الشفافية وإدارة التوقعات.. تحدٍ أمام الخطاب الرسمي في مرحلة التعافي السوري
تواجه سوريا مرحلة معقدة من التعافي بعد 14 عاماً من الحرب التي تركت آثاراً واسعة على الاقتصاد والبنية التحتية وقطاعات الطاقة والصناعة والخدمات، بالتزامن مع إرث طويل من العقوبات والقيود الدولية التي بدأت البلاد تتخلص من جزء منها، ما يجعل استعادة مستويات الإنتاج والخدمات السابقة عملية تحتاج إلى سنوات واستثمارات كبيرة.
وتبرز في هذه المرحلة أهمية الشفافية في الخطاب الرسمي وإدارة توقعات السوريين بصورة تتناسب مع الإمكانات المتاحة، إذ ساهمت بعض التصريحات المتفائلة خلال الفترة الماضية في رفع سقف التوقعات بشأن سرعة تحسن قطاعات أساسية، قبل أن تكشف الوقائع عن تحديات فنية ومالية تحتاج إلى وقت أطول لمعالجتها.
النفط نموذجاً
يكشف قطاع النفط حجم الفجوة بين استعادة الموارد والقدرة على تشغيلها، فقد ترافق استعادة عدد من الحقول مع توقعات بارتفاع سريع في الإنتاج وتقليص الاعتماد على الاستيراد، إلا أن الأرقام المعلنة لاحقاً أظهرت واقعاً أكثر تعقيداً.
ويبلغ الإنتاج السوري حالياً نحو 100 ألف برميل يومياً، مقابل حاجة تقدر بنحو 300 ألف برميل من النفط ومشتقاته، فيما كانت البلاد تنتج قبل الثورة قرابة 350 ألف برميل يومياً، ويحتاج تقليص هذه الفجوة إلى إعادة تأهيل الآبار والمعدات وشبكات النقل ومنشآت التكرير، واستثمارات وخبرات فنية قادرة على إعادة المنشآت المتضررة إلى العمل.
وتفرض هذه المعطيات خطاباً يوضح الفرق بين استعادة السيطرة على الحقول وبين استعادة قدرتها الإنتاجية، مع تحديد مراحل التأهيل والكلفة والفترات الزمنية المتوقعة، بما يمنح المواطنين صورة أكثر دقة عن إمكانات القطاع.
سنوات لإعادة البناء
تمتد التحديات نفسها إلى الكهرباء والصناعة والإسكان والتعليم والصحة والبنية التحتية، وتحتاج هذه القطاعات إلى استثمارات وتمويل وإعادة تأهيل وتطوير للقدرات المؤسسية، ما يجعل الحديث عن تعافٍ شامل خلال فترة قصيرة بعيداً عن حجم الاحتياجات الفعلية.
وتحتاج المواقف الدولية الإيجابية بدورها إلى قراءة واقعية، إذ يظهر أثر الانفتاح الخارجي عندما يتحول إلى استثمارات وتمويل وشراكات ومشاريع قيد التنفيذ، بينما قد يستغرق الانتقال من التصريحات السياسية إلى النتائج الاقتصادية وقتاً أطول مما يتوقعه المواطن.
الثقة تبدأ من الأرقام
يساعد اعتماد الأرقام والجداول الزمنية في تحسين العلاقة بين المؤسسات والمواطنين، عبر توضيح نقطة البداية والأهداف الممكنة والعقبات التي تواجه التنفيذ، مع تحديث هذه البيانات عندما تتغير الظروف.
وقد تحتاج سوريا إلى عقد من العمل المتواصل لتحقيق تعافٍ واسع في عدد من القطاعات، مع إمكانية تحقيق تقدم أسرع في قطاعات أخرى، ولذلك يصعب وضع مدة واحدة لجميع الملفات.
ويبقى التحدي أمام المسؤولين في إدارة هذه المرحلة مرتبطاً بقدرتهم على تقديم صورة واقعية، توضح ما تحقق وما تعثر وما يحتاج إلى سنوات، فخفض سقف الوعود وربطه بالإمكانات والجداول الزمنية يساعد السوريين على تقييم الأداء وفق نتائج قابلة للقياس، ويمنح عملية إعادة البناء مساحة أكبر من الثقة والاستقرار.