تكنولوجيا ا بنك أهداف من 13 ألف موقع.. كيف غيّر الذكاء الاصطناعي قواعد الحرب الأمريكية على إيران؟
تكنولوجيا ا بنك أهداف من 13 ألف موقع.. كيف غيّر الذكاء الاصطناعي قواعد الحرب الأمريكية على إيران؟
● آراء ومقالات ١٣ يونيو ٢٠٢٦

تكنولوجيا ا بنك أهداف من 13 ألف موقع.. كيف غيّر الذكاء الاصطناعي قواعد الحرب الأمريكية على إيران؟

في الحروب التقليدية، كانت عملية تحديد الأهداف العسكرية تستغرق ساعات طويلة من جمع المعلومات وتحليلها ومراجعتها قبل اتخاذ القرار.

 أما في الحرب الأمريكية على إيران، فقد واجهت واشنطن تحدياً مختلفاً يتمثل في إدارة بنك أهداف ضخم تجاوز 13 ألف موقع خلال أول 38 يوماً من العمليات، بمعدل يقارب 342 هدفاً يومياً.

وفي ظل هذا الحجم غير المسبوق من البيانات والأهداف، برز الذكاء الاصطناعي بوصفه أحد أهم أدوات إدارة المعركة، حيث تولت الخوارزميات تحليل المعلومات الواردة من عشرات المصادر وتحويلها إلى أهداف قابلة للتنفيذ خلال وقت قياسي.

لماذا احتاجت واشنطن إلى الذكاء الاصطناعي؟

لم تكن المشكلة أمام الجيش الأمريكي خلال الحرب على إيران في نقص المعلومات، بل في حجمها الهائل، فالأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة والرادارات وأنظمة الاستطلاع الإلكتروني كانت تنتج تدفقات متواصلة من الصور والإشارات والبيانات على مدار الساعة. 

ومع اتساع رقعة العمليات وارتفاع عدد الأهداف المحتملة إلى أكثر من 13 ألف موقع خلال أسابيع قليلة، أصبح من الصعب على المحللين البشر وحدهم فرز هذه الكميات الضخمة من المعلومات بالسرعة المطلوبة. 

ولهذا اتجهت وزارة الدفاع الأمريكية إلى الاعتماد على أنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة على تحليل البيانات وربطها وتصنيفها خلال دقائق، وتحويلها إلى قوائم أهداف مرتبة بحسب الأولوية العسكرية والأهمية العملياتية.

من مشروع لمراقبة الطائرات المسيّرة إلى منصة تدير المعركة

تعود جذور هذه القدرات إلى مشروع "مافن" الذي أطلقه البنتاغون عام 2017 بهدف مساعدة المحللين العسكريين على التعامل مع الكم الهائل من الصور ومقاطع الفيديو القادمة من الطائرات المسيّرة. 

وفي ذلك الوقت كانت أجهزة الاستخبارات تواجه صعوبة متزايدة في مراجعة آلاف الساعات من التسجيلات والبيانات الواردة من مناطق العمليات.

ومع مرور السنوات تطور المشروع بصورة كبيرة، وانتقل من مجرد أداة لتحليل الصور إلى منصة متكاملة قادرة على دمج البيانات القادمة من الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة والرادارات ووسائل الاستطلاع الإلكتروني والاتصالات المعترضة والمصادر البشرية في نظام واحد يعرف اليوم باسم "مافن الذكي".

كيف بُني بنك الأهداف؟

تعتمد المنظومة على جمع المعلومات من عشرات المصادر المختلفة وتحويلها إلى ما يشبه "الصورة العملياتية الموحدة" لساحة المعركة. 

وبدلاً من انتقال القادة بين عدد كبير من الشاشات وقواعد البيانات، تُعرض المعلومات في واجهة واحدة تتيح تتبع المواقع العسكرية والتحركات والأنشطة المشتبه بها بصورة لحظية.

وعند رصد نشاط معين، يقوم النظام بمقارنة المعلومات الواردة من مصادر متعددة للتأكد من أهميته العسكرية. وبعد ذلك تُصنف الأهداف المحتملة وتُرتب وفق معايير تشمل مستوى التهديد والقيمة العملياتية والأهمية الاستراتيجية، ما يسمح ببناء بنك أهداف متجدد باستمرار.

أرقام تكشف حجم العملية

تكشف البيانات المعلنة عن حجم غير مسبوق للعمليات العسكرية المدعومة بالذكاء الاصطناعي. فخلال أول 38 يوماً من الحرب، أعلنت الولايات المتحدة استهداف أكثر من 13 ألف موقع داخل إيران.

وشملت القائمة أكثر من ألفي موقع للقيادة والسيطرة، ونحو 1500 هدف للدفاعات الجوية، إضافة إلى أكثر من 1450 موقعاً مرتبطاً بالبنية الصناعية العسكرية. 

وتعني هذه الأرقام أن مراكز القيادة كانت تتعامل مع مئات الأهداف يومياً، وهو حجم يصعب إدارته بالوسائل التقليدية المعتمدة على التحليل البشري وحده.

عندما أصبحت الخوارزميات شريكاً في القرار العسكري

لم يعد دور الذكاء الاصطناعي يقتصر على جمع المعلومات وتحليلها، بل امتد إلى المساعدة في ترتيب الأولويات واقتراح الخيارات المتاحة للقادة العسكريين. 

فالنظام قادر على تحديد الوحدات الأقرب إلى الهدف، وتقديم تصورات متعددة للتعامل معه، وتوفير تقييم سريع للخيارات المتاحة استناداً إلى البيانات الواردة من الميدان.

كما ساهم دمج نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي الحديثة في تعزيز هذه القدرات، حيث أصبح بالإمكان إنتاج قوائم أهداف متخصصة أو تحديث الأولويات بصورة شبه فورية وفقاً للتطورات الميدانية.

من أيام إلى دقائق

يعد اختصار الزمن أحد أبرز الإنجازات التي حققتها هذه المنظومات. ففي السابق كانت عملية اكتشاف الهدف وتحليل المعلومات المرتبطة به ورفع التوصيات بشأنه تستغرق ساعات طويلة وربما أياماً في بعض الحالات.

أما اليوم، فأصبحت هذه المراحل تُنجز خلال دقائق معدودة. ويستطيع النظام إعادة تقييم المشهد العملياتي باستمرار، وإنتاج قوائم أهداف جديدة فور ورود معلومات إضافية، ما يمنح القادة قدرة أكبر على مواكبة المتغيرات المتسارعة في ساحة القتال.

بنك أهداف يتجدد باستمرار

لا تنتهي مهمة النظام عند تنفيذ الضربة العسكرية، بل تبدأ مرحلة جديدة من التحليل. فبعد كل عملية، تستقبل المنظومة صوراً حديثة وتقارير تقييم الأضرار وبيانات الاستطلاع، ثم تعيد فحص بنك الأهداف بالكامل.

وإذا جرى تدمير هدف معين يتم استبعاده من القائمة، بينما تُضاف الأهداف الجديدة التي تظهر نتيجة التطورات الميدانية. وبهذه الطريقة يتحول بنك الأهداف إلى منظومة ديناميكية تتحدث باستمرار بدلاً من كونه قائمة ثابتة تُعد مسبقاً.

الوجه الآخر للسرعة

ورغم المزايا التي توفرها هذه التقنيات، فإن الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي أثار نقاشاً واسعاً داخل الأوساط العسكرية والأكاديمية والحقوقية.

 فكلما ازدادت سرعة إنتاج الأهداف وتحديثها، تقلص الوقت المتاح للمراجعة البشرية والتدقيق المستقل.

ويحذر خبراء من ظاهرة تعرف باسم "انحياز الأتمتة"، حيث يميل المستخدمون إلى الثقة بنتائج الأنظمة الذكية بسبب سرعتها وكفاءتها، ما قد يؤدي إلى تمرير أخطاء ناجمة عن بيانات غير محدثة أو تقديرات غير دقيقة إذا لم تخضع لمراجعة بشرية كافية.

عصر الحروب الخوارزمية

تكشف الحرب الأمريكية على إيران عن تحول عميق في طبيعة الصراعات الحديثة. فإدارة أكثر من 13 ألف هدف خلال 38 يوماً لم تكن لتتحقق بالاعتماد على القدرات البشرية التقليدية وحدها، بل استندت إلى منظومات ذكاء اصطناعي قادرة على جمع البيانات وتحليلها وتحديثها بصورة متواصلة.

ومع استمرار تطور هذه التقنيات، تبدو الجيوش الحديثة أمام مرحلة جديدة تصبح فيها الخوارزميات شريكاً أساسياً في إدارة العمليات العسكرية.

 وبينما يرى مؤيدو هذه الأنظمة أنها تمنح الجيوش سرعة وكفاءة غير مسبوقتين، يحذر منتقدوها من أن مستقبل الحروب قد يشهد اعتماداً متزايداً على قرارات تنتجها الآلات، في معادلة لا تزال حدودها النهائية موضع نقاش عالمي متواصل.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ