تضع حياة الآلاف بخطر وتهدد توثيق انتهاكات حقوق الإنسان.. "شام" تكشف تسريب ملفات مكاتب الأمم المتحدة والأخيرة تتجاهل وتنفي ● أخبار سورية

تضع حياة الآلاف بخطر وتهدد توثيق انتهاكات حقوق الإنسان.. "شام" تكشف تسريب ملفات مكاتب الأمم المتحدة والأخيرة تتجاهل وتنفي

أشبه بـ "ويكيليكس" لكن بنكهة أممية هذه المرة، مع تسريب ملفات بسعة تتجاوز الـ "٧ غيغا" تتضمن أدق تفاصيل عمل مكتب حقوق الإنسان في الشرق الأوسط، ومراسلات يصنف جزء منها تحت بند "سري للغاية"، باتت اليوم في فضاء مفتوح بعد خروجها من المكتب الأممي بطريقة قد تكون غير مقصودة، وإن كانت المؤشرات تتجه نحو نية استثمار هذه الملفات وطرح على من يرغب الحصول عليها بمقابل مادي أو خدمات.

حصلت شبكة "شام" على جزء يسير من المعلومات المسربة، تتضمن قائمة طويلة من البيانات والمراسلات، مع وجود ملفات تصنف ضمن الخطيرة على حياة نشطاء وشهود عملوا مع المنظمة الدولية لتوثيق الانتهاكات في الشرق المعروف بتخمته بالانتهاكات التي يصل كثير منها تحت بند جرائم الحرب وضد الإنسانية.

التسريبات التي أشارت إليها "شام"، في مادة نشرت قبل أيام (رابط المادة) لاقت ردود فعل خجولة من المنظمة الدولية، سرعان ما انتقلت لمرحلة الهجوم والتقليل من أهمية ما حدث، واعتبار كل ما نشر غير دقيق، وهو ما ذهب إليه تعميم صدر عن "المفوضية السامية للأمم المتحدة"، وجرى توزيعه على المنظمات غير الرسمية المتعاونة مع المنظمة الدولية منعاً من بلبلة قد تؤدي بسمعة ليس مكتبها في الشرق الأوسط، وإنما يصل لكافة مفاصلها.

وحصلت شبكة "شام" على نسخة من التعميم الصادر عن مكتب المفوضية في بيروت، بتاريخ 17 نوفمبر 2022 موقع باسم "دیمیتر شالیف" ممثل المفوض السامي لحقوق الإنسان ورئيس مكتب سوريا، ينفي فيها ما نشرته شبكة "شام" مؤخراً، عن تسريب بيانات خاصة بالمفوضية، تتعلق بالشأن السوري، وحذرت منه في تقرير سابق.

يُعلم تعميم "المفوضية الأممية"، شركائها من المنظمات، أن ما تم نشره سابقاً عن تسريب ملفات خاصة بالمفوضية، هو "ادعاءات كاذبة"، في استهتار واضح ومحاولة من "المفوضية" للتهرب من التزاماتها ومسؤولياتها في حماية ملفات ذات قيمة كبيرة وتعريض حياة المئات من الشهود للخطر، ليس في سوريا فحسب، بل في ملفات تتعلق بدول أخرى.

وجاء في التعميم "أن المفوضية السامية لحقوق الإنسان ترحب بالتدقيق العادل والوقائعي في عملها وسلوكها"، وزعمت أن ما وصفته بـ "الادعاءات" التي وردت مؤخراً في عدد من وسائل الإعلام ( في إشارة لتقرير شام) "لا صحة لها على الإطلاق ولا أساس لها من الوجود".

وعلل البيان مزاعمه، في أن مكتبه لا يتواجد داخل الجمهورية العربية السورية، وأنها تعمل على قضايا حقوق الإنسان المتعلقة بسوريا من أماكن أخرى في المنطقة، وزعمت أن مكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان يأخذ "مبدأ حماية البيانات على محمل الجد".

وأوضح التعميم أنه "حسب معرفتنا وإجراءات المكتب، لم يتم اختراق أي تفاصيل أو أي من معلومات الاتصال الخاصة بالشركاء او المحاورين أو نشرها على الملأ، ولدي المفوضية سياسات وإجراءات صارمة لبذل قصارى جهدها لحماية سلامة قواعد بياناتنا، وحماية هوية ومعلومات جميع شركائنا ومصادرنا. وتتخذ خطوات فورية لمعالجة أي شأن يتم ابلاغنا به في هذا الصدد".

 

 

وعطفاً على تقرير "شام" السابق، والذي أوردت فيه الشبكة معلومات عن تسريب بيانات عشرات النشطاء المتعاونين مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ضمن مجموعة ملفات، وبعد متابعة حثيثة خلال الأسابيع الماضية، استطاعت "شام" الوصول لكم كبير من المعلومات وملفات تؤكد التسريبات بشكل قطعي لا يقبل التشكيك، تتضمن توثيق انتهاكات في دول الشرق الأوسط في "البحرين والإمارات ودول أخرى، والجزء الأكبر كان من نصيب سوريا.

ووفق معلومات "شام"، فإن التسريبات تتعدى كونها بضع ملفات تتضمن أسماء نشطاء متعاونين مع الأمم المتحدة وتفاصيلهم - وفق مانشرته شام سابقاً - وإنما الأمر يتعلق بتسريب كامل لما يقارب "7 غيغا بايت" من المعلومات والملفات الخاصة بالمفوضية، تتضمن "مراسلات دبلوماسية بين وكالات الأمم المتحدة وبعثات دبلوماسية لدول أخرى، واتفاقيات ورسائل بين مفوضية حقوق الإنسان وجهات ومنظمات دولية أخرى".



وتتضمن الملفات المسربة التي اطلعت "شام" على قسم يسير منها والتي تتكون بقسمها الأكبر كل ما يتعلق بالشأن السوري من مراسلات داخلية ضمن مؤسسات الأمم المتحدة منها سرية، ومراسلات مع دول أخرى ترتبط بحوادث وملفات متعلقة بسوريا، إضافة لملفات ضخمة من التقارير الشاملة لتحقيقات الأمم المتحدة التي أجرتها على مدار سبع أعوام تقريباً، وماتم تسجيله من حوادث وشهادات ومراسلات عبر الإيميلات الرسمية.

كما تتضمن الملفات المسربة، تقارير مقدمة من ناشطين وعائلات ضحايا في سوريا حول انتهاكات تعرضوا لها أو شكاوى تم رفعها لمنظمات الأمم المتحدة من المفترض أن تكون سرية وغير قابلة للنشر، بما فيها من شهادات مدعمة بصور هويات ووثائق ثبوتية للضحايا، وصور لمحادثات واتساب، وأدلة بصرية ومسجلة للانتهاكات التي تعرضوا لها.



وتوضح طبيعة وحجم ونوعية الملفات التي اطلعت عليها شبكة "شام"، أنها كانت لدى شخصية تعمل في مكتب "المفوضية السامية للأمم المتحدة" في بيروت، دون تمكننا في شبكة "شام" من تحديد طريقة التسريب، وكيفية وصول الملفات للجهة التي تملكها الآن، مرجحة عدة احتمالات منها "عملية اختراق أو سرقة لجهاز شخصي لموظف في المنظمة، أو عملية سمسرة من قبل أحد الموظفين الذي يملك الملفات".

ووفق معلومات "شام" فإن جميع الملفات لدى شخصية، تتواجد حالياً في لبنان، وتقوم عبر وسطاء بالتواصل مع عدة جهات حقوقية من قوى المعارضة وأخرى لدى النظام وأيضا وسائل إعلامية، غايتها "بيع الملفات" لعدة جهات في وقت واحد، متجاهلة لطبيعة المخاطر التي تسببها وصول تلك الملفات للنظام السوري، أو أي جهة أخرى، سواء مايتعلق بالشأن السوري أو دول أخرى.

وعملت شبكة "شام" عبر مصادرها، خلال أكثر من شهر، على جمع العديد من الملفات والأدلة التي تؤكد وجود تسريبات لملفات حقيقية وأنها ليست عملية نصب أو تلاعب، واستطاعت خلال الفترة الماضية، الوصول لعشرات الملفات، التي لاتقبل التشكيك في كونها ملفات داخلية رسمية للمفوضية وغير متداولة حتى عبر مواقعها وحساباتها الرسمية، سبق وأن أوردنا مضمونها سابقاً في التقرير.


 

 

وبعد الحصول على عينة من عدة ملفات وصور لوثائق ومراسلات أخرى "تتحفظ شام عن نشرها"، وبعد التدقيق والتتبع وإجراء فحص تقني وبرمجي على عدة ملفات، توضَح لدى شبكة "شام" أن تلك الملفات مصدرها "جهاز كمبيوتر لموظفة إدارية في OHCHR بلبنان"، وقامت "شام" بتتبع الأدلة التي وصلت إليها تقنياً، ووصلنا إلى معلومات تتعلق بهذه الموظفة وطبيعة عملها مع المفوضية.

ولم يثبت لدينا في شبكة "شام" أن الموظفة التي "نتحفظ على نشر معلوماتها حالياً"، هي التي سربت المعلومات، أو أنها وقعت ضحية اختراق كبيرة أو سرقة لجهاز عملها الشخصي، والذي يضم كل هذا الكم من الملفات، لكن المؤكد وفق تعميم "المفوضية" أن الموظفة لم تعلم مرؤوسيها بفقدانها الملفات أو تعرضها للتسريب، مايرجح أن تكون شريكة في عملية التسريب لغايات مادية بحتة، أو أنها قامت باعلامهم لكن تم تجاهل الأمر وخطورته لعدم وضع المفوضية بموقف محرج إعلامياً وحقوقياً، مايجعلهم شركاء في إخفاء الحقيقة، وهذه فرضيات لما عليه الوضع الحالي، ولم يثبت لدينا في شبكة "شام" حتى الآن أي فرضية بعد.

وكان جاء نشر "شام" للتقرير السابق، من باب الحرص على حياة مئات النشطاء الإعلاميين والحقوقيين المشمولة أسماؤهم ضمن تلك الملفات التي باتت في غير موقعها المفترض، لاسيما المتواجدين ضمن مناطق النظام السوري، ورغم أهمية القضية وخطرها الذي توضح لاحقاً أنه أكبر من المتوقع، لم تجر "المفوضية" أي تواصل مع شبكة "شام" للإطلاع على طبيعة تلك الملفات للتحقق منها.

ويأتي نفي "المفوضية السامية للأمم المتحدة"، في التعميم الصادر عنها، ليؤكد لمرة جديدة حجم استهتارها بحياة المئات من الشهود الذين باتت حياتهم في خطر، في حال وصول تلك الملفات للنظام السوري، كما أن تسريب تلك الملفات يهز مصداقية الأمم المتحدة ومؤسساتها، لعدم قدرتها على حماية ملفاتها والشهود الذين يتعاملون معها، و سيزعزع ذلك العلاقة مع أي جهة مستقبلاً خوفاً من تسريب أي معلومات، وبالتالي تصاعد الانتهاكات التي سيعزف ضحاياها عن الإفصاح عنها لجهة لا يمكن أن تحمي خصوصياتهم.

وحرصت شبكة "شام" خلال الفترة الماضية، على عدم التصريح لأي جهة كانت إعلامية أو حقوقية وعم تداول أي ملفات حصلت عليها، والاكتفاء بالتقرير الصادر عنها بتاريخ التاسع من نوفمبر ٢٠٢٢، كتحذير للنشطاء والحقوقيين دون إيراد أسمائهم، ليأخذوا احتياطاتهم قبل وصول الملفات ليد الجهات الأمنية التابعة للنظام، ما يؤكد أن غاية المؤسسة عدم الخوض في غمار السبق الصحفي أو الخوض أي عملية تشويه أو ابتزاز لأي جهة أخرى.

وفي الختام، تؤكد شبكة "شام" أن ما حصلت عليه من الملفات المسربة، هو عينة بسيطة تمثل ما نسبته أقل من 1%، وما تزال الجهة التي تملك الملفات تقوم بالتواصل مع جهات مختلفة لطرحها للبيع، إذا أن ما تحتويه هذه الملفات يهدد حياة المئات أن لم يكن الآلاف، وهو ما يؤكد استهتار الأمم المتحدة بحياة الشهود والنشطاء المتعاونين معها، إذ أن طبيعة وطريقة حفظ البيانات والمعلومات وحمايتها تم بطريقة أقل ما يقال عنها انها "بدائية"، وعلى الأمم المتحدة الآن وبدون أي تأخير أن تتحرك بشكل جدي لحماية الأشخاص المهددين، ومحاولة وقف تسريب هذه البيانات ووصولها لأي جهة أخرى عبر إجراء تحقيق شامل يوقف عملية السمسرة.