إزعاج الجيران في القانون السوري.. حدود «مضار الجوار» وطرق إثبات الضرر والمطالبة بإزالته
تتحول الخلافات بين الجيران أحياناً من مواقف يومية عابرة إلى نزاعات تحتاج إلى تدخل قانوني، خصوصاً مع استمرار الضوضاء أو رمي النفايات أو إلحاق الضرر بالممتلكات أو الاستيلاء على أجزاء من المساحات المشتركة، ويحدد القانون السوري مسؤولية المتسبب بالضرر وفق طبيعة التصرف وحجمه ومدى تكراره، مع اختلاف الطريق القانوني الذي يمكن للمتضرر اتباعه من حالة إلى أخرى.
ويمنح القانون مساحة للتصرفات المعتادة التي تفرضها طبيعة السكن والجوار، لكنه يضع حدوداً عندما يتجاوز الضرر المستوى الذي يمكن احتماله عادة، أو عندما يستخدم الشخص حقه بطريقة تستهدف الإضرار بالآخرين، وهنا تصبح مسألة الإثبات وطبيعة الضرر أساساً في تحديد المسؤولية.
متى يتدخل القانون؟
قال المحامي حسن محمد المحمد، المختص بقضايا الأحوال الشخصية والقضايا المدنية والجزائية والاستشارات القانونية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن القانون السوري يميز بين الإزعاج العادي للجيران الذي تفرضه الحياة اليومية وبين الضرر غير المألوف الذي يمنح المتضرر حق المطالبة بوقفه.
وأوضح أن المادة 740 من القانون المدني السوري تنظم ما يعرف بمضار الجوار، وتنص، وفق المحمد، على أنه «ليس للمالك أن يتصرف بملكه تصرفاً يضر بجاره ضرراً غير مألوف»، ولذلك فإن تقدير المسؤولية يرتبط بطبيعة الضرر ومدته وتكراره والبيئة التي وقع فيها.
وضرب أمثلة على ذلك بالضوضاء الليلية المتكررة، وتشغيل مولدة أو ورشة بطريقة تؤثر في سكان حي سكني، والاستمرار في رمي النفايات بما يسبب أذى للجيران، موضحاً أن واقعة عابرة تختلف قانونياً عن تصرف مستمر يتجاوز الحدود المعتادة.
وأضاف أن المسؤولية يمكن أن تقوم أيضاً عند التعسف في استعمال الحق، مشيراً إلى المادة السادسة من القانون المدني، فإذا استُخدم حق مشروع بقصد إلحاق الضرر بالجار، فإن مشروعية أصل التصرف لا تمنع النظر في آثاره والغاية من استخدامه.
من الشكوى إلى القضاء
بيّن المحمد أن طريقة التعامل مع المشكلة تتحدد وفق نوع المخالفة، ويمكن أن يبدأ المتضرر بمحاولة التسوية الودية والاستعانة بالمختار أو جهات الصلح المحلية، لما لذلك من دور في معالجة المشكلة من دون تحويلها إلى خصومة طويلة بين السكان.
وأضاف أن المخالفات المرتبطة بالنظافة أو إشغال الأماكن المشتركة يمكن أن تدخل ضمن اختصاص البلدية أو المجلس المحلي بحسب المنطقة وطبيعة الواقعة، بينما يمكن اللجوء إلى النيابة العامة عندما يتضمن التصرف شبهة جرم جزائي أو إزعاجاً متكرراً يستدعي تقديم شكوى.
وأشار إلى أن الطريق المدني يتيح للمتضرر المطالبة بوقف الضرر وإزالة التعدي وإعادة الحال إلى ما كان عليه، إلى جانب طلب التعويض عن الأضرار المادية أو المعنوية متى توافرت شروطه، على أن تحدد المحكمة المختصة بحسب طبيعة الدعوى وقيمتها والاختصاص القانوني.
وأوضح أن الإجراءات قد تختلف بين منطقة وأخرى بحسب الجهات الإدارية والقضائية المختصة، لافتاً إلى أن المتضرر في إدلب، على سبيل المثال، قد يبدأ بالمجلس المحلي أو البلدية في مخالفات النظافة والإشغالات، ويلجأ إلى النيابة العامة عندما تكون الواقعة ذات طبيعة جزائية، أو إلى القضاء المدني للمطالبة بإزالة مضار الجوار والتعويض.
الضرر المادي والمساحات المشتركة
أكد المحمد أن إلحاق أضرار مادية بممتلكات الجيران يمكن أن يرتب مسؤولية مدنية، مستنداً إلى المادة 164 من القانون المدني المتعلقة بالتعويض عن الضرر الناجم عن الخطأ، ومن أمثلة ذلك تسرب المياه والتسبب بإتلاف جدار أو الإضرار بمركبة أو مزروعات.
وأشار إلى أن الواقعة قد تأخذ مساراً جزائياً عندما يكون الإتلاف متعمداً وتنطبق عليها أحكام قانون العقوبات، موضحاً أن توصيف الفعل والعقوبة يحددان وفق ظروف كل قضية والأدلة المتوفرة فيها.
وبيّن أن التعدي على الأجزاء المشتركة في الأبنية، كإشغال الدرج أو استخدام المنور أو إقامة بناء يؤثر في حقوق بقية السكان، يتيح للمتضرر المطالبة بإزالة التعدي، وقد يقترن ذلك بطلب التعويض عندما يثبت وقوع ضرر.
وتختلف معالجة رمي النفايات بحسب المكان والنتائج المترتبة عليه، إذ أوضح المحمد أن المخالفة قد تخضع للأنظمة الصحية والبلدية وما تتضمنه من غرامات أو إلزام بإزالة المخالفة، بينما يمكن المطالبة بالتعويض إذا ثبت تسببها بأضرار إضافية.
التوثيق يحسم جانباً من النزاع
شدد المحمد على أهمية إثبات الضرر قبل اللجوء إلى القضاء، ولا سيما في حالات الضوضاء التي قد يصعب إثباتها إذا كانت متقطعة، مشيراً إلى أهمية توثيق الوقائع بالصور أو التسجيلات المتاحة قانوناً وتحديد تواريخها، والاستعانة بشهادات الجيران والتقارير الصادرة عن الجهات المختصة عند توفرها.
ونصح بالحصول على توثيق رسمي من البلدية أو الجهة المعنية متى أمكن ذلك، لأن تحديد طبيعة الضرر وتكراره ومدته يساعد القضاء في تقدير ما إذا كان قد تجاوز الحدود المألوفة، كما يدعم المطالبة بوقفه أو إزالة آثاره والتعويض عنه.
الحل المبكر يقلل النزاعات
يرى باحثون اجتماعيون أن استمرار الخلافات الصغيرة بين الجيران من دون معالجة قد يحولها مع الوقت إلى خصومات يصعب احتواؤها، خصوصاً في الأبنية والأحياء التي تفرض مساحاتها المشتركة احتكاكاً يومياً بين السكان.
ويشيرون إلى أن الحوار والتنبيه المباشر واحترام الخصوصية وتنظيم استخدام المساحات المشتركة يمكن أن يعالج كثيراً من المشكلات في بدايتها، فيما يصبح اللجوء إلى الجهات المختصة ضرورياً عندما تستمر المخالفة أو يتعذر الوصول إلى حل يحفظ حقوق الأطراف.
ويعتمد تحديد المسؤولية في النهاية على تفاصيل كل واقعة وحجم الضرر والأدلة المتوفرة، لذلك فإن الانتقال من خلاف بين جارين إلى نزاع قانوني يبدأ عادة من سؤالين أساسيين، هل تجاوز التصرف حدود الجوار المعتادة، وهل يستطيع المتضرر إثبات الضرر الذي وقع عليه.