"الظفيري" يروي كواليس يوم مع الرئيس الشرع: قائد تحكمه فكرة الواجب ويتقن السياسة والتسويات
روى الإعلامي ومذيع قناة الجزيرة "علي الظفيري" تفاصيل يومٍ أمضاه برفقة الرئيس أحمد الشرع في دمشق، خلال تسجيل مقابلة تلفزيونية امتدت ساعات طويلة، مقدماً قراءة شخصية في طباعه وطريقة تفكيره ومسيرته وتحولاته، ومعتبراً أن الرجل يجمع بين شخصية القائد السياسي والإنسان القريب من الناس، ويتحرك وفق رؤية واسعة تحكمها فكرة الواجب وحسابات التوقيت.
تحذير من «سحر» الشخصية
استهل الظفيري مقاله بالإشارة إلى تحذير تلقاه من صديق مقرّب قبل لقائه الرئيس الشرع، دعاه فيه إلى الحذر من التأثر بجاذبية شخصيته، حتى لا ينعكس ذلك على موضوعية المقابلة، ولا سيما أن الظفيري كان من المتابعين والمؤيدين للثورة السورية خلال سنواتها الصعبة، ويحمل مشاعر خاصة تجاه زيارته دمشق بعد التحرير ولقائه الرئيس.
أوضح أن اللقاء جرى في الخامس والعشرين من تموز، واستمر أكثر من سبع ساعات، بهدف تسجيل مقابلة تلفزيونية تأجلت مرات عدة منذ العام الماضي، وقد بثت قناة الجزيرة الجزء الأول منها، على أن تخصص الجزء الثاني للجوانب الشخصية من حياة الرئيس.
وصف الظفيري اللحظات الأولى للقاء بأنها اتسمت بقدر كبير من اللطف والمودة وحسن الاستقبال، لافتاً إلى أن هذه الصفات تفسر، في رأيه، جانباً من الإعجاب الذي يبديه عدد من القادة تجاه الرئيس الشرع، ومن بينهم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
«الواجب» مفتاح لفهم المسيرة
اعتبر الظفيري أن كلمة «الواجب» تمثل مفتاحاً أساسياً لفهم شخصية الرئيس أحمد الشرع ومسيرته، موضحاً أن هذا الشعور رافقه منذ سنوات شبابه في حي المزة بدمشق، حين كان يسلك ممراً بين الأبنية في طريقه إلى المسجد، في وقت كان فيه كثير من أبناء جيله منشغلين بحياة المراهقة واهتماماتها المعتادة.
ربط الكاتب بين هذا الإحساس المبكر بالواجب وبين الرحلة التي قادت الشرع لاحقاً من دمشق إلى العراق، ثم أعادته إلى تخوم سوريا، قبل أن تمتد مسيرته لنحو ربع قرن، وصولاً إلى تحرير البلاد وتولي مسؤولية قيادتها.
رأى أن الرئيس الشرع لا يتعامل مع الأسئلة باعتبارها وقائع منفصلة، وإنما ينطلق في إجاباته من رؤية شاملة تراكمت عبر محطات متعددة، من تجربة السجن في العراق إلى سنوات إدلب، ثم إلى مرحلة الحكم في دمشق.
رؤية تتجاوز التفاصيل
لاحظ الظفيري أن الرئيس لا يتوقف طويلاً عند التفاصيل الصغيرة، على الرغم من كثرتها وتعقيدها، بل ينتقل مباشرة إلى المشهد الأشمل، ويتعامل مع القضايا من زاوية استراتيجية تتعلق بالمآلات والتوقيت والقدرة على الحركة.
أشار إلى أن هذه الطريقة قد تدفعه أحياناً إلى تجاوز بعض الأخطاء أو تأجيل معالجة بعض العيوب، إما لإدراكه أنها جزء من واقع قائم، أو لأن توقيت التعامل معها لم يحن بعد، واصفاً إياه بأنه «رجل التوقيت» الذي يختار لحظة التحرك بعناية.
أكد أن حديث الرئيس، وفق انطباعه، لا يبدو وليد اللحظة أو مرتبطاً بحدود السؤال المطروح، بل يعكس منهجاً وتصورات شبه مكتملة لما يريد الوصول إليه، وما يعتقد أنه قادر على تحقيقه في المراحل المقبلة.
من قصر الشعب إلى المزة
رافق الظفيري الرئيس الشرع في السيارة من قصر الشعب إلى حي المزة، موضحاً أن الرئيس قاد السيارة بنفسه وسط موكب صغير، قياساً إلى الاعتبارات الأمنية المحيطة برئيس دولة.
ذكر أن الشرع بدا أكثر معرفة بشوارع دمشق من بعض أعضاء الفريق المرافق، وكان يتقدم أحياناً على الموكب، بينما تحول الحديث داخل السيارة إلى دردشة شخصية غير مخصصة للنشر.
وصف تلك الدقائق بأنها كانت من أكثر لحظات اليوم متعة بالنسبة إليه، إذ شعر أنه يتحدث إلى صديق قريب، حتى كاد ينسى أن من يقود السيارة هو الرئيس أحمد الشرع.
لفت إلى أن الرئيس يجمع في حديثه بين لغة الزعيم ورئيس الدولة، وبين أسلوب الأخ الودود والقريب، مؤكداً أنه لم يلحظ في هذا السلوك تصنعاً أو محاولة متعمدة لكسب الود، بل رأى فيه جزءاً طبيعياً من شخصيته.
لقاء عفوي مع أهالي الحي
أشار الظفيري إلى أن الجزء المتعلق بزيارة منزل الرئيس ومدرسته الأولى ومسجده في حي المزة سيظهر ضمن الحلقة الثانية من المقابلة، لافتاً إلى أن المشاهد صُورت دون إعداد مسبق.
وصف ردود فعل الأهالي بأنها اتسمت بالمفاجأة والفرح العفوي، مع تزايد أعداد الناس في كل مكان انتقل إليه الرئيس، بدءاً من رواد المسجد وأبناء الحي، وصولاً إلى امرأة أطلقت الزغاريد، وأطفال تجمعوا حوله، وعامل مصري طلب مصافحته فبادله الرئيس العناق.
أبدى إعجابه بالطاقة التي ظهر بها الرئيس خلال أكثر من ثلاث ساعات من الوقوف والمشي والتصوير والاختلاط بالناس، من دون أن تظهر عليه علامات الضيق أو الإرهاق.
حذر في الوقت نفسه من أن تتحول مشاعر المحبة الشعبية إلى تقديس للأشخاص، مشدداً على أن هذا المسار كان وراء صناعة تجارب استبدادية كثيرة في العالم العربي، حين انفصل الحكام عن الواقع ولم يعودوا يرون الناس على حقيقتهم.
قاسيون وذاكرة التحرير
انتقل الظفيري برفقة الرئيس إلى جبل قاسيون بعد انتهاء التصوير في المزة، موضحاً أن الشرع أصر على زيارة المكان رغم حلول المساء، نظراً إلى مكانته الرمزية في مسيرته.
أوضح أن الرئيس زار ثلاثة أماكن في يوم التحرير، هي المسجد الأموي، ومنزله في حي المزة، وجبل قاسيون، الذي يطل على دمشق ويمنح مشهداً واسعاً للمدينة.
استعاد الظفيري خلال وجوده على قاسيون ذكريات السنوات القاسية التي عاشها السوريون، وما رافقها من مشاهد الألم والعجز، لافتاً إلى أن أداء الصلاة خلف الرئيس فوق الجبل حمل بالنسبة إليه مشاعر شديدة التأثير.
ربط بين تلك اللحظة وبين خطاب الرئيس في المسجد الأموي يوم الثامن من كانون الأول، حين أعلن انكسار القيد وتحرير المعتقلين وعودة سوريا إلى مرحلة جديدة.
تحولات معقدة في المسيرة
طرح الظفيري أسئلة عديدة حول قدرة الرئيس الشرع على الصمود في سجون العراق سنوات طويلة، والخروج من بيئة فكرية مضطربة، ثم الانتقال بين تجارب وتنظيمات ومراحل متباينة قبل الوصول إلى موقع قيادة الدولة.
تساءل عن كيفية انضمامه في مرحلة سابقة إلى تنظيم «داعش»، رغم اعتقاده بأن مشروعه لم يكن منسجماً مع تصورات الشرع، وكيف تمكن لاحقاً من الانفصال عنه، ثم الابتعاد عن إرث تنظيم القاعدة فكرياً وتنظيمياً.
ناقش كذلك الطريقة التي أدار بها الشرع صراعات النفوذ داخل الساحة السورية، وقدرته على التواصل مع دول العالم وطرح رؤيته الجديدة، رغم الاتهامات التي وجهت إليه بإقامة علاقات سرية مع الغرب أو الارتباط بأجهزة أمنية واستخبارية خارجية.
أشار إلى أن العلاقة مع تركيا كانت من أكثر الملفات تعقيداً، معتبراً أن الشرع استفاد من التعاون معها، لكنه حافظ في الوقت نفسه على قراره المستقل، ورفض الرواية التي تزعم أن معركة «ردع العدوان» كانت قراراً تركياً.
ذكر أن أنقرة لم تكن، وفق قراءته، راضية عن انطلاق المعركة، بل حذرت هيئة تحرير الشام منها، ولم يتغير موقفها إلا بعد السيطرة الكاملة على حلب واتجاه العمليات إلى مراحل لاحقة.
«رجل تسويات وسياسة»
خلص الظفيري من يومه الطويل إلى أن الرئيس أحمد الشرع أقرب إلى رجل تسويات وسياسة، وأنه نجح في بناء علاقات مع دول كانت متحفظة أو معادية للأيديولوجيات التي انطلقت منها مسيرته الأولى.
اعتبر أن الشرع يجيد التمييز بين الثابت والمتغير، ويتحرك ضمن حدود الممكن دون أن يفرط، من وجهة نظره، بالمبادئ الأساسية التي تحكم مشروعه.
رأى أن نجاحه حتى الآن يعود إلى قدرته على تجنب الجمود الذي يقود إلى الانكسار، والمرونة الزائدة التي تنتهي إلى فقدان الاتجاه، محاولاً الجمع بين الحزم والواقعية السياسية.
موقعه في مسار الثورة
استعرض الظفيري حالة التشرذم التي مرت بها الثورة السورية، وما شهدته من تعدد الفصائل والأجسام السياسية والمجموعات المتنافسة، في وقت دفع فيه الشعب السوري أثماناً كبيرة لاستعادة بلاده وحريته.
أقر بأن الرئيس الشرع لم يكن قائداً للثورة السورية يحظى بإجماع جميع أبنائها، ولا سيما الموجودين خارج البلاد، لكنه رأى أن دوره في السنوات الأخيرة يمنحه موقعاً محورياً في مسارها.
عدد أبرز المحطات التي اعتبرها حاسمة في مسيرة الشرع، بدءاً من مواجهة تنظيم «داعش» وإضعاف مشروعه، مروراً بإبعاد تنظيم القاعدة عن سوريا فكراً وبرنامجاً، ثم بناء نموذج إداري في المناطق المحررة وتوحيد الفصائل باللين والقوة، وصولاً إلى قيادة معركة «ردع العدوان» وتحرير سوريا وإنهاء حكم نظام الأسد البائد.
أكد أن وصف الشرع بأنه قائد للثورة يرتبط، وفق رؤيته، بمرحلة محددة ودور تاريخي واضح، وليس توصيفاً مطلقاً يلغي أدوار الآخرين أو يمنحه احتكاراً كاملاً لمسار الثورة.
هوية سوريا الجديدة
توقف الظفيري عند سؤال وجهه إلى الرئيس بشأن هوية سوريا الجديدة، موضحاً أن الشرع أجاب باقتضاب بأنها «هوية سورية»، من دون الدخول في تفصيل فلسفي أو نظري.
اعتبر أن الإجابة قد تبدو في ظاهرها غير كافية، لكنها تحمل في عمقها معنى واضحاً، يتمثل في أن سوريا لا تحتاج إلى من يفرض عليها تعريفاً خارجياً لهويتها أو يضع لها قالباً جاهزاً.
رأى أن الرئيس مشغول بصورة أكبر بمكانة سوريا واستقرارها ونفوذها ضمن محيط إقليمي مضطرب، وأن تفكيره يتركز على التحديات الجيوسياسية الكبرى والوصول بالبلاد إلى نقطة ثبات واستقرار.
أشار إلى أن الشرع لم يفرض برنامجاً دينياً على الدولة كما كان يخشى البعض، وتعامل مع التعددية والهوية الوطنية من خلال خطوات شملت، بحسب رأيه، منح الأكراد حقوقاً حرمهم منها نظام الأسد البائد، مع رفض مشاريع الانفصال، إلى جانب التعامل مع ملفات الأقليات والتمرد بدرجة من الانضباط، رغم وقوع أخطاء وتجاوزات.
أكد أن الرئيس قدم ضمانة لسوريا تضم جميع أبنائها، باستثناء المتورطين في دماء السوريين، معتبراً أن ذلك يشكل أساساً أولياً لتحديد ملامح الهوية الوطنية في المرحلة الجديدة.
أمل مشوب بالحذر
عبّر الظفيري عن انطباع إيجابي تجاه ما شاهده في دمشق، سواء في سلوك المؤسسات المحيطة بالحكم أو في طريقة تعامل الرئيس، مشيراً إلى أنه التقى شباباً سوريين يشغلون مواقع مهمة ويحملون طموحات واسعة لبناء سوريا الجديدة.
أوضح أن حديثه مع الرئيس حول المستقبل ارتبط، في نظره، بالواقع وبالإنجازات المحققة حتى الآن، لكنه شدد على أن ما سيحدث لاحقاً يظل مفتوحاً على احتمالات متعددة.
كشف أنه وصل إلى دمشق وهو يخشى مواجهة خيبة أمل تجاه ثورة وبلاد وشعب تعاطف معهم طويلاً، كما يحدث غالباً في المراحل الانتقالية الكبرى، غير أن الأيام الخمسة التي أمضاها في العاصمة بددت جانباً واسعاً من تلك المخاوف.
اختتم الظفيري مقاله بالتعبير عن أمله في أن تنجح سوريا الجديدة في تثبيت تجربتها، وأن تتحول إلى عامل فاعل في إعادة ترتيب المنطقة ومواجهة المشاريع الطامعة والمدمرة، مع الإبقاء على ضرورة الحذر من صناعة الزعامات المطلقة أو الوقوع في تقديس الأشخاص.