رفع أسعار المحروقات في سوريا بين كلفة الاستيراد ومخاطر التضخم.. اقتصاديون يقرؤون دوافع القرار وتداعياته
أعاد رفع أسعار المشتقات النفطية في سوريا ملف الطاقة إلى صدارة النقاش الاقتصادي، مع انتقال الجدل من أسباب الزيادة وتوقيتها إلى حجم تأثيرها المتوقع على النقل والإنتاج والأسواق، في وقت تربط فيه وزارة الطاقة القرار بارتفاع استثنائي في كلفة تأمين المحروقات وتراجع التكرير المحلي مؤقتاً، بينما يرى اقتصاديون أن ضمان استمرار الإمدادات يجب أن يترافق مع شفافية أكبر في التسعير وإجراءات تحد من انتقال الزيادة إلى بقية القطاعات.
وحددت التسعيرة الجديدة ليتر بنزين أوكتان 95 عند 195 ليرة سورية، وبنزين أوكتان 90 عند 185 ليرة، والمازوت عند 175 ليرة، فيما بلغ سعر الغاز المنزلي 1600 ليرة والغاز الصناعي 2560 ليرة، لتضع الزيادة المواطنين والقطاعات الإنتاجية أمام كلفة جديدة للطاقة قد تتجاوز آثارها أسعار المحروقات نفسها.
لماذا ارتفعت المحروقات الآن؟
قال المحلل الاقتصادي حامد سيف الدين، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن تفسير القرار يبدأ من كلفة تأمين البنزين والمازوت والفيول الجاهز، وليس من سعر برميل النفط الخام وحده، موضحاً أن أسواق المنتجات المكررة تخضع لعوامل إضافية تشمل طاقات المصافي وحجم المعروض وأجور الشحن والتأمين والنقل.
وأضاف أن دخول مصفاة بانياس في عمرة شاملة لنحو شهرين خفض مؤقتاً قدرة سوريا على التكرير، وبالتالي رفع الحاجة إلى شراء كميات أكبر من المشتقات الجاهزة من الخارج، في توقيت تشهد فيه كلفة هذه المنتجات ارتفاعاً ملحوظاً.
ورأى سيف الدين أن رفع السعر يمكن قراءته اقتصادياً بوصفه محاولة لتغطية الزيادة في كلفة الإمدادات والمحافظة على تدفق المحروقات إلى السوق، بدلاً من الإبقاء على سعر محلي لا يواكب كلفة الاستيراد وما قد يترتب على ذلك من صعوبة تمويل الشحنات أو تراجع الكميات المتوفرة.
وأشار إلى أن آلية التسعير لا ترتبط، وفق تقديره، بمؤشر واحد، وإنما تتداخل فيها أسعار المنتجات عالمياً وسعر الصرف وكلفة الاستيراد أو الإنتاج والشحن والنقل والتشغيل والصيانة والجاهزية الفنية، ما يجعل السعر المحلي أكثر ارتباطاً بكلفة تأمين المادة خلال المرحلة الراهنة.
هل السعر الجديد يعكس الكلفة الفعلية؟
تحفظ سيف الدين على الجزم بأن الأسعار الجديدة تمثل الكلفة الدقيقة لكل ليتر، رغم اعتباره أنها تبدو أقرب من حيث المبدأ إلى مستويات الكلفة الفعلية عند مقارنتها بأسعار المشتقات في دول مجاورة، مشيراً إلى أن الوصول إلى تقييم دقيق يحتاج إلى تفاصيل أكبر حول معادلة التسعير.
وأوضح أن معرفة السعر الحقيقي تتطلب الاطلاع على أسعار شراء الشحنات ومصادرها، وأجور النقل البحري والتأمين والتخزين والتوزيع الداخلي، وسعر الصرف المعتمد في الحساب، إضافة إلى تكاليف التشغيل والصيانة وأي رسوم أو أعباء أخرى تدخل في تكوين السعر النهائي.
وأكد أن نشر هذه العناصر من شأنه توضيح مقدار ما تمثله الزيادة العالمية فعلياً من السعر الجديد، والجزء المرتبط بالتكاليف المحلية، بما يسمح بتقييم التسعيرة استناداً إلى بيانات واضحة بدلاً من الاكتفاء بالمقارنات العامة.
المازوت ينقل الزيادة إلى قطاعات أخرى
تتجه التداعيات الأوسع للقرار نحو المازوت بصورة خاصة، نظراً إلى استخدامه في نقل البضائع وتشغيل عدد من المنشآت والمولدات والأنشطة الزراعية والصناعية، ما يجعل ارتفاع سعره قابلاً للانتقال تدريجياً إلى تكاليف قطاعات أخرى.
وتوقع سيف الدين ظهور الأثر بصورة أولية في أجور نقل البضائع بين المحافظات والأسواق والأنشطة التي تعتمد بصورة مباشرة على الوقود، لكنه أشار إلى أن نسبة ارتفاع أسعار السلع لا يفترض أن تكون مساوية لنسبة ارتفاع المحروقات، لأن الوقود يمثل عنصراً واحداً من عناصر الكلفة وليس كاملها.
وحذر من أن الخطر يتمثل في استخدام القرار مبرراً لرفع أسعار بعض السلع والخدمات بنسب تتجاوز الزيادة الحقيقية في تكاليفها، ما يفرض، وفق تقديره، متابعة الأسواق وضبط حالات الاستغلال لتجنب تحول تعديل مؤقت في أسعار الطاقة إلى موجة تضخمية أوسع.
ورأى في المقابل أن رفع الأسعار يمكن أن يقلل الأعباء المالية إذا كانت الدولة تتحمل فارقاً بين كلفة تأمين المشتقات وسعر بيعها، ويحد من الخسائر التي تنشأ عندما تباع المادة بسعر يقل عن كلفتها الفعلية.
قراءة مختلفة للتوقيت
طرح الخبير الاقتصادي رضوان الدبس، في حديث لشبكة شام الإخبارية، زاوية أخرى للقرار، إذ اعتبر أن الحكومة تتحوط أيضاً لاحتمالات استمرار ارتفاع أسعار الطاقة وتعطل أو تأخر سلاسل الإمداد، في ظل التوترات الجيوسياسية ومخاطر الشحن والتأمين.
وأشار الدبس إلى أن ارتفاع سعر المنتج ليس الخطر الوحيد، إذ يمكن أن تؤدي الاضطرابات في الممرات البحرية إلى زيادة أجور الناقلات وأقساط التأمين وتأخير وصول الشحنات، لتصبح فاتورة استيراد المشتقات أعلى حتى من الزيادة التي يسجلها النفط الخام نفسه.
وتساءل في المقابل عن توقيت رفع الأسعار وعن مدى توفر مخزون استراتيجي يسمح بامتصاص جزء من الاضطرابات المؤقتة، معتبراً أن بناء مخزونات كافية خلال فترات الاستقرار يمنح السوق هامشاً أكبر لمواجهة تقلبات الأسعار أو تأخر الشحنات دون نقل الأثر بصورة سريعة إلى المستهلك.
زيادة واحدة أم تعديلات تدريجية؟
اعتبر الدبس أن تطبيق زيادة تدريجية كان يمكن، من وجهة نظره، أن يمنح الأسر والمنشآت والأسواق وقتاً أكبر للتكيف مع ارتفاع الكلفة، على أن تتم مراجعة الأسعار بصورة متتابعة وفق تطورات السوق العالمية وحجم الإمدادات المتوفرة.
وحذر من أن الانتقال السريع إلى مستويات سعرية أعلى يفرض على المعامل ووسائل النقل والمنشآت التي تعتمد على المازوت إعادة احتساب تكاليفها دفعة واحدة، الأمر الذي قد يولد سلسلة متزامنة من الزيادات في أسعار السلع والخدمات.
ووصف انعكاسات القرار بأنها قاسية على اقتصاد لا يزال في مرحلة التعافي، معتبراً أن ضمان توفر المحروقات يمثل هدفاً ضرورياً، لكنه يحتاج بالتوازي إلى تقييم أثر ارتفاع الطاقة في القدرة الشرائية والإنتاج والأسواق.
وأشار الدبس في الوقت نفسه إلى أن ارتفاع الأسعار قد يخفض حجم الاستهلاك ويقلل الضغط على محطات الوقود والكميات المتوفرة، وبالتالي يحد من احتمالات عودة الطوابير والاختناقات التي رافقت نقص المحروقات في فترات سابقة.
فجوة كبيرة بين الحاجة والإنتاج
تكشف بيانات وزارة الطاقة جانباً أساسياً من المشكلة، إذ تقدر حاجة سوريا بنحو 300 ألف برميل يومياً من النفط ومشتقاته، مقابل إنتاج محلي من الخام يقارب 100 ألف برميل يومياً، ما يجعل تأمين جزء كبير من الاحتياجات مرتبطاً بالاستيراد.
وأوضحت الوزارة أن حاجة السوق اليومية من المازوت تصل إلى نحو 7.72 ملايين ليتر، ويعتمد قرابة 60 بالمئة من إمدادات المادة على الاستيراد، بينما يبلغ متوسط إمداد البنزين نحو 2.32 مليون ليتر يومياً، وهو ما يجعل تقلبات أسعار المنتجات العالمية وكلفة الشحن والتأمين عوامل مؤثرة بصورة مباشرة في فاتورة الطاقة.
وأشارت إلى أن سعر طن المازوت في الأسواق التي تتابعها يقترب من 1400 دولار، مقابل نحو 1350 دولاراً لطن البنزين، بينما يتحرك خام برنت حول 100 دولار للبرميل، وهي مقارنة تستند إليها الوزارة في التأكيد على أن أزمة الكلفة الحالية تتجاوز حركة الخام إلى المنتجات المكررة نفسها.
شهران يختبران صفة «المؤقت»
أكدت وزارة الطاقة أن التعديل يستهدف تغطية فجوة الكلفة والحفاظ على دورة تمويل الشحنات، بما يسمح باستمرار توفر البنزين والمازوت والغاز، وربطت جانباً من الضغوط الحالية بعمرة مصفاة بانياس وانخفاض التكرير المحلي خلال فترة الصيانة.
وشددت الوزارة على أن الأسعار ستبقى خاضعة للمراجعة وفق حركة الأسواق العالمية وتكاليف التوريد، إلى جانب عودة قدرات التكرير بعد انتهاء أعمال العمرة، مؤكدة أن زيادة الإنتاج والتكرير محلياً ستقلل الحاجة إلى الاستيراد وتخفف تعرض السوق للتقلبات الخارجية.
ويضع ذلك القرار أمام اختبارين خلال المرحلة المقبلة، أولهما قدرة الأسعار الجديدة على ضمان استمرار الإمدادات ومنع عودة أزمات النقص، والثاني حجم انتقال الزيادة إلى النقل والإنتاج والسلع والخدمات، خصوصاً مع محدودية قدرة الأسر والمنشآت على استيعاب تكاليف إضافية.
ويبقى وصف الزيادة بأنها مؤقتة مرتبطاً بما سيحدث بعد انحسار الظروف التي استند إليها القرار، إذ ستشكل عودة مصفاة بانياس إلى العمل وتراجع كلفة المشتقات أو الشحن والتأمين اختباراً عملياً لمرونة آلية التسعير، ومدى قدرتها على التحرك انخفاضاً كما تحركت ارتفاعاً عندما تغيرت كلفة تأمين المحروقات.