انشغال الوالدين.. بين ضرورات الحياة وحاجة الطفل للاهتمام
مع تزايد مسؤوليات الوالدين وضغوط الحياة اليومية، قد يصبح الوقت الذي يقضيانه مع أطفالهما محدوداً، ما قد ينعكس على شعور الطفل بالاهتمام والأمان العاطفي، خاصة عندما يتكرر انشغال الوالدين ويقل التواصل المباشر معه.
وبين متطلبات العمل والحياة اليومية واحتياجات الأطفال، يبرز التساؤل حول أثر هذا الانشغال في سلوك الطفل ومشاعره، وكيف يمكن للوالدين الحفاظ على علاقة قريبة معه، حتى عندما لا يملكان وقتاً طويلاً.
في هذا السياق، قالت الدكتورة ميس أمرير، عميد كلية التربية والعلوم الاجتماعية في جامعة باشاك شهير، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن شعور الطفل بالأمان العاطفي لا يرتبط بوجود الوالدين إلى جانبه جسدياً فقط، وإنما بمدى شعوره بأنهما متاحان له نفسياً وعاطفياً ويستمعان إليه ويستجيبان لاحتياجاته.
وأوضحت أن انشغال الوالدين بصورة مستمرة قد يدفع الطفل، خصوصاً في المراحل العمرية المبكرة، إلى تفسير ذلك على أنه عدم اهتمام به أو عدم أهمية لمشاعره، حتى لو لم يكن هذا مقصوداً من الوالدين، ومع استمرار هذا النمط، قد يتراجع شعوره بالاحتواء والانتماء، وقد يبحث عن الاهتمام بطرق مختلفة، مثل زيادة المطالب أو إثارة المشكلات أو الانسحاب.
وبينت أن الاستجابة المنتظمة والحساسة لاحتياجات الطفل تسهم في بناء شعوره بالأمان وثقته بالآخرين، مشيرة إلى أن الأطفال قد يعبّرون عن شعورهم بقلة الاهتمام بطرق مختلفة، بحسب أعمارهم وشخصياتهم وظروفهم.
وأضافت أمرير أن بعض المؤشرات قد تظهر في صورة زيادة التعلق بالوالدين، أو كثرة طلب الانتباه، أو نوبات الغضب والعناد، بينما قد يتجه أطفال آخرون إلى الانسحاب من التفاعل أو تراجع الدافعية، وقد تظهر أيضاً تغيرات في النوم أو الشهية، وصعوبة في التركيز، أو تراجع في الأداء الدراسي.
ونبهت إلى أن هذه السلوكيات لا تعني بالضرورة وجود إهمال، إذ يمكن أن تكون لها أسباب أخرى، لكن تكرارها بالتزامن مع شعور الطفل بقلة الاهتمام يستدعي من الوالدين التوقف ومراجعة طبيعة العلاقة والوقت المخصص له.
وحول تأثير نوع انشغال الوالدين، ذكرت أمرير أن أثره يختلف بحسب طبيعته وطريقة حدوثه، موضحة أن الطفل يستطيع عادةً فهم انشغال والده بالعمل أو بمسؤولية ضرورية، خصوصاً عندما يشرح له السبب ويحدد وقتاً واضحاً للتواصل معه.
ولفتت إلى أن الانشغال المتكرر بالهاتف أو مواقع التواصل الاجتماعي أثناء وجود الطفل قد يكون أكثر ارتباكاً له، لأنه يرى والده حاضراً جسدياً لكنه غير متاح له نفسياً لذلك، لا تكمن المشكلة في العمل أو استخدام الهاتف بحد ذاتهما، وإنما عندما يتحولان إلى عائق مستمر أمام التواصل مع الطفل والاستجابة لاحتياجاته العاطفية.
وأكدت أن تحقيق التوازن بين مسؤوليات الوالدين واحتياجات الطفل لا يعني التفرغ له طوال اليوم، لأن ذلك غير واقعي بالنسبة إلى معظم الأسر، وإنما يتطلب تخصيص مساحة منتظمة وواضحة للعلاقة معه ضمن الحياة اليومية.
وأفادت ميس أمرير بأن تخصيص وقت قصير يوميًا للحوار أو اللعب أو المشاركة في نشاط يحبه الطفل يمكن أن يساعد، خاصة مع إبعاد الهاتف والمشتتات خلال هذه الفترة، كما يسهم تنظيم الروتين الأسري في منح الطفل شعوراً بالاستقرار والقدرة على توقع ما سيحدث.
وشددت على أهمية أن يشعر الطفل بوجود وقت يمكنه خلاله الحديث مع والديه وطلب الدعم منهما، حتى لو كان هذا الوقت محدوداً، موضحة أن قيمة الوقت لا تقاس بعدد ساعاته فقط، وإنما بجودة التفاعل الذي يحدث خلاله.
وأشارت إلى أن عشرين دقيقة من الإصغاء الحقيقي والحوار واللعب والمشاركة الوجدانية قد تكون أكثر تأثيراً من ساعات يقضيها الطفل إلى جانب والديه دون تواصل فعلي، لكنها أوضحت أن الوقت النوعي لا يمكن أن يكون بديلاً كاملاً عن الحضور المستمر.
وأكدت الدكتورة ميس في تصريح خاص لـ شام أن الطفل يحتاج أيضاً إلى الشعور بأن والديه متاحان عندما يحتاج إليهما، ولذلك لا يتعلق الأمر بتعويض الغياب الطويل بوقت قصير، وإنما بإيجاد نمط متوازن يجمع بين الحضور اليومي والاستجابة العاطفية وتخصيص أوقات يشعر فيها الطفل بأنه محور اهتمام والديه.
وخلصت إلى أن الطفل يحتاج إلى الشعور بأنه مرئي ومسموع ومهم في حياة والديه، موضحة أن انشغال الوالدين بحد ذاته ليس المشكلة، وإنما عندما يصبح الطفل بصورة متكررة في المرتبة الأخيرة من الاهتمام.
وبيّنت أن التربية الجيدة لا تعني التفرغ الكامل، بل إدارة المسؤوليات بطريقة لا تجعل الطفل يعيش بصورة مستمرة شعوراً بأنه غير مهم أو غير مسموع، مشيرة إلى أن الإصغاء الحقيقي، والنظر إلى الطفل أثناء الحديث، والحوار القصير، والاحتضان، والمشاركة في نشاط بسيط، قد تحمل رسائل عاطفية تسهم في بناء شعوره بالأمان والثقة.
يرتبط أثر انشغال الوالدين بمدة الوقت التي يقضيانها مع الطفل فقط، وإنما بجودة التواصل والحضور الذي يقدمانه له، ومدى شعوره بالاهتمام وإمكانية اللجوء إليهما عند الحاجة، في وقت يمكن فيه لتنظيم الوقت وتخصيص مساحة للحوار والمشاركة أن يساعدا على الحفاظ على علاقة قريبة ومستقرة داخل الأسرة.