ملف أوقاف سوريا: إرث ثقيل من الفوضى والفساد وتحديات الاستعادة القانونية
يشكّل ملف أملاك الأوقاف في سوريا أحد أكثر الملفات تعقيداً وحساسية في المرحلة الراهنة، نظراً لتشابك أبعاده القانونية والتاريخية والإدارية، وارتباطه المباشر بحقوق عامة تراكمت عليها انتهاكات واسعة خلال عقود سابقة.
وفي ظل سعي وزارة الأوقاف لإعادة تنظيم هذا القطاع، تتكشف تدريجياً صورة ثقيلة من الفوضى الإدارية وغياب التوثيق، إلى جانب إرث طويل من الفساد الذي طال واحدة من أهم المؤسسات ذات الدور الاجتماعي والخدمي في البلاد.
وتعكس المعطيات الحالية واقعاً إدارياً هشّاً، حيث تسلمت وزارة الأوقاف جزءاً كبيراً من مهامها دون وجود أرشيف منظم أو قاعدة بيانات دقيقة، ما جعل عملية حصر الأملاك الوقفية أشبه بمهمة معقدة تتطلب البحث في وثائق ورقية قديمة ومبعثرة.
ولا يقتصر هذا الغياب للتوثيق المنهجي على الجانب الفني، بل ينعكس مباشرة على قدرة الوزارة في التدقيق واستعادة الحقوق، خاصة في ظل تسجيل العديد من العقارات بأسماء جهات وأشخاص عبر سجلات رسمية يصعب الطعن بها دون أدلة دامغة.
في السياق ذاته، تكشف مصادر مطلعة أن العقود الممتدة منذ ستينيات القرن الماضي وحتى عام 2018 شهدت عمليات بيع واسعة لأملاك وقفية لصالح شخصيات مرتبطة بالسلطة السابقة، بأسعار متدنية لا تعكس القيمة الحقيقية لهذه العقارات، مع تثبيت تلك العمليات في السجلات العقارية، ما منحها غطاءً قانونياً معقداً.
ويضع هذا الواقع وزارة الأوقاف أمام معادلة دقيقة، تقوم على ضرورة إثبات وجود تجاوزات أو تزوير في تلك العمليات، تمهيداً لمحاسبة المسؤولين عنها دون الإخلال باستقرار الملكيات القائمة.
وتبرز الإشكالية القانونية بشكل أوضح في مسألة “المشتري حسن النية”، إذ تؤكد التفسيرات الشرعية والقانونية أن من اشترى هذه العقارات دون علم بالمخالفات يتمتع بحماية كاملة لملكيته، ولا يجوز نزعها منه، بينما تتحول المسؤولية إلى البائع الذي تصرف بشكل غير مشروع، خاصة في حال ثبوت التزوير أو الاستيلاء غير القانوني.
ويعني ذلك عملياً أن استرداد حقوق الأوقاف لن يكون عبر مصادرة مباشرة، بل من خلال مسارات قضائية معقدة تستهدف إثبات الخلل في أصل عملية البيع.
وفي خضم هذا الجدل، عاد ملف الأوقاف إلى الواجهة مجدداً على خلفية تداول تصريحات قديمة نُسبت إلى معاون وزير الأوقاف حول الاستعانة بسجلات من تركيا وفرض بدلات إيجار جديدة على بعض العقارات.
غير أن مصادر رسمية أوضحت أن هذه التصريحات تعود إلى مقابلة تلفزيونية سابقة جرى بثها في حزيران من العام الماضي، وأن المقترح المشار إليه تم رفضه حينها وإيقاف العمل به لعدم وجود مبررات قانونية لتنفيذه، فيما أكدت وسائل إعلام رسمية أن إعادة نشر التصريحات جاءت بشكل مجتزأ يروّج لروايات غير دقيقة.
بالتوازي، أثار انتشار مزاعم على وسائل التواصل الاجتماعي حول إعطاء 11 منطقة في دمشق لتركيا موجة جدل، قبل أن يتم دحضها رسمياً إذ أكدت الجهات المعنية أن هذه الادعاءات مضللة ولا تستند إلى أي أساس، موضحة أن الوقف السوري ملكية وطنية خالصة لا يمكن التنازل عنها لأي جهة خارجية، وأن الاستعانة بالأرشيف العثماني تندرج حصراً ضمن إطار توثيق الملكيات التاريخية، وليس لها أي بعد سيادي أو سياسي.
وفي هذا الإطار، أوضح معاون وزير الأوقاف لشؤون الوقف سامر بيرقدار أن الوزارة تعمل على حصر الأملاك الوقفية عبر مراجعة الأرشيف العثماني بالتعاون مع الجهات المختصة، بهدف تثبيت الملكيات وإعادة تقييم العقود والإيجارات بما يتناسب مع الأسعار الرائجة.
وتشير التقديرات إلى أن العاصمة دمشق وحدها تضم آلاف العقارات الوقفية، كان جزء كبير منها مؤجراً بأسعار رمزية لا تعكس قيمته الحقيقية، ما أدى إلى تراجع عائدات الوقف بشكل كبير مقارنة بإمكاناته الفعلية.
ويكشف تتبع هذا الملف أن ما تواجهه وزارة الأوقاف اليوم ليس مجرد خلل إداري عابر، بل نتيجة تراكمات ممتدة منذ عقود، تحولت خلالها المؤسسة الوقفية من رافعة اجتماعية واقتصادية إلى مساحة استثمار مغلقة لصالح شبكات نفوذ، مستفيدة من غياب الشفافية والتشريعات المرنة التي سمحت بإبرام عقود طويلة الأمد بشروط مجحفة بحق الوقف.
ومع بدء مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق، دخلت الوزارة مساراً جديداً يركز على استعادة العقارات المنهوبة، ومراجعة العقود القديمة، وفسخ ما يثبت عدم قانونيته، بالتوازي مع إطلاق خطط لإصلاح البنية الإدارية، تشمل أتمتة الأرشيف وإنشاء قواعد بيانات مركزية، وتطوير الأطر القانونية الناظمة لعمل الوقف.
ورغم هذه الجهود، لا تزال التحديات كبيرة، وفي مقدمتها التعقيدات القانونية المرتبطة بالسجلات العقارية، والقوانين القديمة التي تقيّد عملية استرداد الحقوق، إضافة إلى الحاجة لبناء منظومة شفافة تضمن إدارة فعالة للعقارات الوقفية مستقبلاً، ويقف ملف أملاك الأوقاف بسوريا عند نقطة تقاطع حساسة بين العدالة القانونية والاستقرار المجتمعي.