العودة إلى تلذهب.. منازل متضررة وخدمات محدودة ومبادرات أهلية لمواجهة الأزمات
تواجه العائلات العائدة إلى بلدة تلذهب في منطقة الحولة بريف حمص تحديات معيشية وخدمية متعددة، بعد سنوات من النزوح والتهجير، في ظل الأضرار التي لحقت بالمنازل والبنية التحتية، وضعف فرص العمل والخدمات الأساسية، ما ينعكس على قدرة الأهالي على استعادة حياتهم والاستقرار في مناطقهم.
ورغم المبادرات المحلية التي أسهمت في ترميم بعض المنازل والمدارس وتحسين خدمات الكهرباء والمياه والصرف الصحي، لا تزال البلدة بحاجة إلى مشروعات تأهيل واسعة، خصوصاً مع تضرر أكثر من نصف بنيتها التحتية، ومحدودية الإمكانات المتاحة لتلبية احتياجات السكان.
وفي حديث لشبكة شام الإخبارية، استعرض رئيس مجلس بلدة تلذهب، أسامة محمود العلوش، واقع الخدمات والتحديات التي تواجه العائدين، فيما تناول معن أبو النور، من فريق إغاثة تلذهب، الظروف الاجتماعية والمعيشية وجهود المبادرات الأهلية لمساعدة الأسر المتضررة.
تحديات السكن والعمل بعد العودة
أكد رئيس مجلس بلدة تلذهب بريف حمص، أسامة محمود العلوش، أن العائلات العائدة بعد سنوات طويلة من النزوح تواجه صعوبات في التكيف مع الواقع الخدمي والمعيشي، خصوصاً فيما يتعلق بترميم المنازل المتضررة أو تأمين مساكن بديلة للأسر الشابة.
وأوضح أن ضعف فرص العمل وتدني الأجور يشكلان عقبتين أساسيتين أمام استقرار العائدين، إلى جانب الصعوبات التي تواجه بعض الأسر في استكمال إجراءات تسجيل وقائع الأحوال المدنية، بما فيها الزواج والطلاق والولادات والوفيات.
وأشار إلى وجود تحديات تعليمية تتعلق بتكيف الطلاب العائدين مع المناهج الدراسية، فضلاً عن حالات تسرب مدرسي، موضحاً أنه جرى اعتماد منهج «ب» للمساعدة في معالجة هذه المشكلة.
وفيما يتعلق بحركة السكان، أفاد العلوش بأن نسبة النزوح بلغت 60%، فيما أشار إلى وصول نسبة العائدين إلى 50%، دون تحديد الأساس الإحصائي الذي استُخدم لاحتساب النسبتين.
وبيّن أن استمرار إقامة بعض الأهالي خارج البلدة يرتبط باستقرارهم في مناطق النزوح، وارتباطهم بأعمالهم ومتابعة أبنائهم للدراسة، إضافة إلى ضعف الخدمات المتاحة في تلذهب.
أكثر من 50% من البنية التحتية متضررة
كشف العلوش أن نسبة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية في تلذهب تجاوزت 50%، نتيجة القصف والدمار الذي تعرضت له البلدة خلال سنوات الثورة السورية.
وأوضح أن الأضرار شملت قطاعات الكهرباء والمياه والصرف الصحي والتعليم والصحة والنظافة، إلى جانب المباني والمرافق الحكومية.
وأشار إلى أن الجهود المبذولة منذ التحرير تركز على إعادة تأهيل الخدمات الأساسية، ومنها إنارة الطرقات وصيانتها، ومعالجة انسدادات شبكات الصرف الصحي، والمساهمة في تأهيل محطة الصرف الصحي والمعالجة في منطقة الحولة.
ولفت إلى أن تنفيذ المشروعات يجري على مراحل متقطعة تبعاً للإمكانات المتاحة، مع إعطاء الأولوية لأعمال الصيانة وإصلاح الأعطال، في ظل عدم تنفيذ توسعات خدمية تشمل الأحياء التي أُنشئت حديثاً.
كما أشار إلى معاناة البلدة من نقص آليات النظافة وقدم المعدات الموجودة، مؤكداً الحاجة إلى توفير آليات حديثة، ولا سيما ضاغطات القمامة، لتحسين عمليات جمع النفايات والتخلص منها.
وشدد على أهمية تسريع خطط إعادة التأهيل وتوسيع نطاق الخدمات، إلى جانب توفير نافذة واحدة لتسهيل إنجاز المعاملات والخدمات الإدارية للأهالي.
فرص العمل والاستثمار من متطلبات الاستقرار
اعتبر العلوش أن تحسين الخدمات، رغم أهميته، لا يكفي وحده لضمان استقرار العائلات العائدة، ما لم يترافق مع توفير فرص عمل ومصادر دخل مستدامة.
وأكد ضرورة تشجيع المشروعات الاستثمارية والأنشطة الاقتصادية المحلية، بما يساعد على تنشيط الحركة التجارية وتوفير فرص عمل للشباب والعائلات التي فقدت مصادر رزقها خلال سنوات النزوح.
وأوضح أن عودة السكان بصورة مستقرة تتطلب معالجة احتياجات السكن والتعليم والخدمات الأساسية، إلى جانب إيجاد بيئة اقتصادية تسمح للأهالي بإعادة بناء حياتهم.
آثار اجتماعية ومعيشية خلفتها سنوات القصف
من جانبه، قال معن أبو النور، من فريق إغاثة مدينة تلذهب بريف حمص، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن سنوات القصف والنزوح تركت آثاراً عميقة على الواقع الاجتماعي والمعيشي للسكان.
وأوضح أن الخوف من القصف دفع كثيراً من العائلات إلى مغادرة البلدة واللجوء إلى مناطق ودول مختلفة، بينها لبنان والسعودية والأردن وتركيا، بحثاً عن الأمان وحماية أبنائها.
وأشار إلى أن الظروف الاقتصادية تدهورت بصورة كبيرة، وأن غالبية الأهالي تعيش تحت خط الفقر، وفق تقديره، في ظل محدودية مصادر الدخل وارتفاع الاحتياجات المعيشية.
وأضاف أن بعض العائلات تمكنت من العودة والاستقرار نسبياً، فيما لا تزال أسر أخرى خارج البلدة، بسبب صعوبة تأمين السكن والعمل والخدمات اللازمة للعودة.
مبادرات أهلية لترميم المنازل ومساعدة الأسر
أوضح أبو النور أن أبناء تلذهب في الداخل والخارج أطلقوا مبادرات محلية لمساعدة العائلات الأكثر احتياجاً، في محاولة للتخفيف من آثار الحرب وضعف الخدمات.
وأشار إلى دور لجنة «تلذهب من ذهب» في تقديم مساعدات للأسر الفقيرة والمساهمة في تغطية تكاليف بعض العمليات الجراحية، إلى جانب جهود أهلية لدعم الاحتياجات الأساسية.
وشملت المبادرات ترميم منازل ومدارس متضررة، وزراعة الأشجار، وتوفير مستلزمات التدفئة، وتركيب منظومات طاقة شمسية لتشغيل بعض الآبار.
وأكد أبو النور أن هذه الجهود تعتمد بصورة أساسية على مساهمات أبناء البلدة، في ظل غياب المساعدات المقدمة من المنظمات الإنسانية، وفق وصفه.
ولفت إلى أن المبادرات الأهلية أسهمت في معالجة بعض الاحتياجات العاجلة، إلا أن حجم الأضرار ومتطلبات إعادة التأهيل يتجاوزان الإمكانات المحلية المتاحة.
التعليم.. حاجة إلى مدارس جديدة
سلط أبو النور الضوء على التحديات التي تواجه القطاع التعليمي في تلذهب، خصوصاً مع زيادة عدد السكان وعودة بعض العائلات إلى البلدة.
وأوضح أن الطلاب في منطقتي الكيلاني شرقي البلدة والكريدية غربيها يواجهون صعوبات يومية في الوصول إلى المدارس، بسبب بعدها عن أماكن سكنهم وعدم تعبيد الطرق المؤدية إليها.
وأشار إلى أن هذه الظروف تزيد الأعباء على الطلاب وأهاليهم، ولا سيما خلال فصل الشتاء، عندما تصبح حركة التنقل أكثر صعوبة.
ودعا المنظمات الإنسانية والجمعيات، بالتعاون مع المكتب التربوي في الحولة والجهات المعنية، إلى دراسة إمكانية إنشاء مدارس في المنطقتين، بما يسهم في تخفيف الضغط عن المؤسسات التعليمية القائمة وتحسين وصول الأطفال إلى التعليم.
وأكد أن معالجة المشكلات التعليمية تمثل أحد المتطلبات الأساسية لاستقرار العائلات العائدة، خصوصاً في ظل حالات التسرب المدرسي وصعوبات التكيف مع المناهج.
احتياجات صحية واجتماعية للفئات الأكثر ضعفاً
أشار أبو النور إلى حاجة بعض الأسر إلى دعم اجتماعي وصحي منتظم، ولا سيما العائلات التي لا تمتلك معيلاً أو مصدراً ثابتاً للدخل.
وأكد أهمية توفير المستلزمات الضرورية للأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن، ومنها الكراسي المتحركة والحفاضات الطبية، بالتنسيق مع مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل والجهات المعنية.
كما دعا إلى إيجاد جمعية أو مؤسسة تتولى متابعة أوضاع الأسر الأكثر احتياجاً وتقديم المساعدات بصورة منتظمة.
وفي الجانب الصحي والإغاثي، طرح الحاجة إلى إنشاء نقطة للهلال الأحمر في تلذهب، نظراً إلى بعدها عن المدينة والصعوبات التي يواجهها السكان في الوصول إلى بعض الخدمات.
وأوضح أن نقطة للهلال الأحمر كانت موجودة سابقاً في كفرلاها قبل إغلاقها، معتبراً أن وجود مركز قريب يمكن أن يسهم في تحسين وصول المساعدات والخدمات إلى الأهالي.
الصرف الصحي والكهرباء.. جهود صيانة مستمرة
تحدث أبو النور عن المشكلات المتكررة في شبكات الصرف الصحي، موضحاً أن بعض القنوات تتعرض للانسداد خلال فصل الشتاء، ما يتسبب بأضرار ومشكلات للأهالي في المناطق المتضررة.
وأشار إلى أن مجلس البلدة يعمل على فتح القنوات المتهالكة وتنظيفها بعد سنوات من الإهمال، فيما أسهمت إدارة المنطقة، بالتعاون مع إحدى المنظمات وبجهود محلية، في تشغيل مضخات الصرف الصحي وضخ المياه إلى النهر الصناعي.
وفي قطاع الكهرباء، أوضح أن الجهود الحالية تشمل استبدال الأسلاك المتهالكة وبعض المحولات وتجهيزات التوزيع، بهدف الحد من الأعطال وتحسين استقرار التغذية الكهربائية.
ولفت إلى أن هذه الأعمال تمثل خطوات لتحسين الخدمات، لكنها لا تغطي جميع الاحتياجات، في ظل اتساع الأضرار ونقص الموارد اللازمة لتنفيذ مشروعات تأهيل شاملة.
تحديات مستمرة أمام استقرار العائدين
تظهر المعطيات التي قدمها المسؤولون المحليون أن التحديات في تلذهب تتداخل بين الأضرار المادية والظروف الاقتصادية والاجتماعية، ما يجعل استقرار العائلات العائدة مرتبطاً بمعالجة مجموعة من الاحتياجات بصورة متزامنة.
وتشمل الأولويات إعادة تأهيل المساكن والبنية التحتية، وتوسيع الخدمات التعليمية والصحية، وتحسين شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي، إلى جانب توفير فرص العمل ودعم الأسر الأكثر ضعفاً.
وفي الوقت الذي تواصل فيه المبادرات الأهلية والمجلس المحلي تنفيذ أعمال الصيانة والمساعدة وفق الإمكانات المتاحة، تبرز الحاجة إلى دعم مؤسسي أوسع وتنسيق بين الجهات الحكومية والمنظمات الإنسانية والمجتمع المحلي.
ويبقى تحسين الظروف المعيشية وتوفير الخدمات وفرص العمل من العوامل الأساسية لتشجيع بقية النازحين على العودة، ومساعدة العائلات التي عادت بالفعل على استعادة الاستقرار بعد سنوات طويلة من النزوح والتهجير.