التضليل يتصدر المحتوى المتحقق منه في سوريا خلال أيلول.. «تأكد» ترصد أبرز الأنماط ومصادر الانتشار
رصد تقرير صادر عن منصة «تأكد» استمرار انتشار المعلومات المضللة والكاذبة المرتبطة بالشأن السوري خلال أيلول/سبتمبر 2026، ولا سيما في القضايا المحلية والقرارات الرسمية والتصريحات، مع تسجيل حضور واسع للمحتوى الذي يستهدف التشويش وإرباك المتلقين.
وأظهرت البيانات التي نشرتها المنصة أن التضليل شكّل 52.1% من أنماط المحتوى المتحقق منه خلال الشهر، فيما تصدرت السلطة الجهات المستهدفة بالادعاءات بنسبة 43.1%، وجاء التشويش في مقدمة الأهداف المرصودة للادعاءات بنسبة 48.9%.
54 مادة تحقق خلال شهر
وقالت منصة «تأكد» إنها نشرت خلال أيلول 54 مادة تحقق على موقعها، بينها ست مواد مؤكدة و48 مادة خضعت لمسار التحقق.
وبحسب التقرير، كانت الفبركة الآلية الأسلوب الأكثر استخداماً في المحتوى المضلل بنسبة 51.9%، تلاها استخدام المحتوى في سياق غير مرتبط بنسبة 21.2%، في مؤشر على تعدد الأساليب المستخدمة في إنتاج الادعاءات أو إعادة تقديم المواد المتداولة.
وتشير هذه الأرقام، وفق التقرير، إلى استمرار تمركز جانب مهم من التضليل في الملفات السورية الداخلية، بالتزامن مع الاعتماد على أساليب لا تقوم دائماً على اختلاق محتوى جديد بالكامل، وإنما قد تعتمد على إعادة توظيف مواد موجودة في سياقات مختلفة.
فيسبوك في صدارة منصات الانتشار
وحافظ «فيسبوك» على موقعه بوصفه المنصة الأبرز لانتشار الادعاءات التي تعاملت معها «تأكد»، مستحوذاً على 61.4% من الحالات المرصودة خلال الشهر.
أما من حيث طبيعة المحتوى، فتصدرت الصور أشكال المواد المستخدمة في الادعاءات بنسبة 40.3%، الأمر الذي يبرز أهمية التحقق من المحتوى البصري وعدم التعامل مع الصور المتداولة باعتبارها دليلاً كافياً على صحة الرواية المرفقة بها.
وفي المقابل، اعتمدت المنصة على تقنيات التحقق مفتوح المصدر «OSINT» بوصفها الأداة الأساسية في عمليات التحقق، بنسبة بلغت 84.3% من الآليات المستخدمة.
الشأن المحلي بيئة رئيسية للادعاءات
وأظهر التقرير حضوراً واضحاً للشأن السوري المحلي ضمن المحتوى الذي تعاملت معه المنصة، إذ شكلت الموضوعات المحلية 33.3% من المواد المتحقق منها.
وربطت توصيات التقرير بين هذه النسبة والحاجة إلى تعزيز إتاحة المعلومات الرسمية، ولا سيما في الملفات الخدمية والسياسية والأمنية التي تشهد نقاشاً عاماً واسعاً، باعتبار أن نقص المعلومات أو تأخر التوضيحات قد يترك مساحة لانتشار روايات غير دقيقة.
كما دعا التقرير الجهات الرسمية إلى إصدار توضيحات سريعة ومفصلة في الملفات المثيرة للجدل، وتطوير قنوات التواصل مع الجمهور ووسائل الإعلام ومنصات التحقق، إلى جانب الاستجابة المبكرة للمحتوى المصمم لإحداث التشويش.
السلطة الأكثر استهدافاً
ووفق البيانات المنشورة، جاءت السلطة في مقدمة الجهات التي استهدفتها الادعاءات بنسبة 43.1%، فيما تصدر التشويش أهداف تلك الادعاءات بنسبة 48.9%.
وتعكس هذه الأرقام طبيعة المواد التي رصدتها منصة «تأكد» خلال الفترة التي يغطيها التقرير، ولا تعني بالضرورة أن جميع الانتقادات أو المعلومات المتداولة بشأن الجهات الرسمية تندرج ضمن التضليل، إذ يرتبط التصنيف بنتائج عمليات التحقق التي أجرتها المنصة على المواد التي اختارت فحصها.
ويكتسب هذا التمييز أهمية في الفصل بين المعلومات أو الادعاءات التي يمكن التحقق منها، وبين الآراء والنقد الموجه إلى المؤسسات أو السياسات العامة.
99 مادة ضمن غرفة الأخبار
وإلى جانب مواد التحقق، قالت «تأكد» إنها أنجزت 99 مادة ضمن غرفة الأخبار خلال أيلول، تركز معظمها في الشأن المحلي بنسبة 26.3%، مع حضور موضوعات الاقتصاد والحوادث الأمنية ومسار العدالة.
كما واصلت المنصة إنتاج تقارير وتحقيقات معمقة تناولت قضايا الاقتصاد والاحتيال والفساد والإسكان والاستملاك والملفات الأمنية والذاكرة المرتبطة بالشخصيات، إضافة إلى تحليل مصادر التضليل.
وفي جانب آخر من عمل المنصة، تعامل وكيل «تأكد» الذكي خلال الشهر مع 436 محادثة أجراها 369 مستخدماً، بينهم 299 مستخدماً جديداً و70 مستخدماً عائداً.
وتضمنت 95 محادثة طلبات تحقق، وهو ما اعتبرته المنصة مؤشراً على استمرار استخدام هذه القناة لاستقبال الادعاءات والاستفسارات وإحالتها إلى مسارات تحقق أولية.
مسؤولية وسائل الإعلام
وخصص التقرير جانباً من توصياته لوسائل الإعلام والصحفيين، داعياً إلى منح التحقق في التغطيات المحلية أولوية أكبر، والانتباه إلى المحتوى الذي يستهدف التشويش من خلال تقديم روايات متناقضة أو غير مكتملة.
كما أوصى بتعزيز مهارات كشف الفبركة المباشرة والمحتوى المولد أو المعدل باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، بالتوازي مع رفع مستوى التدقيق في الصور والفيديوهات والنصوص المتداولة.
ودعا إلى توسيع التعاون بين وسائل الإعلام ومنصات التحقق والمبادرات المعنية بنزاهة المحتوى، والاستفادة من قواعد البيانات وأدوات الرصد في تتبع المصادر والأنماط المتكررة في نشر الادعاءات.
الجمهور جزء من عملية التحقق
ولم يحصر التقرير مسؤولية مواجهة التضليل بالمؤسسات الرسمية ووسائل الإعلام، بل وجه مجموعة من التوصيات إلى مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي.
ودعا الجمهور إلى التريث قبل إعادة نشر الأخبار والادعاءات التي تستهدف إثارة الانفعال أو الارتباك، وإلى توخي حذر أكبر عند التعامل مع المواد المتداولة على «فيسبوك»، في ضوء تصدره منصات انتشار الادعاءات التي رصدها التقرير.
كما أوصى بعدم اعتبار وجود معلومات صحيحة داخل منشور ما دليلاً على صحة المحتوى بأكمله، إذ يمكن أن يجمع المحتوى المضلل بين وقائع صحيحة واستنتاجات أو سياقات غير دقيقة.
وشدد التقرير على أهمية الرجوع إلى المصادر الموثوقة ومنصات التحقق، ولا سيما في الأخبار المحلية، والإبلاغ عن المواد المفبركة أو المعاد استخدامها خارج سياقها بدلاً من المساهمة في توسيع انتشارها عبر التفاعل غير النقدي معها.
الشفافية والتحقق في مواجهة التضليل
وخلص تقرير «تأكد» إلى أن المشهد المعلوماتي خلال أيلول اتسم باستمرار حضور التضليل وتمركزه في الملفات المحلية، بالتزامن مع استخدام المحتوى المضلل بهدف التشويش.
وفي ضوء هذه النتائج، تبرز الحاجة إلى التعامل مع مواجهة التضليل بوصفها مسؤولية موزعة بين الجهات التي تملك المعلومات، والمؤسسات الإعلامية التي تنقلها وتتحقق منها، والجمهور الذي يتلقاها ويعيد تداولها.
وتبقى سرعة إتاحة المعلومات ودقتها، إلى جانب تطوير أدوات التحقق والوعي بطريقة التعامل مع الصور والمقاطع والمحتوى المولد رقمياً، من العوامل التي يمكن أن تقلص المساحة المتاحة لانتشار الادعاءات غير الدقيقة، من دون الخلط بين مكافحة التضليل وبين حق الجمهور في النقد والتعبير وطرح الأسئلة حول القضايا العامة.