صورة
صورة
● محليات ٢٥ مايو ٢٠٢٦

صراع نفوذ وانقسامات تضرب ميليشيا "الحرس الوطني" التابعة للهجري في السويداء

تشهد محافظة السويداء منذ أسابيع تصاعداً واضحاً في حدة الانقسامات الداخلية ضمن ما يعرف بـ"الحرس الوطني"، وهو التشكيل العسكري الذي أُعلن عنه في آب/أغسطس 2025 بقيادة المرجع الدرزي حكمت الهجري، وضم حوالي 30 فصيلاً مسلحاً من مجموعات خارجة عن القانون وتضم معظمها ضباط من فلول النظام البائد.

وفي التفاصيل برزت خلال الأيام الأخيرة مؤشرات ميدانية تؤكد انتقال الخلافات داخل الحرس الوطني من مرحلة التباينات السياسية والتنظيمية إلى مرحلة الصدام المباشر وإعادة رسم موازين النفوذ داخل مدينة السويداء لا سيما ريفها الغربي، خصوصاً بعد الإجراءات التي اتخذتها قيادة قطاع المدينة بحق كتيبة فرسان حمزة بقيادة يامن الزغير.

وأفادت مصادر محلية أن العقيد فراس الورهاني، قائد قطاع المدينة ضمن ميليشيا الحرس الوطني، قاد عملية مداهمة لمقر الكتيبة قرب السجن المدني غربي السويداء، وطالب عناصرها بالانسحاب من مقرهم الرئيسي في الفندق السياحي وسط المدينة، قبل أن تتولى مجموعات تابعة له استلام القطاع والإشراف المباشر على انتشاره.

وعكست هذه الخطوة وجود قرار داخلي بإعادة توزيع النفوذ العسكري داخل المدينة، خاصة أن ميليشيا فرسان حمزة كانت تُعتبر من أكثر الفصائل حضوراً وتسليحاً داخل التشكيل، وتمتلك علاقات متشابكة مع شخصيات دينية وعسكرية نافذة.

وجاء التصعيد ضد الكتيبة بعد سلسلة أحداث متراكمة، أبرزها استهداف مدرعة "كرار" كانت الكتيبة قد استولت عليها سابقاً من القوات الحكومية السورية، ما أدى لإصابة عدد من عناصرها، إضافة إلى استهداف نقطة تتبع للفصيل بقذيفة هاون أثناء وجود قائده يامن الزغير، وسط تبادل اتهامات مباشر بين أنصار الفصيل وقيادات أخرى داخل ميليشيا "الحرس الوطني".

ووجّه مقربون من ميليشيا فرسان حمزة اتهامات مباشرة لكل من لؤي أبو فاعور وطارق خويص بالوقوف خلف عمليات التحريض والاستهداف، فيما ظهرت دعوات علنية تطالب الهجري بالتدخل لـ”ضبط المقربين منه قبل تفجير الوضع الداخلي”، في مؤشر على حجم الشرخ المتصاعد داخل البيئة الحاضنة للتشكيل.

وترافقت هذه التوترات مع أزمة أثارت غضباً واسعاً في الشارع المحلي، عقب انتشار مقاطع مصوّرة وصفت بأنها مسيئة للرموز والمرجعيات الدينية، ظهر فيها المدعو غفران زين الدين، أحد عناصر فرسان حمزة الأمر الذي دفع قيادة الحرس الوطني لاتخاذ قرار بإبعاد الكتيبة عن المحور الغربي للمحافظة، في محاولة لاحتواء الاحتقان الشعبي ومنع انفجار اقتتال داخلي.

لم تتوقف الإجراءات عند حدود فرسان حمزة، إذ أصدرت القيادة أيضاً قراراً بعزل مجموعة الشيخ سعيد بريك عن محور بلدة المجدل، ما يعكس توجهاً مركزياً لتقليص نفوذ القيادات الميدانية التي باتت تُعتبر عبئاً أمنياً أو مصدراً للفوضى والتوتر.

وأصدرت ميليشيا الحرس الوطني بيانا حاولت فيه التغطية الإعلامية على الصراع الحاصل وقالت إنها "تتابع ما يُنشر من شائعات ومحاولات تضليل تستهدف التشويش على مؤسستنا العسكرية والنيل من تماسكها، عبر الترويج لروايات مختلقة حول تبديلات وتحركات ميدانية طبيعية تُجرى وفق متطلبات كل مهمة ومرحلة"، وفق نص البيان.

واعتبرت أن "أي تبديل أو تحرك يخص بعض الوحدات والمقاتلين هو إجراء مؤقت وتنظيمي بحت، يشمل في الكثير من الأحيان نخبة من خيرة الرجال الذين أثبتوا شجاعة وكفاءة عالية في أداء واجباتهم، الأمر الذي يدفع الجهات المغرضة إلى محاولة استغلال أي تحرك لهم وبث التأويلات والشائعات حوله".

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن ميليشيا الحرس الوطني تعيش أزمة متفاقمة في ضبط الفصائل المنضوية تحت رايتها، خاصة أن معظم هذه المجموعات تشكلت أساساً على قاعدة الولاءات الشخصية والمناطقية وليس ضمن بنية عسكرية موحدة، الأمر الذي جعل أي خلاف محلي قابلاً للتحول إلى صراع نفوذ مفتوح.

ويضم الحرس الوطني تشكيلات متعددة أبرزها قوات سيف الحق وقوات الفهد وقوات العليا إضافة إلى المجلس العسكري في السويداء بقيادة الضابط السابق طارق الشوفي، بينما يتولى طلال عامر، وهو ضابط سابق أيضاً، مهمة المتحدث باسم التشكيل.

ويرى مراقبون أن التناقضات والانقسام بين هذه الفصائل لا تتعلق فقط بإدارة القطاعات العسكرية، بل تمتد إلى ملفات التمويل والعلاقات الخارجية وتقاسم النفوذ الأمني والاقتصادي داخل المحافظة، في ظل اتهامات متبادلة بالاستفراد بالقرار والاستثمار الإعلامي والعسكري في حالة الفوضى القائمة.

وبرز خلال الأشهر الأخيرة أيضاً تراجع ملحوظ في حالة الحاضنة الشعبية المؤيدة للهجري، بالتزامن مع تدهور الأوضاع المعيشية والخدمية والأمنية، واستمرار أزمة الكهرباء والمحروقات وارتفاع معدلات الجريمة والفلتان الأمني، دون قدرة الحرس الوطني على تقديم نموذج إدارة فعلي للمحافظة.

وتحدثت مصادر محلية عن حالة تذمر متزايدة داخل أوساط الموالين للهجري، نتيجة ما وصفته بـ"جمود المشروع السياسي والعسكري" الذي جرى الترويج له منذ تشكيل ميليشيا الحرس الوطني وعدم تحقيق أي تقدم فعلي على صعيد الإدارة أو الاستقرار أو تحسين الواقع الخدمي.

كما تزايدت الأحاديث مؤخراً حول أزمة تمويل داخل التشكيل، بعد تداول معلومات عن توقف الدعم المالي والطبي الذي كان يصل إلى مناطق نفوذ الهجري، بما في ذلك تأخر الرواتب الشهرية التي كانت تمنح لعناصر الحرس الوطني، وهو ما انعكس مباشرة على تماسك الفصائل وعلى مستوى الانضباط داخلها.

وتتهم أوساط محلية بعض قادة الفصائل باستخدام المعارك المحدودة والاستعراضات العسكرية كوسيلة لتعزيز الحضور الإعلامي ورفع النفوذ الشخصي، حتى ولو أدى ذلك إلى خسائر بشرية أو إلى رفع مستوى التوتر الداخلي، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انزلاق المحافظة إلى مواجهات داخلية بين الأجنحة المتنافسة.

في حين تظهر التطورات الأخيرة أن الحرس الوطني بات يواجه اختباراً وجودياً حقيقياً، فالتشكيل الذي أُعلن باعتباره مظلة موحدة لفصائل السويداء تحول إلى ساحة صراع بين مراكز قوى متنافسة، لكل منها ارتباطاتها وتحالفاتها وحساباتها الخاصة وسط مؤشرات على اندلاع اقتتال داخلي مفتوح بين الفصائل، خاصة مع ارتفاع منسوب التخوين والتحريض المتبادل، وتراجع قدرة القيادة المركزية على ضبط المشهد الأمني داخل المحافظة.

ونقلت صحيفة "الشرق الأوسط" عن مصادر قولها إن أسباب التململ تشمل حالة الجمود في العلاقة مع الحكومة السورية، مشيرة إلى انقطاع الدعم الإسرائيلي، حيث لم يحصل عناصر ميليشيا "الحرس الوطني" على المائة دولار الشهرية منذ أكثر من 3 أشهر، كما توقفت إسرائيل عن دعم المستشفيات الموجودة في مناطق سيطرة الهجري.

وأكدت مصادر مقربة من الوساطات لحل أزمة السويداء، عدم وجود أي جديد حالياً على صعيد جهود حل الأزمة، معربة عن اعتقادها أن السبب وراء إصدار الهجري بيانه الأخير هو "انسداد الأفق أمام مشروعه خاصة أن البيان لم يقدم حلولاً للأزمات الموجودة، ومنها أزمة امتحانات طلاب الشهادات العامة والمعلمين، وأزمة الفلتان الأمني وانتشار الجرائم.

وتتشهد محافظة السويداء، الخاضعة لهيمنة ميليشيا حكمت الهجري، تصاعداً لافتاً في مظاهر الانفلات الأمني والخدمي، مع انتقال حالة الفوضى خلال الأيام الأخيرة إلى مستوى أكثر خطورة تمثل ببدء استهداف قيادات ميدانية تنتمي لما يسمى "الحرس الوطني" التابع للهجري، في مؤشر يعكس عمق التصدع الداخلي والصراع المتنامي بين الأجنحة المسلحة داخل المحافظة.

وفي أحدث هذه الحوادث، دوّى انفجار في مدينة السويداء عند الساعة الثالثة من فجر اليوم، ناجم عن عبوة ناسفة زُرعت في سيارة القيادي العسكري فاروق النداف، أحد قادة اللواء 111 المنضوي ضمن تشكيلات الحرس الوطني.

ووفق مصادر محلية، أدى الانفجار إلى أضرار مادية جسيمة لحقت بالمركبة المستهدفة، دون تسجيل إصابات بشرية ويعد هذا الحادث الثاني من نوعه خلال أقل من يومين، بعدما سبقه فجر أمس استهداف مماثل طال سيارة باسل الشاعر، أحد أبرز قادة ميليشيات الهجري، حيث انفجرت عبوة ناسفة بمركبته لكنه نجا منها، واقتصرت الخسائر على الأضرار المادية.

وعقب استهدافه، ظهر باسل الشاعر في تسجيل مصور وجّه خلاله اتهامات مباشرة إلى الدولة السورية بالوقوف خلف العملية، كما شن هجوماً على شخصيات محلية من بينها ليث البلعوس وسليمان عبد الباقي، زاعماً وجود "أيادٍ تتبع للدولة" خلف هذه التحركات، ومتوعداً بإقامة "المشانق" لمحاسبة خصومه.

غير أن هذه الاتهامات بدت، وفق متابعين وناشطين من أبناء المحافظة، محاولة متسرعة للهروب من الواقع الأمني المتردي داخل صفوف ميليشيا الهجري، وصرف الأنظار عن موجة التصفيات الداخلية التي بدأت تضرب قياداتها وعناصرها بشكل علني، في ظل تصاعد الخلافات بين مراكز النفوذ والسلاح.

ورأى ناشطون أن ظهور الشاعر الإعلامي لم يكن سوى محاولة للفت الانتباه بعيداً عن سؤال جوهري بات يفرض نفسه في السويداء من الذي بدأ بتصفية قادة الحرس الوطني ولماذا تحولت المجموعات المسلحة التي تزعم حماية المحافظة إلى بيئة مفتوحة للاغتيالات والعبوات الناسفة.

وتشير المعطيات المتوفرة من داخل السويداء إلى أن العمليتين تحملان بصمات صراع داخلي أكثر من كونهما حدثاً مرتبطاً بأي طرف خارجي، خاصة أن الاستهداف جاء مركّزاً ضد شخصيات نافذة ضمن ميليشيا الهجري نفسها، وفي توقيت متقارب، ما يعزز فرضية وجود تصفيات حسابات بين الأطراف المتنازعة على النفوذ والقرار والموارد.

وتكشف هذه التطورات حجم الهشاشة التي وصلت إليها البنية الأمنية داخل المحافظة، حيث بات مقاتلو الحرس الوطني والقريبون منه عرضة للاستهداف المباشر، وسط عجز واضح عن ضبط المشهد أو تقديم رواية مقنعة للرأي العام المحلي.

كما تؤكد الحوادث الأخيرة أن السلاح المنفلت الذي جرى تكريسه خلال الأشهر الماضية تحت شعارات "الحماية الذاتية" و"الإدارة المحلية" بدأ يرتد على حامليه، ليتحول إلى مصدر تهديد يومي حتى داخل الدوائر الأكثر قرباً من الهجري.

ولا تبدو هذه التفجيرات حوادث معزولة، بل تأتي ضمن سياق أوسع من الفلتان المتصاعد الذي يضرب المحافظة، سواء على مستوى الاغتيالات، أو الخطف، أو النزاعات المسلحة بين المجموعات المحلية، بالتوازي مع تدهور خدمي ومعيشي متسارع وانعدام المرجعية الأمنية القادرة على ضبط الأرض.

ومع تكرار استهداف شخصيات محسوبة على الحرس الوطني خلال ساعات قليلة، تبدو السويداء أمام مرحلة أمنية جديدة عنوانها تصفيات داخلية صامتة وانهيار الثقة داخل المعسكر الواحد، وتحول الصراع من حالة توتر سياسي إلى مواجهات خفية تستخدم فيها العبوات الناسفة والرسائل الدموية لتصفية الخصوم.

وفي ظل هذا الواقع، يزداد انكشاف خطاب ميليشيا الهجري التي لطالما ادعت أنها تمثل "حالة حماية" للمحافظة، بينما تكشف الوقائع اليومية أن السويداء باتت تعيش واحدة من أكثر مراحلها اضطراباً، حيث لا أمن للعناصر المسلحة أنفسهم، ولا استقرار للمدنيين الذين يدفعون ثمن هذا التشظي المتسارع.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ