طمس لتاريخ حافل بـ "البغي" وتهديد لجميع فصائل "الوطني" ... قراءة في بيان "هيئة الجولاني" ● أخبار سورية
طمس لتاريخ حافل بـ "البغي" وتهديد لجميع فصائل "الوطني" ... قراءة في بيان "هيئة الجولاني"

أصدرت "هيئة تحرير الشام" التي يقودها "أبو محمد الجولاني"، بياناً اليوم، عنونته برسالة إلى أهالي المحرر، توضح فيه ما أنكره أبواقها خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، حول تدخلها لصالح "أحرار الشام" ضد مكونات الفيلق الثالث في الجيش الوطني السوري، وإدخال أرتالها إلى منطقة "غصن الزيتون".

جاء في بيان الهيئة أنها تابعت باهتمام ماجرى من اقتتال داخلي قالت إنه "مؤسف"، متناسية سلسلة حافلة من الاقتتالات التي شنتها داخلياً ضد فصائل الثورة، دون أن تأسف على تلك الحقبة من "البغي"، لتعيبه على فصائل أخرى اليوم في بيان هزلي مفضوح.

وأوضح بيان الهيئة أن الاقتتال الداخلي جاء "نتيجة قرارات خاطئة" أقدمت عليها قيادة "الجبهة الشامية" إلى جانب فصيل "جيش الإسلام" ضد من أسمتهم "إخوانهم وشركائهم بالأمس"، وأن ذلك ترتب عليه زج للشباب الثائر في مواجهة داخلية عبثية أدت إلى إلحاق الضرر بالسلم والأمن في المناطق المحررة، وفق نص البيان.

القارئ لبيان الهيئة وبهذه اللغة، يظن للوهلة الأولى أنه أمام فصيل مسالم، لم يتخذ أي قرار خاطئ طيلة مسيرته ابتداءاً بجبهة النصرة وصولاً لهيئة تحرير الشام، ويستنكر ماقال إنه قرار خاطئ ضد "إخوان وشركاء لهم"، وكأن كاتب بيان الهيئة حاول طمس تاريخ طويل من "البغي" على شركاء الهيئة الأوائل سواء كان "جند الأقصى وأحرار الشام والفصائل الجهادية الأخرى" التي بغت عليها الهيئة بعد أن كانت شريكاً لها في مواقع عدة.

وقال بيان الهيئة إنها تسعى عبر العديد من الجلسات لتحفيز قادة الفصائل والوجهاء والمشايخ في تلك المناطق وحثهم على ضرورة النهوض بمنطقتي "درع الفرات" و"غصن الزيتون" في كافة المجالات المدنية والعسكرية والأمنية، معتبرة أن واقع إدلب الذي فرضت عليه سطوتها عسكرياً ومدنياً بسياسة الإقصاء وقوة السلاح هو الواقع المثالي الذي يجب أن تحتذي به باقي المكونات.

واعتبر بيان الهيئة أن "الواقع الحالي لا يسر الصديق، بل ينذر بالخراب والدمار، وأأن أهل تلك المناطق يعانون من انتشار الفساد في المجتمع كالمخدرات والسرقة وغيرها، وكذلك المخالفات بأنواعها داخل المؤسسات الخدمية"، وكأن حكومة الإنقاذ تسهر على راحة المواطن في مناطق سيطرتها ويعيش الأهالي برغد كبير.

وتحدث بيان الهيئة عن "التناحر الفصائلي وغياب المشروع الناظم للمناطق المحررة هناك"، متناسية أن من سن سنة "البغي" والتناحر والإنهاء لباقي مكونات الثورة بدأت منذ سنوات طويلة لدى الهيئة، وأن هذا التاريخ الأسود لايمكن أن تمحوه التقلبات والتغيرات في الإيديولوجية التي تتبعها.

وأقرت الهيئة ما ينكره أزلامها وأبواقها، في التدخل بالاقتتال الأخير بإرسال أرتال إلى مناطق "غصن الزيتون"، مقرة في بيانها ما أسمته مساعيها ومسؤولياتها لمنع جر الساحة لجولات اقتتال داخلي وصفتها بـ العبثية.

وبينت أنها مارست الضغط على الأطراف لضرورة التفاهم وتحكيم العقل بعيدا عن لغة السلاح، وبينت أنها لن تسمح للمتهورين والمغامرين بالتلاعب بمصير الساحة وبأمن المناطق المحررة، وما جرى خير دليل وعبرة، وفق البيان، يحمل البيان تهديد واضح بأن هذه المرة لن تكون النهاية وأن الجولاني سيكون شرطي الشمال السوري ضد الجميع.

وختم البيان برسالة وجهها لـ "المجلس الإسلامي السوري"، طالبه فيها "بتقوى الله وذكرهم بأن منبرهم الكريم يجب أن يكون منبرا للإصلاح، لا لبث الفتنة، وأن الفتوى أمانة وتسييسها خيانة لإرث العلم وأهله"، ودعاهم "للكف عن استخدام مسمى المجلس لأجل شحن النفوس وتأليب الفصائل العسكرية ضد بعضها تحت دوافع وثارات، يدفعها الحقد النفسي والعمى المذهبي"، وأنهم في كل مرة "يحملون كفل الدماء بفتاويهم العابرة للحدود وهم آمنون في بيوتهم ومساكنهم خارج الأراضي المحررة"، وفق البيان.

وكان بدأ "الجولاني" صاحب الشخصية "البراغماتية المتحولة" منذ عدة أعوام بالانقلاب على أبرز أصحابه ورفقاء دربه في "البغي والتمكين"، على حساب أبناء الثورة السورية ومناطقهم وفصائل الثورة جميع، وهو يتخلى عنهم واحداً تلو الآخر بعد أن استثمرهم في تحقيق أجندته، ويقدمهم قرباناً لتمكين اعتداله دولياً.

وقام "الجولاني" بتصفية المتشددين والمهاجرين والرافضين للسياسات الدولية المتغيرة لاسيما شمالي سوريا، لينال الرضا والقبول، ويكمل تنفيذ المهمة الموكلة إليه غربياً بإنهاء ما لم تستطع كل جيوشهم وقواتهم وطائراتهم وتقنياتهم إنهائه واحداً تلو الآخر.

ليس ابتداءاً بـ "أبو اليقظان والمحيسني وأبو شعيب المصري وأبو العبد أشداء والأوزبكي ولا انتهاء بأبو مالك التلي" وعشرات الشخصيات القيادية التي برزت في بغيه على فصائل الثورة وتسلطها على المناطق المحررة وتصدرها باسم الحراك الشعبي، باتت في عداوة مع الجولاني بعد أن بدأ يلاحقهم ويبعدهم وكثير من قام بتصفيتهم واعتقالهم.

وطيلة السنوات الماضية، أثبت "الجولاني" أن المصلحة والمنفعة الخاصة للمشروع هو هدفه وديدنه، ولم يغلب مرة مصلحة الثورة والثوار والمدنيين السوريين لمرة واحدة على مصلحته، فتخلى عن عشرات المناطق وفاوض النظام وعقد الاتفاقيات المشبوهة بصفقات سرية وعلنية، وكلها لم تكن في صالح المحرر، وصولاً لإنهاء رفقاء دربه وكل من خالف توجهه الأخير.

وساهم "الجولاني" خلال مسيرته التي وزعها بأسماء مختلفة من التشكيلات رفعت رايات مختلفة كلها باسم "الشام"، في إضعاف فصائل الثورة السورية، وإنهاء عشرات الفصائل من الجيش السوري الحر، بحجج ودعاوى زائفة منها العلمانية والتعامل مع الغرب والعمالة لتركيا، ورفع شعارات تحرير "روما والقدس والشام" تكشف لاحقاً زيف هذه الادعاءات وكيف استغلها لتضليل الشباب السوري الثائر.

كما حارب "الجولاني" أبناء الحراك الشعبي ونشطائه، واعتقل من نجا منهم من قبضة النظام وحلفائه، وقتل العشرات منهم ولايزال الكثير منهم في السجون، كما حارب الفعاليات المدنية والمنظمات الإنسانية، عبر تمكين سطوة ما سمي بالمؤسسات المدنية، وامعانها في التضييق على عملها لتحقيق المكسب المالي من لقمة عيش المدنيين.

ويواصل الجولاني عبر "هيئة تحرير الشام" التحكم في الشمال السوري المحرر، آخر رقعة باقية للمدنيين لم يتم تسليمها بعد، محتفظاً بتاريخ حافل من عمليات البغي والصفقات المشبوهة، في وقت بات واضحاً تململ الحاضنة الشعبية ورفضها لتصرفاته، إلا أن استخدام القبضة الأمنية ضدهم وتسليطها بعمليات الترهيب والاعتقال تحول دون حراكهم، ليصل الأمر لقتل من سانده ورافقه بغيه، في طريق يبدو أنه بات في آخر مراحله قبل السقوط.