية، ومن بينها مبنى المصرف الزراعي والجمعية الفلاحية.

وأوضح أن المدينة شهدت خلال الفترة الماضية إزالة بعض آثار الدمار وتنفيذ أعمال تحسين، إلا أن أضراراً واسعة لا تزال قائمة في مبانٍ سكنية وحكومية، وتحتاج إلى مشاريع إعادة تأهيل أكثر شمولاً.

وأشار إلى وجود خطط ومشاريع تعتزم المحافظة والبلدية تنفيذها بالتعاون مع الأهالي خلال الفترة المقبلة، معتبراً أنها قد تسهم في تحسين المشهد الخدمي والعمراني، لكنها لا تزال محدودة مقارنة بحجم الاحتياجات المتراكمة.

وتبرز إعادة تشغيل المؤسسات الحكومية المتضررة ضمن متطلبات استعادة الخدمات، إلى جانب إصلاح المساكن والبنية التحتية التي يعتمد عليها السكان في حياتهم اليومية.

مخلفات الحرب لا تزال ظاهرة

ومن بين القضايا التي أشار إليها الشيخ علي استمرار وجود مخلفات وآثار للقصف في بعض المواقع داخل المدينة، بما فيها الطرقات والمباني.

وقال إن بعض قذائف الهاون لا تزال ظاهرة ضمن طبقات الإسفلت في عدد من الطرق، موضحاً أن بعضها قد يكون فارغاً بعد انفجاره، بينما بقيت أجزاء المقذوفات في أماكنها.

وتستدعي هذه المشاهدات، وفق طبيعتها ومواقعها، إجراء كشف فني من الجهات المختصة لتحديد ما إذا كانت تشكل خطراً على السكان، خصوصاً في المناطق السكنية والطرق التي يستخدمها الأهالي والطلاب.

كما أن معالجة آثار الحرب في الفضاءات العامة ترتبط بأعمال التأهيل المطلوبة لإعادة المدينة إلى وضع يسمح باستخدام مرافقها وطرقاتها بصورة آمنة.

الإيجارات تضيف عبئاً على العائدين

وفي الجانب المعيشي، أشار الشيخ علي إلى أن ارتفاع تكاليف السكن يشكل إحدى أبرز العقبات أمام العائلات الراغبة في العودة، خصوصاً من فقدت منازلها أو لم تتمكن من ترميمها.

وأوضح أن إيجار المنزل في الرستن يبدأ، وفق الأسعار التي رصدها محلياً، من نحو 150 دولاراً شهرياً، فيما تتراوح إيجارات منازل أخرى بين 200 و300 دولار، تبعاً لموقع المنزل ومساحته وحالته.

وأضاف أن أسعار بيع المنازل تشهد بدورها ارتفاعاً ملحوظاً، إذ تتراوح الأسعار المطروحة في بعض الإعلانات العقارية بين 35 ألفاً و80 ألف دولار، وقد تصل طلبات بعض المالكين إلى 100 ألف دولار.

وتعكس هذه الأرقام تقديرات وأسعاراً متداولة في السوق المحلية، وليست متوسطات رسمية لجميع العقارات، لكنها توضح حجم الأعباء التي قد تواجه الأسر الباحثة عن مسكن بديل.

400 دولار لتغطية الاحتياجات الأساسية

ولفت الشيخ علي إلى أن تأمين الاحتياجات اليومية يمثل تحدياً إضافياً، في ظل ارتفاع تكاليف الغذاء والمستلزمات المعيشية مقارنة بفرص العمل والدخول المتاحة.

وقدر أن الأسرة تحتاج إلى دخل شهري لا يقل عن 400 دولار لتغطية احتياجات الطعام والشراب ومستوى معيشة متوسط، من دون احتساب تكاليف إيجار المنزل.

وبناء على هذه التقديرات، فإن الأسرة التي لا تمتلك منزلاً قد تواجه نفقات شهرية تتجاوز قدرتها المالية، ولا سيما إذا كانت تعتمد على عمل غير مستقر أو دخل محدود.

وأوضح أن ظروف العودة تكون أسهل نسبياً بالنسبة إلى الأسر التي احتفظت بمنازل قابلة للإصلاح وتملك مصادر دخل، بينما تتزايد الصعوبات أمام العائلات التي تحتاج إلى استئجار مسكن أو إعادة بناء منزلها بالكامل.

مشاريع اقتصادية لتشجيع الاستقرار

ورأى فرزات أن معالجة أزمة العودة تتطلب إجراءات تتجاوز تحسين الخدمات، وفي مقدمتها توفير خيارات سكن مناسبة للأهالي الذين فقدوا منازلهم أو لا يستطيعون تحمل تكاليف السكن الحالية.

ودعا إلى العمل على مشاريع سكنية بأسعار تتناسب مع إمكانات السكان، مع إتاحة الشراء عبر أقساط ميسرة، بما يساعد العائلات النازحة على العودة والاستقرار.

كما شدد على أهمية تشجيع المشاريع التنموية والاقتصادية، وافتتاح المصانع والشركات التي يمكن أن توفر فرص عمل للشباب وتدعم الحركة الاقتصادية داخل المدينة.

وأشار إلى أن المجلس المحلي يعمل بالتعاون مع إدارة المنطقة والمجتمع المحلي على خطة لتحسين الواقع الخدمي والمعيشي، مؤكداً أن حجم الاحتياجات يتطلب مشاركة المؤسسات المعنية وجهات الدعم إلى جانب الجهود المحلية.

العودة مرتبطة بتحسن ظروف المعيشة

ويرى الشيخ علي أن بعض العائلات التي استقرت خارج الرستن خلال سنوات النزوح تفضل التريث قبل العودة، في ظل تفاوت مستوى الخدمات وفرص العمل بين المدينة وأماكن إقامتها الحالية.

وأوضح أن قرار العودة يرتبط بالنسبة إلى هذه الأسر بقدرتها على تأمين السكن والدخل والخدمات الأساسية، ما يدفع بعضها إلى انتظار تحسن الظروف قبل اتخاذ قرار الانتقال.

وتظهر المعطيات التي قدمها ممثل مجلس المدينة والناشط المحلي أن الرستن قطعت خطوات في استعادة سكانها وتنفيذ بعض أعمال التأهيل، لكنها لا تزال تواجه فجوة بين حجم الاحتياجات والإمكانات المتاحة لمعالجتها.

وتبقى زيادة أعداد العائدين مرتبطة بتوسيع مشاريع ترميم المنازل والمدارس والمرافق الصحية، وتحسين شبكات الخدمات وإعادة تشغيل المؤسسات المتضررة، بالتوازي مع توفير فرص عمل وخيارات سكن ميسرة تساعد الأسر على الانتقال من العودة المؤقتة أو الجزئية إلى الاستقرار المستدام.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ