هيئة التخطيط والإحصاء تصدر دراسة شاملة حول التضخم في سوريا
هيئة التخطيط والإحصاء تصدر دراسة شاملة حول التضخم في سوريا
● اقتصاد ٣٠ يوليو ٢٠٢٦

هيئة التخطيط والإحصاء تصدر دراسة شاملة حول التضخم في سوريا

أصدرت هيئة التخطيط والإحصاء دراسة موسعة تناولت واقع التضخم في سوريا خلال الفترة الممتدة بين عامي 2010 و2025، مقدمة قراءة تحليلية لمسار الأسعار والعوامل التي قادت الاقتصاد السوري إلى واحدة من أعلى موجات التضخم في المنطقة.

وأوضحت الهيئة أن الدراسة تهدف إلى تحليل سلوك الرقم القياسي لأسعار المستهلك خلال خمسة عشر عاماً، من خلال تفكيك مكوناته الرئيسية وربطها بالمتغيرات الاقتصادية والهيكلية التي أثرت في السوق السورية، بما يشمل العوامل النقدية والإنتاجية واللوجستية والمؤسسية والخارجية.

وأشارت الدراسة إلى أن الاقتصاد السوري انتقل من مرحلة الاستقرار النسبي إلى ما وصفته بـ"الركود التضخمي البنيوي"، حيث أصبحت الضغوط التضخمية تتولد بصورة مستمرة نتيجة اختلالات هيكلية في الاقتصاد، حتى خلال الفترات التي شهدت استقراراً نسبياً في سعر الصرف.

وبيّنت الدراسة أن سلة الغذاء والمشروبات كانت الأكثر تأثيراً في الرقم القياسي لأسعار المستهلك طوال سنوات الدراسة، نظراً لاستحواذها على الحصة الأكبر من إنفاق الأسر، تلتها مجموعة السكن والطاقة والمحروقات التي قادت موجات التضخم في السنوات الأخيرة، بينما شكل قطاع النقل قناة رئيسية لانتقال ارتفاع تكاليف الطاقة وسعر الصرف إلى مختلف السلع والخدمات.

وأكدت الدراسة أن التضخم في سوريا لم يكن ناتجاً عن العوامل النقدية وحدها، بل جاء نتيجة تفاعل معقد بين انخفاض قيمة الليرة السورية، وتراجع الإنتاج المحلي، واختلال سلاسل التوريد، وارتفاع تكاليف النقل والطاقة، والتمويل بالعجز، والتغيرات المرتبطة بسياسات الدعم والأجور، إضافة إلى العقوبات الاقتصادية والصدمات العالمية التي انعكست على تكاليف الاستيراد والشحن.

وقسمت الدراسة تطور التضخم إلى سبع مراحل زمنية، بدأت بفترة الاستقرار الطبيعي قبل عام 2011، ثم مرحلة الصدمة الاقتصادية مع اندلاع الثورة بين عامي 2012 و2013، تلتها مرحلة الانهيار الهيكلي للاقتصاد خلال الأعوام 2014 إلى 2016، ثم فترة استقرار نسبي بين عامي 2017 و2019.

فيما دخلت البلاد مرحلة التضخم المعيشي المركب خلال عامي 2020 و2021 نتيجة تداعيات الأزمة المالية اللبنانية وجائحة كورونا، ثم مرحلة تضخم تكاليف المعيشة والطاقة بين عامي 2022 و2024 بفعل سياسات رفع الدعم، وصولاً إلى عام 2025 الذي وصفته الدراسة بمرحلة "التضخم المضطرب" نتيجة استمرار الضغوط المعيشية وصعوبة تحقيق استقرار نقدي دون إصلاحات اقتصادية شاملة.

وأظهرت نتائج الدراسة وجود ارتباط وثيق بين سعر صرف الليرة السورية والرقم القياسي لأسعار المستهلك، معتبرة أن تقلبات سعر الصرف كانت من أبرز العوامل التي دفعت الأسعار إلى الارتفاع، في حين أوضحت أن الزيادات التي طرأت على الرواتب والأجور خففت مؤقتاً من تراجع الدخول الاسمية، لكنها لم تتمكن من حماية القوة الشرائية بسبب استمرار التضخم وضعف النمو الإنتاجي.

ولفتت الدراسة إلى أن الاقتصاد السوري أصبح أكثر اعتماداً على الاستيراد، في ظل تراجع القاعدة الإنتاجية وارتفاع تكاليف النقل والطاقة والخدمات اللوجستية، الأمر الذي جعل التضخم يتحول إلى ظاهرة بنيوية يصعب احتواؤها دون معالجة أسبابها الأساسية.

وفي ختام الدراسة، أوصت هيئة التخطيط والإحصاء بالعمل على تحقيق استقرار نقدي ومالي عبر الحد من التمويل بالعجز، وتطوير أدوات السياسة النقدية وإدارة سعر الصرف بصورة أكثر استدامة، إلى جانب دعم القطاعات الإنتاجية، ولا سيما الزراعة والصناعة، لتقليل الاعتماد على الاستيراد وتعزيز الأمن الاقتصادي.

كما دعت إلى تحسين كفاءة الأسواق وسلاسل الإمداد من خلال إزالة العوائق التي تزيد تكاليف النقل والتوزيع، وتوفير الطاقة بأسعار أكثر كفاءة، إضافة إلى تطوير سياسات حماية اجتماعية أكثر استهدافاً للفئات الأكثر هشاشة، وربط برامج الدعم بتحفيز الإنتاج وتعزيز النشاط الاقتصادي، بما يسهم في الحد من الضغوط التضخمية وتحسين مستوى المعيشة على المدى الطويل.

ووفق الهيئة تكتسب دراسة التضخم في هذه الحالة أهمية خاصة، نظراً لتداخل العوامل الاقتصادية التقليدية مع متغيرات غير تقليدية، مثل انطلاق الثورة السورية وممارسات النظام البائد خلالها، والحواجز، وتجزئة الأسواق، وانهيار سلاسل الإمداد، والعقوبات، والسوق السوداء، وانهيار سعر الصرف وتأثيره على مدخلات الإنتاج.

هذا وتهدف هذه الدراسة إلى تحليل التضخم في سوريا خلال الفترة 2010- 2025، من خلال تفكيك سلوك الرقم القياسي لأسعار المستهلك إلى مكوناته الرئيسية، وربطه بالعوامل الاقتصادية وتأثيراتها الهيكلية التي أثرت على السوق.

ويشكل التضخم أحد أكثر التحديات الاقتصادية إلحاحاً في سوريا، بعدما تحوّل خلال السنوات الماضية من ظاهرة مرتبطة بظروف استثنائية إلى أزمة هيكلية تنعكس على مختلف مفاصل الاقتصاد والحياة اليومية. فاستمرار ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية للمواطنين لم يعد يقتصر على تأثيره في الأسواق، بل امتد ليطال مستوى المعيشة، والاستثمار، والإنتاج، والاستقرار الاقتصادي بشكل عام.

وبحسب خبراء في الشأن الاقتصادي فإن التضخم بات يؤثر بصورة مباشرة في قدرة الأسر السورية على تأمين احتياجاتها الأساسية، مع اتساع الفجوة بين مستويات الدخل وتكاليف المعيشة، في وقت تواجه فيه القطاعات الإنتاجية والخدمية ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل وتقلبات الأسواق.

هذا ويؤكد الباحث الاقتصادي فاخر القربي أن المؤشرات الاقتصادية تعكس استمرار الضغوط على الاقتصاد السوري، مشيراً إلى أن معدلات البطالة تجاوزت 30 بالمئة، في حين أدى تراجع الناتج المحلي الإجمالي والأضرار الواسعة التي لحقت بالبنية التحتية خلال السنوات الماضية إلى تراجع النشاط الاقتصادي وأوضح أن ملايين السوريين ما زالوا يعانون من نقص السكن والخدمات الأساسية، إضافة إلى تضرر قطاعات المياه والصرف الصحي، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي والاجتماعي.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ