تدافع وتسابق وانتظار لساعات.. خدمة النقل والمواصلات تتحول إلى حلم صعب المنال ● تقارير خاصة

تدافع وتسابق وانتظار لساعات.. خدمة النقل والمواصلات تتحول إلى حلم صعب المنال

الركض والهرولة خلف وسيلة نقل والسباق والتدافع على حجز مقعد في حافلة بعد الانتظار لساعات طويلة مشاهد تكررت لتختزل واقع هذه الخدمة الغائبة في سوريا والتي طالما تغنى نظام الأسد بتأمينها واحتفل إعلامه بكثرة الحلول المطروحة ومنها الحافلات الجديدة وأجهزة التعقب التي ستحل المشكلة من جذورها لكن الواقع يكذب هذه المزاعم، إذ إن قطاع النقل والمواصلات يعيش حالة من الشلل ألقت بظلالها على تردي الأوضاع المعيشية في عموم سوريا.

 

النظام يقدم روايته حول تردي الخدمة.. ما حقيقتها؟

سعى إعلام النظام إلى تصدير روايته المزعومة حول أسباب أزمة النقل، فكانت الذريعة في بعض الأحيان من ضحايا إهماله فتوجه إلى اتهام السائقين ببيع المخصصات والتصرف بها، ما دفع المذيعة "ربى الحجلي" ذات مرة إلى التنكر واستخدام كاميرا خفية لتعزيز رواية نظام الأسد بأن السائقين هم سبب هذه الأزمة، فيما يسلط هذا التقرير الضوء على هذه الخدمة إذ يتبين بأن السبب الرئيسي في تدهورها هو نظام الأسد وممارساته وقراراته حول قطاع النقل.

ويترافق إلقاء اللوم على السائقين مع جملة من التبريرات والذرائع الواهية لتبرير غياب خدمة النقل، التي تعود بعضها لتطال السائقين حيث عزا "حسام منصور" عضو مكتب قطاع النقل بحمص إن تفاقم أزمة النقل وتراجع عدد الحافلات يعود إلى عزوف السائقين عن العمل، ويمارس نظام الأسد سياسة بث إشاعة تخفيض مخصصات المحروقات الموزعة لوسائل النقل ثم ينفي ذلك عبر المسؤولين ليصار لاحقاً إصدار قرارات مكررة تنص على رفع تعرفة البولمانات والتكاسي و السرافيس والباصات، وسط غلاء وندرة المحروقات.

تأثيرات تردي النقل .. وتكلفة صادمة للبدائل

يؤثر غياب خدمة النقل على كافة جوانب الواقع الاقتصادي في سوريا، إذ وصلت تداعيات غياب المواصلات وارتفاع أجور النقل التي باتت تستهلك أكثر من نصف رواتب العاملين في القطاع العام، فلم يكن أمام الموظفين أي خيار آخر سوى التقدم باستقالاتهم، التي تسجل بالآلاف بعموم مناطق سيطرة النظام حيث لم يعد بمقدورهم دفع مبالغ تتجاوز شهريا الحد الأدنى للرواتب في سوريا.

وليس الموظفين أو الشريحة العاملة عموما وحدها التي تتأثر بغياب النقل العام بل يحمل ذلك انعكاسات سلبية على طلاب المدارس والجامعات لا سيّما خلال فترات الامتحانات دون وجود حلول قابلة للتنفيذ، ومنها سيارات التكسي كون تكلفتها خارج القدرة الشرائية للمواطنين، وقدر "حسام حسن"، المسؤول الإعلام لدى النظام حاجته إلى 500 ألف ليرة شهريا لتغطية التنقل بين منزله وعمله، أما السفر بين المحافظات والأرياف فبات يثقل كاهل غالبية المجبرين على التنقل مع ارتفاع التكاليف وسط خطورة بعض بدائل النقل مثل السيارات المكشوفة غير المخصصة لنقل الركاب والدرجات النارية والهوائية.

 

كراجات مكتظة.. ماراثون لحجز مقعد في حافلة

تتوارد المشاهد ومنها عبر تلفزيون النظام من الكراجات ومراكز تجمع وسائط النقل، لتكشف مدى انهيار قطاع النقل والمواصلات في سوريا، وأبرز تلك المشاهد تتلخص في الركض خلف وسيلة النقل وسط الازدحام الشديد، ومع انقطاع الأمل بالحصول على هذه الخدمة يتجاوز بعض المواطنين المألوف بالصعود إلى الحافلة عبر النوافذ، وسط انتشار كبير لحالات السرقة ضمن حالة الفلتان الأمني التي تتضاعف مع حالات الازدحام والانتظار لساعات طويلة دون إيجاد حلول من قبل نظام الأسد.

ويأتي ذلك مع تكرار قرارات نظام الأسد برفع المحروقات وكان آخرها رفع سعر مادة البنزين إلى 2500 في آب الماضي، تزامنا مع رفع تعرفة النقل التي أصبحت 714 ليرة سورية للكيلومتر و8780 ليرة للساعة الزمنية، وتسجل المحروقات السوق السوداء أسعار مضاعفة وسط وجود أصناف متعددة منها الإيراني واللبناني، وسط تراخي الجهات الرقابية التي تلاحق الحلقة الأضعف وهم أصحاب المحطات الصغيرة والسائقين وتوجيه تهم لهم تتعلق بالاتجار بالمحروقات وتهربهم عن العمل بقطاع النقل.

 

إيرادات مالية هائلة .. لا تنعكس على واقع الطرق!

تتباهى مديريات النقل التابعة لنظام الأسد بنشر حجم الإيرادات التي تحققها، وقدرت تحقيق إيرادات وصلت إلى 55 مليار ليرة سورية خلال عام واحد فقط، وطالما تنشر المديريات التابعة للوزارة بيانات بهذا الشأن، ولا تقل حصائل أي محافظة عن هذا المبلغ ووصلت إلى 16 مليار ليرة بدمشق لوحدها، وقدّر وزير النقل لدى النظام "زهير خزيم"، أن وزارته رفدت الخزينة بـ 115 مليار ليرة بأقل من نصف عام.

وقال مصدر مسؤول في المرور إن العاصمة دمشق سجلت خلال النصف الأول من العام الحالي، 65 حالة وفاة و 1650 إصابة ناتجة عن 2850 حادث سير في العاصمة في ظل تردي البنى التحتية للطرقات والمركبات من جراء تجاهل نظام الأسد تعبيد الطرق والشوارع رغم تخصيص مبالغ مالية هائلة تذهب وتتبخر ضمن صفقات فساد منظمة.

 

الـ"GPS" تتبع فضائح النظام.. أجهزة للسرقة وليس لتحسين النقل

فرض نظام الأسد على وسائل النقل دفع تكلفة تركيب نظام الجي بي إس، بتكلفة 350 ألفاً و2500 ليرة سورية اشتراك شهري، بدواعي حل مشكلة النقل مع مع حرمان الحافلات المخالفة من المحروقات، وسبق ذلك عمل نظام الأسد على ابتكار وظيفة "مراقب سري" على عمل الحافلات وحدد رواتبهم من جيوب السائقين حيث فرض على كل صاحب حافة يدفع 100 ليرة سورية يومياً.

وما لبثت تجربة التعقب المزعومة بكشف فضائح في قطاع النقل، حيث كشفت مواقع مقربة من نظام الأسد عن تفاصيل سرقة ونهب علني وقالت إن جهاز GPS متوافر على موقع "علي بابا"، بتكلفة 10 دولار فقط، فيما يفرض نظام الأسد سعر الجهاز 350 ألف ليرة سورية، ويعد قطاع النقل نافذة للنظام للسرقة والنهب عبر الرسوم والضرائب على كافة أنواع الآليات.

فشل التطبيل لحافلات إيران والصين و"النقل الذكي" بدون محروقات

احتفى نظام الأسد بوصول 100 باص للنقل الداخلي مقدمة من الصين، الأمر الذي دفع "حسين عرنوس"، لتقديم الوعود بأن مشكلة النقل سيتم تجاوزها خلال 2022، من خلال التعاقد على توريد 500 باص مما وصفه بـ"الجانب الإيراني الصديق"، وكشف مدير عام الشركة العامة للنقل الداخلي بدمشق، "موريس حداد"، عن إمكانية دخول 30 باص نقل داخلي في الخدمة قبل نهاية العام، وذلك بعد أن تم الإعلان عن مناقصة لصيانتها، دون أن ينعكس ذلك على واقع النقل رغم التطبيل والترويج الإعلامي.

وطالما أثار حديث نظام الأسد عن سيارات كهربائية والتطبيق الذكي لنقل الركاب سخرية وانتقادات، وكان أقر رأس النظام الإرهابي "بشار الأسد" قانوناً يقضي بالسماح للشركات المرخصة بنقل الركاب وفق نظام التطبيق الإلكتروني، وذلك برغم انعدام آليات التنفيذ ولعل أبرزها المحروقات.

ورصدت شبكة "شام" الإخبارية تصاعد أجور النقل بسيارات الأجرة إذ سجلت لأقل مسافة مقطوعة هي 6 آلاف ليرة، وتصل إلى 75 ألف، في حين أصبح الانتقال ضمن دمشق مثلاً من ساحة الأمويين إلى مشفى الهلال الأحمر يصل 10 آلاف ليرة، في حين طلب سائقو أجرة من أحد الركاب للوصول إلى صحنايا 50 ألفاً وإلى جديدة عرطوز 40 ألف ليرة سورية.

 

واقع النقل في شمال وشرق سوريا

تعاني مناطق محافظة إدلب وأرياف حلب الشرقي والشمالي شمال غرب سوريا، من تردي واقع النقل وغياب الرحلات المنظمة بين المناطق المحررة، وسط ارتفاع تكاليف التنقل مع غلاء المحروقات، ويعتمد عدد من السكان في تنقلهم على السيارات الخاصة، وسط انتشار خجول للحفلات ضمن شركات النقل الجماعي التي برزت خلال الفترة الماضية، وفي إدلب ظهرت مؤخرا الآلية المعروفة بـ"التوك توك" دون معرفة حجم الدور الذي ستلعبه في قطاع النقل في المنطقة وسط وجود عدة عوامل تعيق تحسين النقل مثل تردي بعض الطرقات وتفاقم الازدحام المروري.

وفي مناطق شمال وشرق سوريا الخاضعة لسيطرة قوات "قسد" يعيش قطاع النقل والمواصلات واحدة من أسوأ مراحله وفق مواطنون في محافظة الرقة، ويعتمد على السيارات الخاصة بالتنقل وكذلك الدراجات النارية وسط تضييق الخناق من قبل سلطات الأمر الواقع مع تكرار حظر التجول عبر الدراجات بين الحين والآخر بدعوى ضبط زمام الوضع الأمني والاستقرار، ويأتي ذلك في ظل عدم تأمين بديل يحقق حلم المواطنين بتوفير وسيلة نقل بشكل منتظم وبأسعار ضمن قدرتهم الشرائية التي لا تقل تدهورا عن واقع مأساة النقل والمواصلات.

 

خسائر بالجملة تطال قطاع النقل والمواصلات في سوريا

وفي مارس/ آذار الماضي، بث إعلام النظام الرسمي عبر قناة الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، أرقام تكشف حجم خسائر قطاع النقل في سوريا، وكان أبرزها، خروج 60% من شبكة الطرقات المركزية عن الخدمة، وتدمير مئات الجسور إلى جانب تفكيك وتخريب دعائم أكثر من 50 جسرا، وقدر النظام الأضرار بقيمة 2 تريليون ليرة سورية وقال هذا الرقم يشمل ما تم حصره والتوصل إليه.

وقدر تدمير شبكة السكك الحديدية بنسبة 80% مع تضرر 1,400 كم من شبكة الخطوط السكك، وأكثر من 120 رأس قاطر بإستطاعات مختلفة، وأكثر من 140 عربة ركاب، وقال تلفزيون النظام إنه تمت عمليات سرقة القطارات ورحبات الصيانة ونقلها إلى الأراضي التركية، وفق زعمه، مقدرا حجم خسائر السكك الحديدية حوالي 3 تريليون ليرة سورية.

وحسب حصائل رسمية صادرة في العام 2017، خسرت وزارة النقل 179 عاملا حتى من كوادرها قتلوا منذ 2011 في حين بلغت قيمة الأضرار المادية التي لحقت بالوزارة والجهات التابعة لها 4567 مليون دولار، وكانت إيراداتها السنوية قد وصلت قبل 2011 إلى ما يقارب 1389 مليون دولار لتنخفض بعدها إلى 102 مليون دولار سنويا.