تمرد الأبناء بين الحاجة للاستقلال وحدود التوجيه… كيف يتعامل معه الأهل؟
تمرد الأبناء بين الحاجة للاستقلال وحدود التوجيه… كيف يتعامل معه الأهل؟
● مجتمع ٣٠ يوليو ٢٠٢٦

تمرد الأبناء بين الحاجة للاستقلال وحدود التوجيه… كيف يتعامل معه الأهل؟

يظهر التمرد عند الأبناء في مراحل مختلفة من العمر، ويتخذ أشكالاً تبدأ من الرفض البسيط وتنتهي أحياناً بسلوكيات أكثر حدة، وبين ما يُعد طبيعياً ضمن نمو الطفل، وما قد يشير إلى مشكلة تحتاج انتباهاً، يجد الأهل أنفسهم أمام تحدٍ يومي في الفهم والتعامل.

وفي هذا السياق، عرّفت الأخصائية الاجتماعية الأسرية صفاء الصالح، في حديث لشبكة شام الإخبارية، التمرد لدى الأبناء بأنه محاولة من الطفل أو المراهق لاختبار الحدود وفرض استقلاليته، وذلك من خلال الرفض أو العناد أو مقاومة التعليمات، وأشارت إلى أن هذا السلوك يُعد طبيعياً في مراحل عمرية محددة، لا سيما بين سن 3 و5 سنوات، قبل أن يعود للظهور بشكل أكثر وضوحاً خلال مرحلة المراهقة، لكونه جزءاً من عملية بناء الهوية وتشكّل الشعور بالذات.

وذكرت أن أسباب تمرد الأبناء متعددة، يأتي في مقدمتها غياب الحوار داخل الأسرة، وغياب القوانين الواضحة أو تغيّرها بشكل مستمر، إلى جانب الشدة الزائدة أو التدخل المفرط في تفاصيل حياة الطفل، كما لفتت إلى أن شعور الابن بأنه غير مسموع أو غير مُقدّر يُعد من العوامل المحفزة لهذا السلوك، إضافة إلى تأثير الأصدقاء والتقليد الاجتماعي، ومحاولة إثبات الذات والبحث عن مساحة شخصية.

وفيما يتعلق بالتمييز بين التمرد الطبيعي والسلوك المقلق، أوضحت الصالح أن التمرد الطبيعي يظهر في مواقف محددة، ويمكن احتواؤه وتهدئته من خلال الحوار، دون أن يتسبب بأذى للطفل أو للآخرين، بينما السلوك المقلق يتسم بالتكرار والحدة، وقد يترافق مع الكذب أو الهروب أو التخريب، أو يصل إلى رفضٍ كامل للسلطة، مؤكدةً أن مثل هذه الحالات تستدعي تدخلاً مهنياً.

وتحدثت الصالح من خلال تصريح خاص لـ شام عن أساليب تربوية فعّالة للتعامل مع تمرد الأبناء دون الدخول في صراع، مشددةً على أهمية الإصغاء للطفل قبل إصدار الأحكام، ووضع قوانين واضحة وقليلة وثابتة، كما أوصت بمنح الأبناء مساحة من الاختيار ضمن حدود آمنة، واستخدام لغة قائمة على الاحترام بدلاً من الأوامر، إلى جانب تعزيز السلوك الإيجابي بدل التركيز على الأخطاء، إضافة إلى ضرورة تهدئة الموقف أولاً، ثم مناقشته بهدوء، بعيداً عن لحظات الغضب والانفعال.

وأكدت أن الشدة لا تُطفئ التمرد، بل تسهم في تأجيجه، لما تخلقه من مقاومة داخلية لدى الأبناء وشعور بالظلم، ونوّهت إلى أن البدائل الأكثر فاعلية تتمثل في اعتماد الحزم الهادئ، وتطبيق عواقب منطقية وواضحة، إلى جانب الحوار المستمر، وبناء علاقة قائمة على الثقة، وإشراك الطفل في وضع القوانين.

وأشارت إلى إمكانية تحويل التمرد من سلوك صِدامي إلى قوة إيجابية، عبر توجيه رغبة الاستقلال لدى الأبناء نحو مهام ومسؤوليات تتناسب مع أعمارهم، وتدريبهم على اتخاذ القرار وتحمل نتائجه، كما شددت على أهمية تنمية مهارات التواصل وتعزيز احترام الذات، وتحويل عبارة “لا أريد” إلى سؤال تفاعلي مثل “كيف تريد أن نفعلها؟”، مؤكدة أن هذا النهج يسهم في جعل التمرد طاقة للنمو والتطور، بدلاً من أن يكون مصدراً للصراع داخل الأسرة.

يحذر مختصون في الإرشاد الأسري من أن سوء التعامل مع تمرد الأبناء قد يحوله إلى نمط سلوكي ثابت، ينعكس على شخصية الطفل وسلوكه لاحقاً، فالتعامل القائم على القمع أو التجاهل قد يعمّق فجوة الثقة بين الأهل وأبنائهم، ويعزز مشاعر الغضب أو الانسحاب، كما قد يرتبط بظهور سلوكيات أكثر خطورة مثل العدوانية أو العزلة أو البحث عن بدائل خارج إطار الأسرة للحصول على القبول والدعم.

وفي المقابل، يشير المختصون إلى أن احتواء هذا السلوك يبدأ بفهم دوافعه لا بمواجهته مباشرة، مع أهمية الحفاظ على توازن واضح بين الحزم والمرونة، كما ينصحون بتخصيص وقت للحوار اليومي مع الأبناء بعيداً عن التوجيه المباشر، والانتباه للرسائل غير اللفظية التي يعبرون من خلالها عن احتياجاتهم، إلى جانب الاتفاق المسبق على قواعد واضحة داخل المنزل، وتطبيقها بشكل متسق دون تصعيد أو تهديد، ما يساعد على تقليل حدة التوتر وبناء بيئة أكثر أماناً واستقراراً.

يبقى التعامل مع تمرد الأبناء مرتبطاً بقدرة الأسرة على فهم طبيعة المرحلة العمرية وقراءة السلوك ضمن سياقه، إذ تختلف طرق التعبير عن الاستقلال والرفض من طفل إلى آخر، ومن مرحلة عمرية إلى أخرى. وبين الحاجة إلى وضع حدود واضحة، وضرورة منح الأبناء مساحة للتعبير عن أنفسهم، تتواصل محاولات الأهل للوصول إلى أساليب توازن بين التوجيه والحوار داخل الأسرة.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ