غيرة الطفل بعد ولادة أخ جديد.. ما الذي يقف خلفها؟
مع قدوم طفل جديد إلى الأسرة، تتغير تفاصيل الحياة اليومية ويتوزع اهتمام الوالدين بطريقة مختلفة، وهو ما قد يلاحظه الطفل الأكبر ويؤثر في مشاعره وسلوكه، وقد تظهر لديه مشاعر الغيرة أو التعلق الزائد أو الغضب، خصوصاً إذا شعر أن المولود الجديد أخذ جزءاً من الوقت والاهتمام الذي كان يحصل عليه.
ولا تعني هذه المشاعر بالضرورة رفض الطفل لأخيه أو أخته، وإنما قد تكون تعبيراً عن حاجته إلى الاطمئنان إلى أن مكانته ومحبة والديه له لم تتغير، فكيف يمكن للوالدين فهم هذه المشاعر والتعامل معها بطريقة تساعد الطفل على التكيف مع وجود المولود الجديد؟
غيرة الطفل.. حاجة إلى الأمان
في هذا السياق، قالت الباحثة التربوية دعاء عتيق في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن شعور بعض الأطفال بالغيرة بعد ولادة أخ أو أخت جديدة يُعد في كثير من الحالات استجابة طبيعية للتغير الذي يطرأ على البيئة الأسرية، ولا يعني بالضرورة عدم محبة الطفل لأخيه، بل قد يعكس خوفه من فقدان اهتمام والديه ومكانته لديهما.
وبيّنت أن الطفل الذي اعتاد قدراً معيناً من اهتمام والديه ووقتهما قد يلاحظ بعد قدوم المولود تغيراً في توزيع هذا الاهتمام، فينشأ لديه شعور بالقلق حول مكانته داخل الأسرة، وقد يتساءل بصورة واعية أو غير واعية: «هل ما زال والداي يحبّانني كما كانا؟ وهل ما زلت مهمًا بالنسبة إليهما؟».
وأكدت عتيق أن فهم هذا الجانب يساعد الوالدين على التعامل مع الغيرة بوصفها حاجة إلى الأمان والطمأنينة، أكثر من كونها مشكلة سلوكية ينبغي قمعها.
كيف تظهر الغيرة؟
أشارت الباحثة التربوية إلى أن الغيرة قد تظهر في صور متعددة، منها زيادة التعلق بالوالدين، وكثرة طلب الانتباه، ونوبات الغضب والبكاء، والعناد، وقد تظهر أيضاً في صورة سلوكيات ارتدادية، كأن يعود الطفل إلى طلب المساعدة في أمور كان قادراً على القيام بها بمفرده، أو يصبح أكثر انعزالاً وحزناً.
وأكدت أن السلوك الظاهر قد يكون رسالة عن احتياج عاطفي غير مُعبَّر عنه، ولذلك فإن التعامل معه يبدأ بمحاولة فهم ما وراء السلوك، وليس الاكتفاء بمحاولة إيقافه.
وحذّرت من توبيخ الطفل على مشاعره، أو وصفه أمام الآخرين بأنه «غيور» أو «أناني»، أو مقارنته بالمولود، أو مطالبته بأن يكون «كبيراً» وألا يحتاج إلى اهتمام والديه، كما نبّهت إلى أن إجباره على إظهار الحب تجاه أخيه قبل أن يكون مستعداً لذلك قد يزيد من مقاومته، مؤكدة أن المشاعر لا تُلغى بالأوامر، وإنما تُفهم وتُحتوى وتُوجَّه.
كيف يساعد الوالدان الطفل على التكيف؟
وأوضحت أن من أهم الأساليب التي تساعد الطفل على التكيف الحفاظ قدر الإمكان على روتينه اليومي، وتخصيص وقت خاص له بعيداً عن انشغال الوالدين بالمولود، والاستماع إليه باهتمام، وتعزيز سلوكياته الإيجابية، وإشراكه بصورة بسيطة في بعض تفاصيل استقبال المولود، دون تحميله مسؤوليات تفوق عمره.
وشدّدت دعاء عتيق في تصريح خاص لـ«شام» على أن طمأنة الطفل لا ينبغي أن تقتصر على الكلمات، بل يجب أن يلمس الحب في الممارسة اليومية من خلال الوقت والاحتضان والاهتمام والاستماع.
ومن المفيد أن يقول الوالدان له: «أفهم أنك تشعر أحياناً بأننا منشغلون بالطفل أكثر، وهذا قد يجعلك حزيناً أو غاضباً، لكن مكانتك عندنا لم تتغير»، مع منحه مساحة للتعبير عن مشاعره، مع وضع حدود واضحة تمنع إيذاء نفسه أو أخيه.
العلاقة بين الإخوة تُبنى مع الوقت
وأشارت دعاء عتيق إلى أن العلاقة بين الإخوة تُبنى مع الوقت، ولا تُفرض بالأوامر، وأن الهدف ليس أن يتوقف الطفل عن الغيرة فوراً، وإنما أن يشعر بالأمان، ويتعلم التعبير عن مشاعره بطريقة صحية، ويدرك أن قدوم طفل جديد لم ينتقص من قيمته أو مكانته داخل الأسرة.
وأكدت أن السؤال الأهم عند ظهور الغيرة ليس: «كيف نجعل الطفل يتوقف عن الغيرة؟»، وإنما: «ماذا يحاول الطفل أن يخبرنا من خلال غيرته؟»؛ فالانتقال من الحكم على السلوك إلى فهم أسبابه واحتياجات الطفل الكامنة وراءه يمثل خطوة أساسية في بناء طفل أكثر أماناً وأسرة أكثر توازناً.
ومع اختلاف طريقة استجابة الأطفال لولادة أخ أو أخت جديدة، تبقى الغيرة من المشاعر التي قد تظهر خلال هذه المرحلة، وقد تتخذ أشكالاً مختلفة من طفل إلى آخر، ما يجعل التعامل معها مرتبطاً بعمر الطفل وشخصيته وطبيعة التغيرات التي طرأت على الحياة الأسرية.