جيمس جيفري يشرح أسباب تخلي واشنطن عن قسد
قال جيمس جيفري، المبعوث الأمريكي السابق إلى سوريا والسفير الأسبق في الشرق الأوسط، إن قرار الولايات المتحدة التخلي عن الشراكة العسكرية مع قوات سوريا الديمقراطية لم يكن تحوّلًا مفاجئًا، بل نتيجة منطقية لسياسة أمريكية قديمة تعاملت مع تلك العلاقة بوصفها مؤقتة وتكتيكية ومرتبطة حصريًا بمهمة هزيمة تنظيم داعش، بحسب ما ورد في تقرير موقع الجمهورية.
وأوضح جيفري، الذي شغل منصب المبعوث الخاص خلال الولاية الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ويعمل حاليًا زميلًا مميزًا في معهد واشنطن، أن واشنطن كانت واضحة منذ البداية في إبلاغ قسد بأن الشراكة معها لا تتجاوز كونها صفقة مرحلية، مؤكدًا أن الولايات المتحدة لم تكن تنوي إنشاء كيان كردي مدعوم أمريكيًا على غرار كوسوفو في شمال شرقي سوريا، كما قال حرفيًا إن بلاده «لم تكن بصدد بناء كيان مستقل» وإنما ركزت على محاربة داعش والدفاع عن مناطق سيطرة قسد من التنظيم ومن قوات النظام البائد وحلفائه.
وأشار جيفري إلى أن الولايات المتحدة، ورغم عدم رغبتها في جرّ قسد إلى مواجهة مباشرة مع نظام بشار الأسد، كانت مستعدة للدفاع عن مناطقها حين اقتضت الحاجة، مستشهدًا بما جرى في معركة دير الزور عام 2018 عندما اصطدمت قوات أمريكية وقوات قسد بقوات النظام البائد وحلفائه، في معركة شارك فيها مرتزقة من مجموعة فاغنر الروسية، على حد وصفه، معتبرًا أن تلك الواقعة عكست حدود الالتزام الأمريكي وليس نية تبنّي مشروع انفصالي.
وربط جيفري الموقف الأمريكي من قسد بالإطار السياسي الأشمل الذي حكم السياسة الأمريكية تجاه سوريا، موضحًا أن واشنطن بنت مقاربتها على أساس قرار الأمم المتحدة 2254، وهو الموقف الذي قال إنه نُقل صراحة إلى قيادة قسد، لافتًا إلى أن القرار الأممي دعا إلى وقف إطلاق النار باستثناء الجماعات المصنفة إرهابية، وإلى عملية انتقال سياسي تقودها سوريا تشمل دستورًا جديدًا وانتخابات حرة وحكومة جامعة غير طائفية.
وأضاف جيفري أن استمرار الشراكة مع قسد بعد هزيمة داعش ميدانيًا عام 2019 لم يكن خيارًا استراتيجيًا دائمًا، بل فرضته حقيقة بقاء نظام الأسد في السلطة آنذاك، معتبرًا أن قسد كانت الشريك الوحيد القابل للاستخدام في مواجهة خطر عودة التنظيم، وهو ما جعل العلاقة تستمر رغم طابعها المؤقت.
وفي سياق موازٍ، كشف جيفري أن الولايات المتحدة لم تكن تعتمد على قسد وحدها في مقاربتها الأمنية، موضحًا أنه حين تولى منصبه عام 2018 علم بوجود قنوات اتصال غير رسمية مع هيئة تحرير الشام، واصفًا تلك الاتصالات بأنها جرت عبر قسد (قالها بشكل ساخر)، وشملت تبادلًا للمعلومات الاستخباراتية في سياق العمليات ضد داعش والقاعدة في إدلب، مضيفًا أن واشنطن دعمت بقاء تلك المنطقة عبر مساعدات إنسانية وضغوط دبلوماسية على روسيا والنظام البائد وإيران لمنع اجتياحها.
وبرّر جيفري هذا الدعم بأن الهيئة كانت تقاتل تنظيم داعش وكذلك قوات النظام البائد، بخلاف قسد التي لم تكن تخوض مواجهة مباشرة مع دمشق، معتبرًا أن الولايات المتحدة امتلكت حينها «حليفين على الأرض»، أحدهما بعلاقة رسمية نسبية مع قسد، والآخر بعلاقة غير رسمية مع هيئة تحرير الشام بسبب تصنيفها الإرهابي ووجودها ضمن نطاق العمليات التركية.
وحول التحول الذي طرأ بعد سقوط نظام الأسد، قال جيفري إن وصول احمد الشرع إلى السلطة خلق واقعًا جديدًا لا يمكن تجاهله، معتبرًا أن الولايات المتحدة تفضّل بطبيعتها التعامل مع دول وحكومات مركزية لا مع فاعلين غير دوليين، ومشيرًا إلى أن واشنطن بات لديها شريك محتمل يمكن التعامل معه دولةً لدولة في ملفات مكافحة الإرهاب ومنع عودة داعش.
وأبدى جيفري تشككًا واضحًا في مدى تخلي الشرع عن خلفيته الجهادية، قائلًا إنه يعتقد أن الرجل تخلّى عن عقلية القاعدة الإرهابية لكنه لم يتخلَّ بالكامل عن رؤيته الإسلامية، إلا أنه أشار في الوقت نفسه إلى مؤشرين قال إنهما عززا قدرًا من الثقة خلال سنوات عمله، أولهما طريقة تعامل هيئة تحرير الشام مع الأقليات في إدلب، والتي وصفها بأنها كانت «مفاجِئة وإيجابية»، وثانيهما منع الهيئة لملايين النازحين من عبور الحدود نحو تركيا، معتبرًا أن ذلك جنب المنطقة كارثة إقليمية.
وأضاف جيفري أن الحكم الذي مارسه الشرع في إدلب، والذي وصفه بـ«المعقول إلى حد كبير»، ترك انطباعًا إيجابيًا لديه ولدى آخرين، مشددًا على أن انخراط الولايات المتحدة ودول أخرى مع القيادة السورية الجديدة لا ينبع من ثقة مطلقة، بل من غياب أي بديل واقعي آخر، على حد قوله.
وأكد جيفري أن دعم كيان عسكري كردي مسلح في شمال شرقي سوريا لم يعد يخدم المصالح الأمريكية، مبررًا ذلك بأن غالبية سكان المنطقة من العرب الذين لا يشعرون بالارتياح لحكم قسد، وبأن الثروات النفطية والغازية تتركز هناك، إضافة إلى حساسيات ومصالح حلفاء واشنطن الإقليميين، معتبرًا أن هذه العوامل مجتمعة تفسر التحول الأمريكي باتجاه دعم بسط سيطرة الدولة السورية المركزية.
وختم جيفري بالتأكيد على أن المرحلة الحالية تفتح، نظريًا، الباب أمام تطبيق القرار 2254، معتبرًا أن سوريا كانت مصدر تهديد مستمر للمنطقة، وأن المجتمع الدولي مستعد لمنح القيادة الجديدة فرصة لأن البديل هو استمرار الفوضى، وقال إن الجميع «سيمضي مع الشرع» طالما أنه التزم على الورق بأهداف القرار الأممي وأظهر أداءً يراه البعض «مثيرًا للإعجاب نسبيًا»، وفق تعبيره.