من القطيعة إلى الانفتاح .. كيف تبدّل المشهد اللبناني تجاه سوريا مع زيارة الشيباني ..؟
عكست زيارة وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني إلى لبنان، وما رافقها من استقبال رسمي وشعبي ولافتات ترحيب في بيروت وطرابلس، تحولاً لافتاً في طبيعة التعاطي اللبناني مع الدولة السورية في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد البائد، بعد عقود ارتبطت فيها العلاقة بين البلدين بإرث ثقيل من التوتر والعداء والانقسامات السياسية.
وشكّلت العلاقة بين لبنان ونظام الأسد البائد واحدة من أكثر الملفات حساسية في المنطقة، إذ تركت سنوات الوصاية السورية على لبنان، وما رافقها من تدخلات أمنية وسياسية، إضافة إلى ملفات الاعتقالات والاغتيالات والاختفاء القسري، آثاراً عميقة في الذاكرة اللبنانية، ورسخت لدى شريحة واسعة من اللبنانيين مشاعر الغضب والرفض تجاه النظام الذي حكم سوريا لعقود.
إرث من الصراع
وامتد هذا الإرث إلى محطات مفصلية في تاريخ لبنان، بدءاً من دخول القوات السورية عام 1976، مروراً بسنوات النفوذ السياسي والأمني، وصولاً إلى الانسحاب العسكري عام 2005 عقب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، وما تبعه من اتهامات سياسية وأزمات متلاحقة زادت من اتساع الفجوة بين النظام السوري السابق وشرائح واسعة من المجتمع اللبناني.
كما بقيت ملفات المفقودين والمعتقلين اللبنانيين في السجون السورية، والانتهاكات التي تعرض لها معارضون وسياسيون وصحفيون، من أبرز القضايا التي غذّت هذا الإرث، إلى جانب ما خلّفته الحرب في سوريا من تداعيات أمنية واقتصادية ونزوح واسع أثّر بشكل مباشر على لبنان.
مشهد مختلف
لكن المشهد الذي رافق زيارة وزير الخارجية أسعد الشيباني حمل مؤشرات مختلفة عن السنوات الماضية، إذ شهدت بيروت وطرابلس استقبالاً رسمياً، إلى جانب مظاهر ترحيب شعبية ولافتات رحبت بالوفد السوري، في مشهد كان يصعب تخيله قبل أشهر فقط، عندما كانت صورة الدولة السورية لا تزال مرتبطة في أذهان كثير من اللبنانيين بممارسات نظام الأسد البائد.
ويعكس هذا التحول، بالنسبة لكثير من المراقبين، تمييزاً واضحاً بين الدولة السورية الجديدة والنظام السابق، إذ باتت قطاعات من المجتمع اللبناني تنظر إلى السلطة الجديدة باعتبارها بداية لمرحلة مختلفة يمكن أن تؤسس لعلاقات قائمة على الاحترام المتبادل والسيادة والتعاون، بعيداً عن سياسات الوصاية والتدخل التي طبعت العقود الماضية.
فرصة لإعادة بناء العلاقة
وتفرض المرحلة الحالية على دمشق وبيروت فرصة لإعادة صياغة العلاقات الثنائية على أسس جديدة، تقوم على معالجة الملفات العالقة، وفي مقدمتها ترسيم الحدود، وضبط المعابر، ومكافحة التهريب، والتعاون الأمني، إضافة إلى معالجة ملف اللاجئين السوريين بما يراعي مصالح البلدين ويحفظ كرامة اللاجئين.
كما يبرز التعاون الاقتصادي كأحد أبرز الملفات التي يمكن أن تعيد الحيوية للعلاقات، في ظل حاجة سوريا إلى الانفتاح على محيطها العربي، وحاجة لبنان إلى استقرار حدوده الشرقية وتنشيط حركة التجارة والترانزيت نحو الأسواق العربية عبر الأراضي السورية.
التغيير في الوعي اللبناني
ولا يعني الترحيب الذي رافق زيارة الشيباني أن اللبنانيين تجاوزوا إرث العقود الماضية أو أغلقوا ملفاتها، إلا أنه يعكس تغيراً ملحوظاً في النظرة إلى سوريا الجديدة، وفصلاً متزايداً بين النظام الذي ارتبط في الذاكرة اللبنانية بالاغتيالات والاعتقالات والتدخلات، وبين الدولة السورية التي تسعى اليوم إلى بناء علاقات مختلفة مع جيرانها.
ويشير هذا التحول إلى أن سقوط نظام الأسد البائد لم يغيّر المشهد داخل سوريا فحسب، بل بدأ ينعكس أيضاً على البيئة الإقليمية، وفي مقدمتها لبنان، حيث تبدو العلاقة بين البلدين أمام اختبار جديد، عنوانه الانتقال من إرث الصراع وعدم الثقة إلى مرحلة تقوم على الحوار والتعاون واحترام السيادة، مع بقاء نجاح هذا المسار مرهوناً بقدرة الطرفين على ترجمة هذه التحولات إلى سياسات عملية ومستدامة.