كلمات بسيطة.. أثر عميق: كيف يتحول الابتزاز العاطفي إلى ضغط نفسي على الأبناء؟
كلمات بسيطة.. أثر عميق: كيف يتحول الابتزاز العاطفي إلى ضغط نفسي على الأبناء؟
● مجتمع ٣٠ يوليو ٢٠٢٦

كلمات بسيطة.. أثر عميق: كيف يتحول الابتزاز العاطفي إلى ضغط نفسي على الأبناء؟

يشكّل الابتزاز العاطفي داخل الأسرة أحد الأساليب التربوية غير الصحية التي قد يلجأ إليها بعض الأهالي دون وعي بتداعياتها، حيث يقوم على التأثير في الأبناء وربط مشاعر القبول لديهم بسلوكيات محددة.


وفي ظل هذا النمط، يجد الأبناء أنفسهم أمام خيارات لا تعبّر بالضرورة عن قناعاتهم، بل تُفرض عليهم تحت وطأة الشعور بالذنب أو الخوف من فقدان الدعم العاطفي، ما يطرح تساؤلات حول أسبابه وأشكاله، إضافة إلى آثاره النفسية والسلوكية على المدى القريب والبعيد.


ويُعرَّف الابتزاز العاطفي بأنه أسلوب يُستخدم داخل العلاقات الأسرية للتأثير على مشاعر الأبناء ودفعهم إلى سلوكيات معينة، سواء من خلال إثارة الذنب أو التهديد غير المباشر أو ربط القبول العاطفي بالاستجابة، كما تتنوع أشكاله بين ممارسات واضحة وأخرى غير مباشرة، ما يجعله في كثير من الأحيان سلوكًا غير مُدرك من قبل الأهل، رغم تأثيره على التوازن النفسي للأبناء.


أساليب خفية للابتزاز العاطفي وآثارها على الأبناء

قال الاختصاصي في الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي ماهر قصّار، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الابتزاز العاطفي هو أسلوب ضغط يعتمد على إثارة شعور الطفل بالذنب أو تذكيره بأخطاء سابقة، ويجعل محبة الأهل له مرتبطة بمدى استجابته لطلباتهم، ما يرسخ لديه فهماً غير دقيق لطبيعة الحب. 


وأوضح أن النصح والتوجيه السليمين يمنحان الطفل مساحة للاكتشاف واتخاذ القرار، في حين يؤدي هذا الأسلوب إلى تعزيز الاعتمادية والخوف، وإضعاف قدرة الطفل على الاستقلال.


وأضاف أن هذا السلوك قد يرتبط بخوف غير معلن لدى الأهل من فقدان الأبناء، أو برغبة في توجيههم ليحققوا ما لم يتمكنوا هم من تحقيقه، ما يعكس صعوبة في ممارسة الدعم القائم على التقبل، ويؤدي إلى الخلط بين الحب وممارسة السلطة.


وأشار قصّار إلى أن هذا الأسلوب يظهر بعدة أشكال في الحياة اليومية، منها الصمت العقابي الذي يتمثل في الامتناع عن التواصل العاطفي مع الطفل حتى يستجيب، وكذلك ربط معاناة الأهل بسلوك الأبناء، كأن يقول أحد الوالدين: "أنت رح تجبلي الجلطة"، أو "عنادك هاد ما رح يخليني أحبك متل أخواتك"، إضافة إلى تكرار الحديث عن التضحيات بهدف الضغط، مثل قول: "أفنيت صحتي وعمري لأجل سعادتكم ثم تكسرون كلمتي وإرادتي".


ونوه في تصريح خاص لـ شام إلى أن هذا النمط من التعامل ينعكس على الطفل بآثار نفسية مستمرة، حيث يظهر في المدى القريب على شكل قلق وتوتر وغضب غير معلن، بينما يؤدي على المدى البعيد إلى سعي دائم لإرضاء الآخرين على حساب الذات، وضعف في وضع الحدود، ما يزيد من احتمالية الدخول في علاقات غير صحية مستقبلاً.


ولفت إلى أن الاعتماد المفرط على الوالدين يحدّ من قدرة الأبناء على اتخاذ قراراتهم، إذ يجد الشاب أو الفتاة نفسه بين رغباته الشخصية والشعور بالذنب، وغالباً ما يميل إلى اختيار ما يرضي الأهل، سواء في الدراسة أو العمل أو العلاقات، ما قد يؤدي لاحقاً إلى شعور بعدم الرضا والضغط النفسي.


وشدد الاختصاصي ماهر على أهمية اعتماد أساليب تربوية بديلة، تقوم على تقديم الحب غير المشروط، والتعبير عن القلق بدلاً من الاتهام، مثل قول "أقلق عليك" بدلاً من "أنت لا تهتم بي"، إلى جانب دعم استقلالية الأبناء وتعزيز قدرتهم على اتخاذ القرار، بما يساعدهم على بناء شخصيات مستقلة ومتوازنة.


ولا تتوقف أسباب هذا الأسلوب عند الخوف على الأبناء أو الرغبة في توجيههم، إذ يشير مختصون في الصحة النفسية إلى أن لجوء بعض الأهالي إلى الابتزاز العاطفي قد يكون نتيجة أنماط تربوية موروثة نشأوا عليها، حيث يُعاد إنتاج الأساليب ذاتها دون مراجعة، فيما يلعب ضعف الوعي بأساليب التربية الحديثة دورًا في ترسيخ هذا السلوك، خاصة في البيئات التي لا تتوفر فيها مصادر كافية للتثقيف النفسي والتربوي.


وفي المقابل، ويؤكد خبراء أهمية تبني أساليب بديلة تقوم على الحوار والتفاهم، وتعزيز ثقة الأبناء بأنفسهم، مع إتاحة مساحة آمنة للتعبير عن آرائهم دون خوف من الرفض أو العقاب، كما يشددون على أهمية تمكين الأبناء من وضع حدود صحية في علاقاتهم، وفهم الفرق بين الحب الحقيقي والضغط العاطفي، بما يساعدهم على حماية أنفسهم وبناء علاقات متوازنة في المستقبل.


قد يلجأ بعض الأهالي إلى اتباع أساليب متعددة بهدف توجيه الأبناء وضبط سلوكهم، معتقدين أنها وسيلة فعّالة لتحقيق ذلك، إلا أن مختصين يشيرون إلى أن بعض هذه الممارسات، ومنها الابتزاز العاطفي، قد تتحول إلى شكل من أشكال الضغط النفسي، بما يترك آثارًا متفاوتة على الحالة النفسية للأبناء، وهو ما يطرح تساؤلات أوسع حول طبيعة هذه الأساليب وانعكاساتها.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ