"العمل الإعلامي" وتحديات تَغلب القوة المسيطرة ... "هيئة تحرير الشام" مثالاً ● تقارير خاصة

"العمل الإعلامي" وتحديات تَغلب القوة المسيطرة ... "هيئة تحرير الشام" مثالاً

منذ الصرخة الأولى لبدء الحراك الشعبي السوري، لعب "الناشط الإعلامي" دوراً بارزاً في نقل وقائع أحداث الحراك، متحدياً بعدسة بسيطة، كل آلة القمع الأمنية التابعة للنظام، والتي بذلت جهود كبيرة لملاحقة ناقلي الاحتجاجات الشعبية السلمية في بداياتها، لما لهذه العدسات من أثر بالغ في فضح ممارساته، ونقل صوت وصورة الحراك لكل العالم بإمكانيات متواضعة وبسيطة.

وعانى المواطن الصحفي خلال أحد عشر عاماً مضت، ضروب مختلفة من التحديات مع تنامي خبرته وإمكانياته، لكنه بقي في مواجهة أمنية مع النظام، الذي اعتقل وقتل العشرات من النشطاء إضافة للقوى الأخرى، إذ تفيد توثيقات "الشبكة السورية لحقوق الإنسان" لمقتل 711 من الصحفيين والعاملين في مجال الإعلام منذ آذار 2011، بينهم 52 بسبب التعذيب؛ وإصابة 1563 بجراح متفاوتة، واعتقال ما لا يقل عن 1250 عاملاً في مجال الإعلام 443 منهم، لايزال مختف قسرياً.

ومع انحسار مساحة المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وتجمع عدد كبير من العاملين في المجال الإعلامي في مناطق شمال غرب سوريا تحديداً، إضافة لطفرة كبيرة في ظهور نشطاء جدد خلال السنوات الأخيرة، بات العمل الإعلامي أمام مواجهة جديدة مع القوى المسيطرة، التي تسعى للحد من الحريات الإعلامية، وفق منظور عدائي جعل كل من يخالف توجهاتها عدواً مباشراً، معرض للاعتقال والتضييق.

وشكل تصاعد تسجيل حالات التعرض لنشطاء إعلاميين في مناطق سيطرة "هيئة تحرير الشام" تحديداً في السنوات الماضية، فضلاً عن مساعي حثيثة لتقويض تحركات النشطاء وعملهم وفق قوانين ناظمة أوجدتها المؤسسات التابعة للهيئة مؤخراً، وبات الحديث عن "سياسة ممنهجة" واضحة لمحاربة كل مخالف لها ولسياساتها، على حساب تقديم مؤسسات إعلامية بديلة ودعمها لتكون هي الصوت المراد سماعه وحده وصولاً للهيمنة على إعلام الثورة ككل وإضعاف كل صوت آخر.

في هذا السياق، تواصلت شبكة "شام" الإخبارية، مع عدد من الصحفيين والمعنيين، للوقوف على حقيقة الواقع الإعلامي في مناطق شمال غرب سوريا عامة، ومناطق سيطرة "هيئة تحرير الشام" خاصة، لاسيما بعد تسجيل التعدي على عدد من النشطاء الإعلاميين من قبل الجهاز الأمني للهيئة في منطقة باب الهوى في 12/ أيلول/ 2022 الجاري.

بداية كان الحديث مع الناشط "عمر حاج أحمد" رئيس "رابطة الإعلاميين السوريين" الذي أكد لشبكة "شام" أن واقع الإعلام في مناطق شمال غرب سوريا، لا يختلف كثيراً عن واقع أي إعلام في مناطق الشرق الأوسط ومناطق الحروب، لافتاً إلى أن الواقع يقول إن هناك انتهاكات متنوعة تقع على الصحفي والإعلامي، ولا تقتصر هذه الانتهاكات على الجهات المسيطرة فقط وإنما من المجتمع نفسه أحياناً، ولكن – برأيه - تتحمل سلطات الأمر الواقع المسؤولية الأكبر في النهاية لاعتبارات عدة.

 

سياسة متغلغلة في نفوس أصحاب السلطة

وأوضح "حاج أحمد" أن الانتهاكات المتكررة بحق الصحفيين والإعلاميين في إدلب وباقي المناطق السورية، هي "سياسة متغلغلة في نفوس أصحاب السلطة"، وخاصة العسكريين والأمنيين منهم، مهما كانت الخطوات البطيئة تعمل على غير ذلك، فغالباً نعود للأصل، ألا وهو الخوف والكره للكلمة والصوت العالي المسموع، وفق تعبيره.

وحول قانون الإعلام الذي فرضته حكومة الإنقاذ (الذراع المدنية لهيئة تحرير الشام)، تحدث أحمد عن الاطلاع على عجالة على قانون الإعلام المعمول به في إدلب، معتبراً بأنه رغم ما فيه من بعض الهفوات والإشكاليات، إلا أنه لو يطبّق ببعض بنوده لتمّ تجريم من يتعدى على العمل الإعلامي والاعلاميين، ولتمّ صون كرامة هذا الإعلامي، في وقت لم ينف وجود أخطاء إعلامية أو أخلاقية مهنية.

وأكد "رئيس رابطة الإعلاميين السوريين"، لشبكة "شام"، أن قوننة أي عمل أو مهنة يحتاج لقانون وميثاق عمل وقضاء وأناس مهنيين، فالقانون وحده لا يكفي رغم أهمية وجود قوانين صحفية تضمن حرية العمل الصحفي وفق معايير أخلاقية عدة.

وحول عمل "رابطة الاعلاميين السوريين"، أكد "حاج أحمد" أنها وُلدت لحماية وتدريب الإعلاميين، ومن أهم واجباتها وأهدافها الحد من التعديات على النشطاء وعلى العمل الإعلامي، وكان لها دوراً بارز بحل الكثير من المشاكل والإشكاليات أثناء العمل الصحفي مع السلطات الحاكمة في إدلب، وفق تعبيره.

ولفت "حاج أحمد" إلى أن تعامل "هيئة تحرير الشام" أو المؤسسات التابعة لها مع الوفود الأجنبية، أكثر مرونة وسهولة مع الناشطين المحليين لاعتبارات عدة، منها الشأن الخارجي والدولي وتغيير نظرة الغرب لإدلب والقائمين عليها من سلطات عسكرية ومدنية، وبالتالي يكون عمل تلك الوفود أكثر سهولة ومرونة مع حماية خاصة لهم.

وأكد "حاج أحمد" أن تنظيم العمل الإعلامي يتطلب جهود مشتركة من الجهات الحكومية أو المسيطرة ومن جهات مدنية بما يتوافق مع معايير العمل الصحفي في الحروب والأزمات، ولكن يتطلب وجود النية السليمة من كافة الأطراف ليكون العمل منظماً وفق معايير مهنية وأخلاقية ومصانة فيه حرية وكرامة الإعلامي وعمله.

 

قوانين تحمي وإعلام أفضل من مناطق الأسد وقسد

واعتبر "حاج أحمد" أن الأهم من ذلك أن تكون القوانين محمية بنزاهة تامة من كل الأطراف حتى النقابية والإعلامية، لأننا لا ننفي خطأ تلك النقابات أو أعضائها من إعلاميين أو غيرهم - وفق تعبيره -، ولكن الخطأ الأكبر غالباً ما يكون من الجهات المسيطرة مهما حاولت التخفيف من تلك الأخطاء والانتهاكات.

وأشار "حاج أحمد" في ختام حديثه لشبكة "شام" إلى أن أغلب الانتهاكات التي تقع على الإعلاميين يمكن الحد منها بشكل كبير جداً بعد التعاون المشترك وتثقيف أطراف تلك الانتهاكات المتوقعين مستقبلاً، مؤكداً أن القلم والكاميرا هم مرآة الواقع الذي يجب أن تستفاد منه السلطات الحاكمة لتحسين الواقع، وألا يُعتبروا أعداء لبعضهم البعض.

ورأى "وائل علوان" الباحث في مركز "جسور للدراسات"، أن واقع الإعلام في مناطق شمال غرب سوريا يفترض المقارنة بين حرية التعبير وحرية العمل الإعلامي في مختلف المناطق بسوريا، معتبراً أن مناطق المعارضة هي الأفضل اذا ما قورنت بمناطق "النظام وقسد" حيث لا توجد أي حرية تعبير أو صحافة أو قدرة على العمل الصحفي ونقل الحقيقة نهائياً وهناك استبداد وديكتاتورية تمنع الصحفي من نقل الواقع بحرية.

 

تركيز ممنهج لتطويع الصحافة كما تريد الهيئة

واعتبر "علوان" في حديث لشبكة "شام"، أن الفوضى الأمنية أكثر ما يؤثر على عمل الصحفيين في مناطق الجيش الوطني، رغم أن مجال التعبير عن حرية الرأي فيها أكبر من إدلب - وفق تعبيره -، أما مناطق سيطرة "تحرير الشام" فإن ما يؤثر على العمل الإعلامي - برأيه - هي "المركزية الأمنية"، موضحاً أنها أكثر استقراراً أمنياً ولكن تشهد تدخل مركز أكبر وممنهج لتطويع الصحافة كما تريد الهيئة وهو ما يؤثر على تقييم حرية الصحافة وحرية التعبير.

وأكد "علوان" أن التعديات التي تمارس على النشطاء جزء منها يندرج في سياق "التصرفات الفردية"، ولكن بالأعم هناك مضايقات ممنهجة يتعرض لها العامل الصحفي في إدلب، لأنه حتى مع التطورات التي تشهدها "هيئة تحرير الشام" تنظيماً وسعيها لاستقرار المنطقة أمنيا وخدمياً، لكنها لم تنتقل لتكون جهة تراعي وتهتم وتضمن الحريات بشكل أضمن، وإنما تحدد تلك الحريات ضمن أطر الأيديولوجية المرتبطة بالسلطة والجهة المسيطرة على المنطقة.

من جهته، قال الصحفي "أكرم الأحمد" مدير "المركز الصحفي السوري"، إن واقع الإعلام شمال غرب سوريا يأخذ منحيين الأول إيجابي حيث أن هناك تحسن في مستوى العمل الإعلامي وارتفاع مستوى المهنية في نقل الأحداث، والسلبي تراجع حرية هذا العمل الإعلامي في تناول القضايا والأحداث، والذي بدأ يظهر بشكل واضح بعد عام 2018 من خلال تقييد النشطاء ببعض المواضيع والأحداث، وفق تعبيره.

 

تدخل السلطة بالإعلام انتهاك لتأطيره وفق مصلحتها

ولفت "الأحمد" في حديث لشبكة "شام"، إلى أن السلطات في إدلب تعلل التدخل في العمل الإعلامي بموضوع تنظيم القطاع الإعلامي، علما أن مجرد تدخل هذه السلطات سواء الهيئة أو الانقاذ في تنظيم العمل الإعلامي فهو "انتهاك لحرية الإعلام" التي تتعارض مع تدخل الحكومات أو السلطات بعمل الصحافة، وفق تعبيره.

وبين "الأحمد" أن الإعلام يتجه لتأطيره بأطر محددة تتناسب مع مصلحة السلطات وماتريده من الإعلاميين، رغم وجود أصوات معارضة لهذا النهج وإبقاء هامش أوسع لممارسة عملهم الصحفي وتنظيم القطاع الإعلامي ضمن التنظيم الذاتي وهو الشكل الصحيح للتنظيم برأيه.

وبين "الأحمد" أن "التنظيم الذاتي" الذي يمنح الصحفيين هامش كبير من الحرية، تعطيهم حرية في ممارسة عملهم وفق ضوابط مهنية وأخلاقية للعمل الإعلامي بمعزل عن السلطات المسيطرة التي تتدخل في وضع هذه الضوابط وفق رؤيتها كالمؤسسة العامة للإعلام التي حدت بشكل كبير من عمل المشاريع المستقلة التي يكمن أن يبنى عليها في تنظيم العمل الإعلامي.

واعتبر "الأحمد" في حديثه لشبكة "شام" أن حصر البطاقة الصحفية بيد السلطات، أضعف دور رابطة الصحفيين أو الهيئات التي شكلت من قبل الصحفيين، عندما سلبتهم أهم أداء لتقوية هذه المؤسسات، ورأى أن حكومة الإنقاذ كان لها دور كبير في إضعاف الهيئات التي شكلت في سوريا لتنظيم قطاع العمل الإعلامي وهو بحد ذاته تكبيل للحرية.

وأكد الصحفي السوري أن التعديات التي تقوم بها "هيئة تحرير الشام" سجلتها المؤسسات الحقوقية ولايمكن اعتبارها سياسة ممنهجة تضع خطط للتعدي على الإعلامي، ولكن - برأيه - هناك سياسة واضحة لتأطير الإعلاميين ضمن بوتقة محددة تخدمها من خلال البطاقة الصحفية وربطها بالمؤسسات التابعة للحكومة أو من خلال قانون الإعلام أو التضيق على النشطاء المعارضين لسياستهم.

 

رأي آخر يتحدث عن ارتفاع سقف الحريات والانضباط

لكن مسؤول في مكتب العلاقات الإعلامية لـ "هيئة تحرير الشام" كان له رأي آخر في حديث مع شبكة "شام"، حيث اعتبر أن الواقع الإعلامي في منطقة إدلب يشهد حالة مميزة من ارتفاع سقف الحريات والانضباط في آن واحد، ويعود الفضل - برأيه - للتعاون الموجود بين الجهات المعنية والنشطاء الإعلاميين المتواجدين على الأرض لتوصيف المشاكل وإيجاد الحلول لها.

واعتبر المسؤول (الذي طلب عدم ذكر اسمه)، أن من ضروب ذلك التعاون هو الاشتراك في صياغة قانون عمل إعلامي، كان لمعظم الإعلاميين الفاعلين دور في صياغته وثم تعديله وتطويره مع بداية العام الحالي بما يناسب الواقع ويعمل على تطوير بيئة العمل الصحفي في المنطقة عموماً، وأكد أن هناك مساع لأن يكون الواقع الإعلامي أفضل وفي تحسن مستمر، ولتحقيق هذا الهدف يعمل جميع الغيورين في المنطقة دون كلل، وفق قوله.

 

قانون الإعلام ناظم يحارب التجاوزات

ولفت المصدر في حديث لشبكة "شام" إلى أن هناك قانون ناظم عند وقوع أي تجاوز من أي مؤسسة في المحرر وخاصة أن الإعلامي خلال تأدية مهامه يعد بمثابة الموظف أو العامل بالشأن العام لذا فأي تعدي عليه أو تجاوز يوجب عقوبة أشد بحق المسئ بحسب قانون العمل الإعلامي المعمول به في المنطقة.

واعتبر أن السياسة العامة للمنطقة عموماً والتي يقررها قانون العمل الإعلامي المعمول به هو منح العاملين في الوسط الإعلامي حرية العمل دون قيود أو رقابة مسبقة ما دام الإعلامي ملتزما بأخلاقيات المهنة وضوابطها، وفق تعبيره.

وقال المسؤول في مكتب العلاقات الإعلامية للهيئة، إن منطقة إدلب يتواجد فيها عدد كبير من الأجسام الإعلامية الفاعلة والتي لكل منها دوره وبصمته في السعي لتحسين واقع العمل الإعلامي، مؤكداً أنه لا يمكن حصر الحديث عن جسم أو تجمع واحد، معتبراً أن هذا التعدد في الأجسام يعكس حجم المساحة المتاحة للعمل في المنطقة.

وحول دخول الوفود الصحفية العالمية للمنطقة، وطريقة التعامل معها، أوضح المكتب أن لهذه الوفود دور في نقل معاناة المدنيين وصمودهم في وجه النظام المجرم وحلفائه، ويشارك نشطاء الداخل في استقبالهم وقد زار المنطقة ما يزيد عن 500 وفد خلال الفترة الماضية، وفق كلامه.

واعتبر المصدر في حديثه لشبكة "شام" أن تلك الوفود هي ضيوف على المنطقة لعدد من الساعات أو الأيام على أعلى تقدير بينما أبناء الحراك الثوري الشرفاء على الأرض هم رأس المال ولهم الأفضلية وتجمع بهم علاقة قديمة تمتد إلى بداية الثورة وأن الجميع يعمل على هدف مشترك ألا وهو إسقاط العصابة المجرمة في دمشق وتحرير الأسرى من السجون، وفق تعبيره.

وعانت سوريا لعقود طويلة من التضييق الإعلامي وكم أفواه الكُتاب وملاحقة الأقلام الحرة المنتقدة لسياسات نظام الأسد الحاكم "الأب والأبن" وزجهم في المعتقلات، إلا من نجا منهم واستطاع الخروج من سوريا لاجئاً في دول العالم.

واعتمد النظام طيلة العقود الماضية على الصوت الواحد عبر قنوات رئيسية وصحف ومجلات تتبع لأجهزة المخابرات مباشرة، وتنفذ تعليماتها، علاوة عن تضييق خدمات الإنترنت لمستويات كبيرة، ومراقبة أجهزة الاتصال والخوادم وملاحقة أي تحركات تعتبرها ضدها.

لكن عام 2011 كان تحولاً كبيراً لعقود طويلة من الاحتكار الإعلامي والشاشة والصوت الواحد، مع انطلاق شرارة الاحتجاجات الشعبية للحراك الشعبي السوري المناهضة لنظام الحكم، فكان لابد من صوت ينقل صحيات الثائرين على النظام القمعي، ولعدم امتلاك الجرأة لدى جل العاملين في الحقل الإعلامي إلا من هو خارج الحدود، برزت فكرة "الناشط الإعلامي"، الذي أوجدته طبيعة المرحلة والحراك، ليحمل المسؤولية الأكبر في نقل صورة الاحتجاجات والانتهاكات بحقها للعالم، ويوصل صوت الثائرين.