جدارية توثق ذاكرة المدينة وتخلد حنين المهجرين
جدارية توثق ذاكرة المدينة وتخلد حنين المهجرين
● مجتمع ٣٠ يوليو ٢٠٢٦

"ما في عندي أعز من حمص".. جدارية توثق ذاكرة المدينة وتخلد حنين المهجرين

خلّدت مدينة حمص المقولة الشهيرة "ما في عندي أعز من حمص إلا حمص"، التي قالها أحد أبناء المدينة المهجرين المعروف باسم "أبو عادل"، عام 2020 خلال مقابلة مصورة رداً على سؤال أين يحب يقضي العيد القادم، المنية وافت الرجل الستّيني عام 2022 قبل تحقيق الأمنية.

وجاء تخليد المقولة عبر جدارية فنية جديدة أُنجزت تكريماً لذكراه، ولما أصبحت تمثله عبارته من رمزية في الذاكرة الجمعية لأبناء مدينة حمص، باعتبارها واحدة من أكثر العبارات ارتباطاً بسنوات الحصار والتهجير والحنين إلى المدينة.

وجاء تنفيذ الجدارية ضمن توجه يهدف إلى ترسيخ الهوية المحلية والوطنية لمدينة حمص، مع التركيز على مكانتها بوصفها إحدى أبرز المدن التي ارتبط اسمها بالثورة السورية، حيث تؤكد الجهات المشرفة على المشروع أن ترسيخ الهوية الثورية لا يقتصر على إحياء ذكرى الشهداء أو توثيق الأحداث، وإنما يشمل أيضاً الحفاظ على الأفكار والعبارات التي اختزلت مرحلة كاملة من تاريخ المدينة، وتحولت إلى رموز يتداولها أبناؤها جيلاً بعد جيل.

وتعود قصة الجدارية إلى أبو عادل، وهو رجل ستيني من أبناء حمص القديمة، نشأ وترعرع في أزقة حي صليبة العصياتي، وعاش لاحقاً في حي الخالدية وخلال سنوات الثورة فقد ابنه الذي استشهد في معارك ريف حمص، قبل أن يخرج مع عائلته ضمن قوافل المهجرين إلى الشمال السوري بعد عمليات التهجير التي شهدتها المدينة.

وفي أعقاب صلاة عيد الفطر بمدينة إدلب عام 2020، أجرى أبو عادل مقابلة تلفزيونية سُئل خلالها عن المكان الذي كان يتمنى أن يقضي فيه العيد، فلم ينتظر انتهاء السؤال، وأجاب مباشرة: "بحمص... بحمص"، ثم أضاف عبارته التي بقيت حاضرة في وجدان أبناء المدينة: "ما في عندي أعز من حمص إلا حمص".

وسرعان ما تحولت تلك الكلمات البسيطة والعفوية إلى رمز واسع الانتشار، إذ رأى فيها كثير من أبناء حمص تعبيراً صادقاً عن سنوات الثورة والحصار والتهجير، وعن الحنين الذي رافق عشرات آلاف المهجرين والمغتربين والمنفيين، ممن ظلوا يحملون مدينتهم في ذاكرتهم أينما ذهبوا، حتى أصبحت العبارة تختصر ما يوصف بـ"التغريبة الحمصية" بكل ما رافقها من مئات آلاف القصص والحكايات الإنسانية.

ورغم أن أبو عادل توفي عام 2022 قبل أن يشهد تحرير المدينة وعودة كثير من أبنائها إليها، فإن ذكراه بقيت حاضرة من خلال عبارته التي استمرت في التداول بين الحماصنة داخل سوريا وخارجها، وهو ما دفع القائمين على المشروع إلى تحويلها إلى عمل فني دائم يخلدها في قلب المدينة.

وأوضح معاون محافظ حمص المهندس فارس الأتاسي في منشور عبر حسابه على فيسبوك أن فكرة الجدارية بدأت منذ العام الماضي، عندما وضع أول تصور أو "سكيتش" للمشروع، واستمرت مراحل العمل لأكثر من عام كامل، شملت التصميم الفني والمعماري والإنشائي، وصولاً إلى تنفيذ أدق التفاصيل، مؤكداً أن المشروع جاء ثمرة جهد جماعي اشترك فيه عدد من المهندسين والمهندسات والمصممين والحرفيين، ونُفذ بالكامل بتبرع خاص.

وأشار الأتاسي إلى أن الهدف لم يكن تخليد شخص أبو عادل بحد ذاته، وإنما تخليد الحالة الإنسانية التي يمثلها، لافتاً إلى أن عدداً محدوداً فقط يعرف هويته الحقيقية، بينما يعرف معظم أبناء حمص عبارته الشهيرة التي أصبحت تمثل كل حمصي اضطر إلى مغادرة مدينته بسبب الحرب، سواء كان مهجراً أو مغترباً.

وحملت الجدارية العديد من الرموز الفنية المرتبطة بتاريخ حمص وهويتها، إذ تضمنت سبع قناطر ترمز إلى أبواب حمص السبعة، كما احتوت على مجموعة من أبرز معالم المدينة بأسلوب فني تجريدي، من بينها جامع خالد بن الوليد، وكنيسة سيدة السلام، وقصر مفيد الأمين، ودار الأوبرا، إضافة إلى مآذن حمص القديمة المربعة، والساعة القديمة، والساعة الجديدة، في محاولة لتجسيد التنوع الحضاري والديني والعمراني الذي تتميز به المدينة.

كما أحاطت بالجدارية ثلاثة ألوان رئيسية تحمل دلالات جغرافية ورمزية، إذ يرمز اللون الأزرق إلى نهر العاصي، بينما يرمز اللون الأخضر إلى بساتين وغابات ريف حمص، في حين يجسد اللون الرملي رمال تدمر والبادية السورية، بما يعكس الامتداد الطبيعي لمحافظة حمص وتنوع بيئاتها.

هذا ولاقت الجدارية تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، حيث أعاد كثير من أبناء حمص تداول صورها ومقاطع الفيديو التي توثقها، مستذكرين قصة أبو عادل والعبارة التي ارتبطت باسمه، فيما نشر آخرون عشرات "الستوريات" والمنشورات التي عبّروا فيها عن ارتباطهم العاطفي بالمقولة، معتبرين أنها تختصر مشاعر آلاف المهجرين والمغتربين الذين ظلوا يحملون مدينتهم معهم أينما ارتحلوا، وأنها تمثل إحدى أبرز العبارات التي وثقت ذاكرة حمص خلال سنوات الثورة والتهجير.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ