فيضان الفرات.. كيف واجهت الدولة أخطر موجة مائية منذ عقود؟
دخلت سوريا خلال الأسبوع الأخير من شهر أيار 2026 في واحدة من أكبر حالات الطوارئ المرتبطة بنهر الفرات منذ عقود، بعدما شهد النهر ارتفاعاً استثنائياً في مناسيب المياه الأمر الذي دفع الحكومة السورية إلى إطلاق استجابة واسعة شاركت فيها الرئاسة والجيش والوزارات والمؤسسات الخدمية والإنسانية.
ووفق بيانات صادرة عن وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، بدأت المؤشرات الأولى للخطر بالظهور منذ 23 أيار، عندما تلقت الجهات المختصة بيانات تشير إلى ارتفاع كبير في الواردات المائية القادمة عبر الحدود التركية. وعلى إثر ذلك أطلقت الوزارة تحذيرات مبكرة للأهالي المقيمين ضمن الحوائج النهرية وعلى ضفاف الفرات، مطالبة بإزالة مضخات المياه والمعدات الزراعية والابتعاد مسافة لا تقل عن خمسين متراً عن مجرى النهر.
كما دعت الوزارة إلى الإخلاء الفوري للمنازل والمنشآت الواقعة في المناطق المنخفضة، وإيقاف الملاحة النهرية وعبّارات النقل والزوارق، وتجنب عبور الجسور الترابية، ومنع السباحة بشكل كامل خلال فترة التحذير، ونقل الثروة الحيوانية والآليات إلى المناطق المرتفعة، مع الالتزام الكامل بالتعليمات الرسمية وعدم الانجرار خلف الشائعات.
خلال أيام قليلة ارتفع منسوب نهر الفرات بشكل متسارع، بعد وصول مخزون بحيرات الفرات إلى أكثر من 97 بالمئة من طاقتها التخزينية، بالتزامن مع تدفقات مائية قدرت بنحو ألفي متر مكعب في الثانية قادمة من الأراضي التركية.
ومع ازدياد الضغط على السدود والمنشآت المائية، أعلنت وزارة الطاقة فتح ثلاث بوابات في سد الفرات بمحافظة الرقة للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاثين عاماً، بهدف الحفاظ على سلامة السد ومنشآته ومنع تعرضه لأي مخاطر إنشائية.
في الوقت نفسه بدأت تداعيات الفيضان بالظهور ميدانياً في محافظتي دير الزور والرقة، حيث غمرت المياه مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، وتضررت آلاف الدونمات المزروعة، كما خرجت عشرات محطات مياه الشرب عن الخدمة نتيجة وصول المياه إليها أو تهديدها بالغمر.
شهدت الأزمة وقوع حوادث غرق مأساوية في ريف دير الزور، حيث توفي ثلاثة أطفال أثناء السباحة في نهر الفرات، اثنان منهم في منطقة الخريطة وطفل في منطقة زغير جزيرة، فيما فُقد طفل رابع خلال الفترة نفسها.
كما تعرضت مناطق حويجة صكر وحويجة قاطع والعديد من الحوائج النهرية للغمر الجزئي أو الكامل، وبدأت المياه تتدفق إلى بعض الأحياء والشوارع القريبة من النهر، وسط مخاوف من توسع رقعة الأضرار.
وخرجت عدة جسور ومعابر عن الخدمة، بينها جسر المريعية والجسر الترابي في المريعية وجسر العشارة وعدد من المعابر الترابية والحيوية التي تربط بين ضفتي النهر، ما أدى إلى صعوبات كبيرة في حركة التنقل ونقل المرضى والخدمات.
وأعلنت محافظة دير الزور تشكيل غرفة عمليات ولجنة استجابة طارئة تعمل على مدار الساعة لمتابعة تطورات الوضع.
وقال محافظ دير الزور زياد العايش إن نحو 60 محطة مياه خرجت عن الخدمة بشكل كلي أو جزئي نتيجة ارتفاع منسوب النهر، مشيراً إلى تضرر أكثر من خمسة آلاف دونم من الأراضي الزراعية.
وأكد العايش تنفيذ عمليات إخلاء احترازية للمناطق الأكثر خطورة وتأمين مراكز إيواء للمتضررين ودعم محطات المياه بالآليات والمعدات اللازمة، موضحاً أن المحافظة بدأت التحضير لإعادة إنشاء الجسور المتضررة وعلى رأسها جسر السياسية، كما شدد على أن السلطات المحلية أبلغت السكان في المناطق المهددة بشكل مباشر قبل وصول موجة الفيضان عبر زيارات ميدانية وإخطارات شخصية.
ودفعت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث بتعزيزات كبيرة إلى المنطقة الشرقية شملت فرق الإنقاذ والغطاسين والآليات الثقيلة والتركسات والمعدات الهندسية.
ونفذت الفرق أعمال رفع وتدعيم السواتر الترابية في عشرات المواقع، أبرزها محيط حويجة صكر وقرية مراط والعديد من القرى الواقعة على ضفتي الفرات، كما نجحت فرق الإنقاذ في إنقاذ شابين من الغرق قرب جسر السياسية أثناء السباحة، إضافة إلى تنفيذ عمليات نقل وإجلاء للمرضى والحالات الإنسانية العاجلة.
وأنشأت الوزارة ثلاث نقاط إسعافية على امتداد مجرى النهر مجهزة بزوارق إنقاذ وغطاسين وسيارات إسعاف، وتمكنت من نقل خمس حالات إنسانية وإسعافية حرجة بين منطقتي الشامية والجزيرة بعد انقطاع الجسور.
وقال وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح إن الحكومة اعتمدت خطة استجابة من ثلاث مراحل للتعامل مع الأزمة، مؤكداً أن جميع المؤسسات الحكومية شاركت في غرف العمليات المشتركة.
وأضاف أن فرق المراقبة تابعت مجرى النهر من جرابلس حتى البوكمال بطول يقارب 600 كيلومتر، مشيراً إلى أن نحو 2400 عائلة تضررت جزئياً من ارتفاع المنسوب.
وأوضح الصالح أن التعديات على مجرى النهر واستثمار الأراضي النهرية خلال سنوات الجفاف الماضية ساهمت في زيادة حجم الأضرار، لكنه أكد أن الأضرار بقيت ضمن الحدود المقبولة مقارنة بحجم الواردات المائية، كما أعلن أن فرق الوزارة تتوقع بدء تراجع مناسيب المياه خلال يومين، مؤكداً أن خطر الفيضان انخفض بشكل كبير وأن مستويات المياه أصبحت ضمن الحدود المقبولة.
ومع وصول الأزمة إلى ذروتها أعلنت وزارة الدفاع استنفار تشكيلات عسكرية عدة للمشاركة في عمليات الاستجابة، وشاركت وحدات الجيش في تنفيذ أعمال الإخلاء ودعم السواتر الترابية ونقل المعدات الثقيلة وتأمين الوصول إلى المناطق المتضررة، إضافة إلى المساهمة في حماية المنشآت الحيوية وتقديم الدعم اللوجستي لغرف العمليات.
وأكدت الجهات الرسمية أن الأصول العسكرية والقدرات الهندسية للجيش وضعت في حالة جاهزية كاملة للتدخل في أي موقع يحتاج إلى دعم عاجل.
وأطلقت وزارة الطاقة حملة إسناد وطنية واسعة شاركت فيها مؤسسات المياه والصرف الصحي من مختلف المحافظات، حيث تم إرسال عشرات الصهاريج لتأمين مياه الشرب للأهالي، وأعلنت الوزارة إعادة تشغيل عشر محطات مياه رئيسية بشكل تدريجي، بينها محطات الزباري ومحكان وصبخان وعياش، بعد حمايتها بالسواتر الترابية.
وأكد وزير الطاقة محمد البشير أن سوريا لم تشهد تمرير مثل هذه الكميات من المياه منذ أكثر من ثلاثين عاماً، موضحاً أن السلطات التركية نفسها فوجئت بحجم الأمطار الربيعية واضطرت إلى فتح سدودها بشكل عاجل.
وأشار إلى أن القيادة السورية أجرت اتصالات ومتابعات مباشرة مع الجانب التركي أثمرت عن البدء بتخفيض الواردات المائية إلى سوريا.
وبناء على ذلك باشرت المؤسسة العامة لسد الفرات تنفيذ إجراءات تشغيلية تضمنت إغلاقاً جزئياً لبوابة المفيض رقم ثلاثة وخفض التمريرات المائية بمقدار مئة متر مكعب في الثانية كمرحلة أولى.
أما وزارة الزراعة فأعلنت وضع جميع مديرياتها الزراعية والبيطرية في حالة استنفار، وبدء لجان فنية بحصر الأضرار التي لحقت بالمحاصيل وشبكات الري والممتلكات الزراعية تمهيداً لتعويض المتضررين، مع توفير الأعلاف والأدوية البيطرية مجاناً للمربين في المناطق المتضررة.
وفي القطاع الصحي أعلن وزير الصحة مصعب العلي تفعيل الكود الصحي الخاص بالطوارئ، وإرسال كميات إضافية من الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود إلى المشافي، مع نشر سيارات الإسعاف على ضفاف النهر وتأمين نقل المرضى بين الضفتين بواسطة زوارق الإنقاذ.
كما عقد وزير الاتصالات عبد السلام هيكل اجتماعاً طارئاً مع شركات الاتصالات والهيئة الناظمة للاتصالات والبريد، وأعلن حزمة إجراءات استثنائية شملت إتاحة المكالمات الخليوية والاتصالات عبر الإنترنت مجاناً في المناطق المتضررة، وتفعيل التجوال بين الشبكات الخلوية، وإعادة تشغيل الاشتراكات المقطوعة، ونشر أبراج اتصال متنقلة لتعزيز التغطية.
وافتتحت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل عدداً من مراكز الإيواء لاستقبال العائلات التي تم إجلاؤها من المناطق المهددة.
وواصلت المديرية المختصة استقبال العوائل القادمة من حويجة صكر وحويجة قاطع، بالتعاون مع الهلال الأحمر العربي السوري والمنظمات الإنسانية، كما جرى توزيع مئات السلال الغذائية والصحية والإغاثية وتأمين العيادات الطبية المتنقلة داخل مراكز الإيواء لتقديم الخدمات الصحية والإسعافية للمتضررين.
وفي 29 أيار وصل الرئيس أحمد الشرع إلى دير الزور في أول زيارة له إلى المحافظة منذ توليه الرئاسة، يرافقه عدد من الوزراء والمسؤولين، واطلع الشرع ميدانياً على واقع المناطق المتضررة وسير عمليات الإخلاء والإنقاذ والإغاثة، وعقد اجتماعاً مع الفريق الوزاري وغرفة العمليات لمتابعة الإجراءات الحكومية المتخذة.
وأكد المسؤولون الذين شاركوا في الاجتماع أن الرئيس وجه بتوفير جميع الإمكانات اللازمة لتخفيف الأضرار عن الأهالي وتسريع عمليات الاستجابة.
وكشف وزير الطوارئ وإدارة الكوارث عقب الزيارة أن الرئيس وجّه بالبدء بإعادة بناء جسر السياسية بعد عطلة عيد الأضحى مباشرة، إلى جانب تطوير منظومة وطنية متكاملة للإنذار المبكر لتأمين تحذيرات مباشرة للمواطنين في حالات الطوارئ والكوارث مستقبلاً.
ومع نهاية يوم 29 أيار أعلنت الجهات الحكومية بدء تراجع مناسيب المياه تدريجياً بعد تخفيض الواردات القادمة من تركيا وتقليص التمريرات عبر سد الفرات، وأكدت الحكومة استمرار أعمال المراقبة والاستجابة الميدانية وحصر الأضرار تمهيداً لتعويض المتضررين وإعادة تأهيل الجسور ومحطات المياه والبنية التحتية المتضررة، وسط توقعات بعودة الأوضاع إلى الاستقرار الكامل خلال الأيام التالية.