
"الخوذ البيضاء: الاختفاء القسري جرح مفتوح في جسد سوريا
أكدت مؤسسة الدفاع المدني السوري، في بيان لها بمناسبة اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، أن الواقع السوري ما يزال يعكس ألماً مستمراً يعيشه آلاف الأهالي الذين يتأرجحون بين الأمل واليأس، في رحلة بحث مضنية عن أثر أو اسم أو خبر يبدد غموض مصير أحبائهم المفقودين.
غياب قسري يفتك بالمجتمع
أشارت المؤسسة إلى أن الاختفاء القسري تحوّل منذ انطلاق الثورة السورية إلى أحد أبرز ملامح الانتهاكات التي ارتكبها نظام الأسد البائد، إذ زُجّ آلاف الأشخاص في السجون دون محاكمات أو تواصل مع ذويهم، لتبقى مصائرهم مجهولة. هؤلاء المختفون كانوا آباءً وأمهات وأطفالاً وأصدقاءً، تركوا وراءهم قلوباً معلّقة وذاكرة مثقلة بالانتظار.
العدالة لا تُبنى على النسيان
شدد الدفاع المدني على أن تحقيق السلام في سوريا لا يمكن أن يتم من دون كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم، مؤكداً التزامه بالوقوف مع عائلات المختفين في مطالبهم، ومجدداً النداء للكشف عن مصير جميع المغيبين وإنهاء هذه الجريمة التي تمزق النسيج الإنساني والاجتماعي في البلاد.
حمزة العمارين.. متطوع مغيّب
ولفت البيان إلى أن الجرح لم يعد عاماً فحسب، بل طال أيضاً صفوف الدفاع المدني نفسه، إذ ما زال المتطوع حمزة العمارين، مختطفاً منذ منتصف تموز الماضي في مدينة السويداء أثناء تأدية مهمة إنسانية، بعد أن تعرّض لعملية إخفاء قسري على يد مجموعات مسلحة. وجدد الدفاع المدني مطالبته بالإفراج الفوري عنه، باعتبار قضيته مثالاً مضاعفاً على استمرار هذه الانتهاكات.
وكانت أصدرت "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، تقريرها السنوي الرابع عشر الموسع حول جريمة الاختفاء القسري في سوريا، تزامناً مع اليوم الدولي لمساندة ضحايا الاختفاء القسري في 30 آب/أغسطس، بهدف إلقاء الضوء على حجم المأساة الممتدة منذ عام 2011، وما خلّفته من آثار إنسانية وقانونية واجتماعية مدمرة على مئات آلاف الضحايا وعائلاتهم.
بيّن التقرير أن التطورات التي شهدتها سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وما رافقها من إخلاء السجون والمراكز الأمنية، كشفت جانباً إضافياً من حجم الكارثة، حيث خرجت أعداد محدودة من المعتقلين بينما بقي مصير عشرات الآلاف مجهولاً. وأكدت الشبكة أن هذه الوقائع تعكس الطابع الممنهج لجريمة الاختفاء القسري التي استخدمها النظام السابق كأداة لترهيب المجتمع ومعاقبته جماعياً.
وفق قاعدة بيانات الشبكة، لا يزال 181,312 شخصاً على الأقل رهن الاعتقال التعسفي أو الاختفاء القسري منذ آذار/مارس 2011 حتى آب/أغسطس 2025، بينهم 5,332 طفلاً و9,201 سيدة. وتحمّل الشبكة نظام الأسد السابق المسؤولية عن 90% من الحالات المسجلة، ما يعادل 9 من كل 10 مختفين، بينما تتحمل بقية الأطراف المتصارعة مسؤولية النسبة المتبقية، أما حصيلة المختفين قسرياً حصراً، فقد بلغت 177,057 شخصاً، من ضمنهم 4,536 طفلاً و8,984 سيدة، غالبيتهم في مراكز احتجاز النظام السابق.
أكد التقرير أن الاختفاء القسري في سوريا لا يقتصر على كونه انتهاكاً فردياً، بل هو جرح إنساني جماعي خلّف تداعيات نفسية واجتماعية واقتصادية عميقة، وأوضح أن هذه الممارسة، بموجب القانون الدولي، جريمة مستمرة ترقى في بعض السياقات إلى جريمة ضد الإنسانية. وشدد على أن معالجة آثارها تستلزم مقاربة شاملة تشمل كشف الحقيقة، محاسبة الجناة، تعويض الضحايا، وضمان عدم التكرار.