الحصة الأولى.. كيف يبدأ المعلم عامه الدراسي مع طلابه؟
مع اقتراب بدء العام الدراسي، يستعد المعلمون لدخول الصفوف والتعرف إلى طلاب جدد، لتكون الحصة الأولى بداية للتعارف ووضع أسس واضحة للعام الدراسي، وفي هذا اللقاء، لا يتعرف الطلاب إلى المادة فقط، بل إلى شخصية معلمهم وطريقة تعامله معهم.
وقد يترك هذا اللقاء أثراً في نظرة الطلاب إلى المعلم والمادة طوال العام، ما يجعل طريقة إدارة الحصة الأولى مهمة، بدءاً من التعارف وكسر الحاجز مع الطلاب، وصولاً إلى وضع القواعد والتعامل مع اختلاف شخصياتهم واحتياجاتهم.
في هذا الإطار، قال مدرس مادة اللغة الإنجليزية، محمد عساف، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الحصة الأولى تعد بمثابة «حجر الأساس» للعام الدراسي بأكمله، موضحاً أن الهدف منها لا يتمثل في البدء الفوري بشرح المنهج، بقدر ما يرتبط بتهيئة البيئة النفسية والاجتماعية المناسبة للتعلم.
ومن أبرز الخطوات التي يمكن للمعلم اتباعها لكسر الجمود، البدء بالتعريف بنفسه بأسلوب دافئ ومبسط، بعيدًا عن إملاء القواعد بشكل صارم منذ الدقائق الأولى، مع إتاحة فرصة سريعة ومبتكرة للطلاب لتقديم أنفسهم.
وأشار عساف إلى أهمية إظهار الشغف والاهتمام من خلال التعرف على تطلعات الطلاب وآرائهم حول المادة، وإشعارهم بأن المعلم موجود لدعمهم في رحلتهم التعليمية، وليس لتقييمهم أو تصيد أخطائهم.
كما فضل وضع القواعد السلوكية والأكاديمية بشكل تشاركي، فبدلاً من فرضها بصيغة الأوامر، يمكن صياغتها بالاتفاق والتحاور مع الطلاب حول ما يحتاجه الجميع لضمان بيئة صفية مريحة وناجحة، بما يعزز الشعور بالمسؤولية والالتزام الذاتي.
وأكد أهمية توضيح رؤية المادة وخطة العام، من خلال تقديم لمحة موجزة ومحفزة عما سيتم دراسته، وبيان أهميته العملية بعيداً عن التعقيد، بما يساعد الطلاب على الشعور بالأمان والوضوح.
وفيما يتعلق بالتوازن بين الود والمرونة من جهة، والحزم ووضع حدود واضحة من جهة أخرى، رأى عساف أن الجمع بينهما يمثل جوهر الإدارة الصفية الناجحة، فالحزم لا يعني القسوة أو التجهّم، وإنما الوضوح والثبات، بينما يعكس الود الاحترام والتعاطف ويساعد الحزم على ضمان الانضباط واحترام الحدود.
ولفت المدرس أحمد إلى أنه يمكن للمعلم أن يكون مبتسماً ولطيفاً أثناء شرح القواعد، وفي الوقت نفسه واضحاً بشأن العواقب المترتبة على تجاوزها، دون اللجوء إلى الانفعال أو الحدة اللفظية.
أما المرونة فتتمثل في الاستماع إلى ظروف الطلاب ومراعاة احتياجاتهم، بينما يؤدي عدم المساواة أو عدم تطبيق النظام إلى إضعاف هيبة المعلم، ويقوم الحزم الواعي على احترام الطلاب والاهتمام بهم، مع الحرص على الانضباط لضمان حق الجميع في التعلم، بحسب أحمد عساف.
وحول التصرفات التي قد تترك انطباعاً سلبياً لدى الطلاب في اللقاء الأول، حذر عساف من استعراض السطوة والتهديد، من خلال التلويح بالعقوبات والدرجات أو المبالغة في قسوة القوانين بهدف فرض السيطرة مبكراً، لأن ذلك يبني جداراً من الخوف والجفاء بدلاً من الاحترام.
كذلك، فإن البدء مباشرة بالشرح الروتيني وتجاهل التمهيد لبناء العلاقة مع الطلاب قد يجعل البيئة الصفية جافة ومملة منذ البداية، إلى جانب أهمية الانتباه إلى لغة الجسد والانفعالات، وتجنب التوتر أو التجهّم الدائم أو الإكثار من الانتقاد، وكذلك الإشارة إلى تجارب سلبية مع صفوف سابقة.
ومن التصرفات التي ينبغي تجنبها أيضاً تجاهل بعض الطلاب أو التمييز بينهم، من خلال التركيز على الطلاب المشاغبين أو المتفوقين فقط وإهمال بقية الصف، لأن ذلك قد يعطي انطباعاً مبكراً بعدم العدالة.
وفيما يتعلق بتعرف المعلم إلى شخصيات الطلاب واحتياجاتهم منذ الحصة الأولى، أوضح عساف أن ذلك يتطلب أدوات تربوية لا تعتمد على الأسئلة المباشرة أو المحرجة، ومن بينها الاستبيانات التمهيدية القصيرة، التي يمكن أن يكتب فيها الطالب اسمه وهوايته وطريقته المفضلة في التعلم، إضافة إلى شيء واحد يتمنى أن يعرفه المعلم عنه أو يساعده فيه.
وتوفر هذه الطريقة خصوصية للطلاب، وتتيح للخجولين التعبير عن أنفسهم، كما يمكن للمعلم الاستفادة من الأنشطة التفاعلية الجماعية، عبر تقسيم الطلاب إلى مجموعات صغيرة لمناقشة فكرة عامة أو ممارسة لعبة تعليمية قصيرة، بما يساعده على ملاحظة أنماط مختلفة من الشخصيات، كالقيادي والخجول والمتحفز والمتحدث.
كما يساعد الإنصات والملاحظة غير المباشرة في التعرف إلى الطلاب، من خلال الاستماع إلى تعليقاتهم وردود أفعالهم خلال الحوار المفتوح، دون إحراج أي طالب أو إجباره على الإجابة أمام زملائه.
وأكد أحمد عساف في تصريح خاص لـ شام أن الانطباع الأول الذي يتشكل لدى الطلاب عن المعلم في بداية التعارف يمكن أن يكون له أثر ممتد في علاقتهم به وتفاعلهم معه خلال العام الدراسي، موضحاً أن الصورة الذهنية التي تتكون خلال الحصص الأولى قد تؤثر في رغبة الطالب في الإقبال على المادة أو النفور منها.
فالطالب الذي يشعر بالأمان والاحتواء منذ اليوم الأول يكون أكثر تقبلاً للملاحظات وأكثر رغبة في المشاركة، كما أن الانطباع القائم على الاحترام المتبادل والكفاءة قد يسهم في تسهيل الإدارة الصفية لاحقاً، إذ يشعر الطلاب بأن القواعد وضعت لصالحهم وليست ضد حريتهم.
ورغم أن الانطباع الأول ليس نهائياً ويمكن تعديله مع الوقت، فإن تغيير الانطباع السلبي قد يتطلب جهداً ووقتاً أكبر مقارنة بالبدء بانطباع متوازن وإيجابي منذ اللقاء الأول، وفقاً لـ عساف.
وفي سياق متصل، يؤكد تربويون أن الحصة الأولى تمنح المعلم فرصة للتعرف إلى مستوى الطلاب وطريقة تفاعلهم، كما تساعده على ملاحظة الفروق بينهم في المشاركة والتواصل والاستجابة للتوجيهات.
ويرون أن التعامل مع هذه الملاحظات بهدوء منذ البداية يساعد المعلم على اختيار أساليب مناسبة للتعامل مع الصف خلال الفترة اللاحقة، مع مراعاة اختلاف قدرات الطلاب وشخصياتهم.
تبقى الحصة الأولى إحدى المحطات التي يتعرف فيها الطلاب إلى معلمهم ويتعرف المعلم إلى طلابه، فيما تتشكل العلاقة داخل الصف تدريجياً مع استمرار الدروس والتفاعل اليومي، وتختلف طبيعة هذه العلاقة من صف إلى آخر، تبعاً للطلاب والمعلم وظروف العملية التعليمية.