"الضحيك".. حكاية عائلة كتبت اسمها بالدم وقدّمت أبناءها شهداء للثورة
لم تبدأ حكاية عائلة الضحيك من موقع عابر في سياق الثورة السورية، بل من قلب الألم والقصف والحصار، ومن داخل بيت في مدينة تلبيسة بريف حمص الشمالي خرج منه الأبناء واحداً تلو الآخر، يحملون أدواراً مختلفة، لكنهم التقوا جميعاً عند ذات النهاية وهي الشهادة في سبيل الثورة السورية.
تتبعت شبكة شام الإخبارية قصص شهداء العائلة فوجدت أن في هذا البيت، لم يكن الفقد حدثاً طارئاً، بل مساراً متصلاً لعائلة قدمت أبناءها تباعاً، حتى تحول اسمها إلى مرادف للتضحية في واحدة من أكثر مناطق سوريا اشتعالاً خلال سنوات الثورة ومع مرور الوقت، لم تعد القصة مجرد سيرة أفراد، بل تحولت إلى ذاكرة جمعية تختصر حكاية مدينة بأكملها.
البداية كانت مع الشقيقين أحمد ومحمود، اللذين شكلا معاً أول فصول التضحية "أحمد سليمان الضحيك"، المهندس والناشط الإعلامي، خرج في الأيام الأولى للحراك ليحمل الكاميرا في وجه الدبابات، موثقاً اقتحام تلبيسة في 29 أيار/مايو 2011، لم يكن مجرد ناقل صورة، بل أحد أوائل من كسروا حاجز الصمت، ليعرف لاحقاً بلقب "شهيد الحقيقة"، بعد أن دفع حياته ثمناً لكشف جرائم النظام البائد.
لم تمضِ أشهر قليلة حتى لحق به شقيقه "محمود سليمان الضحيك"، الذي اعتُقل في خضم الحملة الأمنية على المدينة، قبل أن يُعدم ميدانياً في 21 أيلول/سبتمبر 2011 بعد تعرضه لتعذيب قاسٍ على أحد الحواجز، كان محمود، كما يصفه أبناء مدينته، من خيرة شباب تلبيسة، وقد تحول اسمه لاحقاً إلى رمز حين أُطلقت باسمه أولى التشكيلات العسكرية في المدينة.
وتوالت مراحل الفقد سريعاً على العائلة في 4 شباط/فبراير 2012، ارتقى "زكريا سليمان الضحيك"، برصاص قناصة، وبعده بأشهر، استشهد "عبد الكافي سليمان الضحيك"، في 9 حزيران/يونيو 2012، الذي كان يؤدي دوراً إنسانياً كممرض، خلال مشاركته في تحرير أحد الحواجز التابعة للنظام البائد.
ولم يتوقف النزف عند هذا الحد، إذ استشهد "سليم سليمان الضحيك"، الأبن الأكبر في العائلة في 20 تموز/يوليو 2012 خلال المعارك الدائرة في تلبيسة، أثناء محاولة السيطرة على أحد الحواجز العسكرية على الطريق الدولي، في وقت كانت فيه المدينة تواجه واحدة من أعنف الحملات العسكرية.
وسط هذا المشهد، برز الشهيد "محمد سليمان الضحيك"، المعروف بـ"أبو حاتم"، واشتهر في الكفاح المسلح بعد مشاركته في المظاهرات السلمية وأسس أواخر عام 2011 "سرية الشهيد محمود الضحيك"، التي حملت اسم شقيقه، لتكون واحدة من أوائل التشكيلات التي نشأت في تلبيسة، قبل أن تتطور لاحقاً ضمن كتائب الفاروق.
ومع تصاعد المعارك، تدرّج أبو حاتم في العمل العسكري، ليقود "لواء الإيمان بالله"، ويصبح لاحقاً قائد القطاع الجنوبي في حركة حزم، حيث عُرف بجرأته في إدارة الجبهات، ومشاركته المباشرة في المعارك، خاصة في ريف حمص، ما جعله واحداً من أبرز القادة الميدانيين في تلك المرحلة.
وفي 16 أيلول/سبتمبر 2014، وصلت حكاية الشهيد أبو حاتم إلى ذروتها، حين استُهدف بصاروخ من طائرة حربية أثناء وجوده على رشاش مضاد جوي، محاولاً التصدي لها في تلك اللحظة، لم يكن وحده، إذ استشهد إلى جانبه شقيقه عبد الناصر، في مشهد يعكس كيف بقيت العائلة مجتمعة حتى في لحظاتها الأخيرة على خطوط النار.
بهذا، تكون عائلة الضحيك قد قدّمت عدداً كبيراً من أبنائها خلال فترة زمنية قصيرة، بين ناشط إعلامي وثّق الحقيقة، ومقاتلين خاضوا المعارك، ومسعفٍ عمل على إنقاذ الجرحى، في تنوّع يعكس طبيعة المشاركة المجتمعية الواسعة في الثورة السورية.
اليوم، وبعد سنوات على تلك التضحيات، عاد اسم العائلة إلى التداول مجدداً، لكن في سياق مختلف، حين ظهر مقطع مصوّر للناشط نضال عكيدي إلى جانب الحاج سليمان الضحيك، والد الشهداء وهو يتحدث عن تلقي العائلة بلاغاً من الشركة العامة لصناعة وتسويق الإسمنت ومواد البناء "عمران"، يتعلق بمطالبة مالية مثيرة للجدل.
من جانبه كشف أحد أحفاد الحاج سليمان الضحيك، في حديث لـ"شبكة شام"، أن جده—المولود عام 1948—تأثر بشدة بعد تلقيه بلاغاً يتعلق بمطالبة مالية مرتبطة بمواد بناء كان قد استخدمها ابنه أبو حاتم بعلم أهالي المنطقة خلال سنوات الثورة السورية في إنشاء ملاجئ وتحصينات للجبهات.
وأوضح الحفيد أن هذه المطالبة أثارت في نفس الحاج حالة من الحزن والاستغراب، خاصة أنه أبٌ قدّم عدداً كبيراً من أبنائه شهداء، وهو اليوم جدٌّ يرعى نحو 45 يتيماً من أبناء أولئك الشهداء.
ومع التداول الواسع للمقطع، تحولت القضية إلى رأي عام، ما دفع الجهات الرسمية في محافظة حمص إلى التحرك السريع، حيث زار محافظ حمص الدكتور عبد الرحمن الأعمى منزل العائلة، برفقة عدد من المسؤولين، هم محمد الناصر مدير مديرية الإعلام في حمص، وعبيدة الأرناؤوط مدير الشؤون السياسية، ومحمود فضيلة مدير الشركة العامة لصناعة وتسويق الإسمنت ومواد البناء "عمران"، وطلال الزعيب المدير العام للمدينة الصناعية في حسياء، إضافة إلى إبراهيم مردود مدير منطقة الرستن.
وخلال الزيارة، جرى بحث تفاصيل الشكوى، حيث أكد المحافظ أن القضية تعود إلى عام 2019 في عهد النظام البائد، ولا توجد أي ملاحقات حديثة بحق العائلة، مع التعهد بحلها بشكل جذري وإنهاء كافة تبعاتها.
وفي أعقاب ذلك، أصدرت عائلة الضحيك بياناً أعلنت فيه الطي النهائي للملف، مؤكدة أن التفاعل الشعبي والرسمي شكّل خطوة جوهرية في إنصافها ورد الاعتبار لتضحيات أبنائها، مشددة على أن تاريخ الشهداء سيبقى محل تقدير دائم، ومشيدة بسرعة الاستجابة الرسمية.
كما عبّرت العائلة في ختام بيانها عن شكرها العميق لأهالي تلبيسة وكافة السوريين، مؤكدة أن تضامنهم كان العامل الأبرز في إيصال صوتها وتحقيق هذا الإنصاف، لتُختتم بذلك واحدة من القضايا التي أعادت التذكير بحكاية عائلةٍ لم تكن مجرد اسم، بل سيرة تضحيات ممتدة في وجدان السوريين.