المرافئ السورية في 2026.. خبير يوضح فرص التطوير وأبرز التحديات؟
تشهد المرافئ السورية خلال عام 2026 تحولات في نشاطها التجاري والتشغيلي، مع ارتفاع مؤشرات حركة السفن والبضائع في بعض المرافئ، وتوسع مشروعات تحديث المعدات والبنية التحتية، بالتزامن مع اتفاقيات استثمارية تستهدف تطوير الخدمات البحرية وتعزيز دور سوريا في حركة التجارة الإقليمية والدولية.
وتبرز أهمية هذه التطورات في ارتباط المرافئ بتأمين الواردات الأساسية والمواد الأولية والوقود، وتسهيل تصدير المنتجات المحلية، فضلاً عن دورها في خفض تكاليف النقل وتنشيط الخدمات اللوجستية وتوفير فرص العمل.
وأكد الأكاديمي والخبير الاقتصادي الدكتور ياسر الحسين، في حديث لشبكة شام الإخبارية، أن تقييم أداء المرافئ السورية يتطلب النظر إلى مجموعة متكاملة من المؤشرات، تتجاوز أعداد السفن الوافدة لتشمل حجم البضائع والحاويات، وسرعة المناولة، وزمن انتظار السفن، وتكاليف الخدمات.
وأوضح أن الارتفاع المسجل في بعض مؤشرات النشاط يمثل تطوراً إيجابياً، إلا أن تحقيق نتائج اقتصادية مستدامة يرتبط بتحسين الكفاءة التشغيلية وتطوير البنية التحتية والإجراءات الإدارية، إلى جانب توجيه الاستثمارات نحو الاحتياجات الفعلية للقطاع.
مرفأ اللاذقية.. ارتفاع في حركة السفن والبضائع
أوضح الحسين أن المرافئ السورية حظيت باهتمام متزايد بعد التحرير، تجسد في توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم، وإطلاق خطوات لتحديث المعدات وتطوير الخدمات.
وأشار إلى أن البيانات المنشورة تظهر استقبال مرفأ اللاذقية 532 سفينة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، ومناولة أكثر من 3.7 ملايين طن من البضائع، وتسجيل نحو 219 ألف حاوية حتى نهاية أيلول.
وبالمقارنة مع عام 2025 بأكمله، استقبل المرفأ خلال العام الماضي 512 سفينة، وناول نحو 3.255 ملايين طن من البضائع، وسجل 176,930 حاوية.
وبيّن الحسين أن أرقام الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري تجاوزت إجمالي العام السابق في المؤشرات الثلاثة، إذ ارتفع عدد السفن بنحو 3.9%، وحجم البضائع بنسبة لا تقل عن 13.7%، وعدد الحاويات بنحو 23.8%.
ونبّه إلى أن هذه النسب تعكس الفرق بين إجمالي الأشهر التسعة الأولى من عام 2026 وعام 2025 كاملاً، ولا تمثل معدلات نمو سنوية نهائية، ما يستدعي الحذر عند استخدامها لتقييم الأداء.
مرفأ طرطوس.. نحو خمسة ملايين طن من البضائع
وفي مرفأ طرطوس، أشار الحسين إلى استقبال 551 باخرة ومناولة نحو خمسة ملايين طن من البضائع حتى الرابع من آب 2026.
وتوزعت الكميات بين نحو 3.9 ملايين طن من الواردات و1.1 مليون طن من الصادرات، مقارنة باستقبال 924 باخرة ومناولة 6.546 ملايين طن خلال عام 2025 بأكمله.
وأكد أن المقارنة الدقيقة بين أداء المرفأ في العامين تتطلب بيانات تغطي فترات زمنية متماثلة، بما يسمح بتحديد اتجاهات النشاط الفعلية بعيداً عن الاستنتاجات القائمة على فترات مختلفة.
وأوضح أن أهمية هذه الأرقام ترتبط بدور المرافئ في تأمين احتياجات السوق المحلية وتسهيل حركة التجارة، إلا أن زيادة حجم البضائع لا تعني بالضرورة تحسن الكفاءة التشغيلية، ما لم تترافق مع تسريع المناولة وتقليص فترات الانتظار وخفض التكاليف.
معدات حديثة لتسريع المناولة
لفت الحسين إلى أن مرفأ اللاذقية شهد خلال الأشهر الأخيرة خطوات لتحديث معدات المناولة، أبرزها وصول ست رافعات جسرية حديثة إلى محطة الحاويات خلال تشرين الأول 2026.
كما وصلت إلى المرفأ في 28 أيلول الماضي 16 رافعة شوكية، تبلغ قدرة رفع كل منها ثلاثة أطنان، في إطار تعزيز التجهيزات المستخدمة في عمليات مناولة البضائع.
وأوضح أن تحديث المعدات يسهم في زيادة القدرة التشغيلية، لكنه لا يكفي وحده لتقليص زمن انتظار السفن، لأن سرعة العمل ترتبط أيضاً بإدارة الأرصفة والإجراءات الجمركية ونقل البضائع إلى المستودعات والأسواق.
وأشار إلى أن تأخر تفريغ السفن يرفع تكاليف التشغيل والنقل والتأمين، وقد تنعكس هذه الزيادات على أسعار السلع المستوردة وتكاليف الإنتاج.
وشدد على ضرورة قياس النتائج الفعلية للمعدات الجديدة بعد دخولها الخدمة، من خلال بيانات توضح الزيادة في حجم المناولة، ومدى انخفاض فترات الانتظار والتكاليف التشغيلية.
تطوير الإجراءات الجمركية والربط اللوجستي
أكد الحسين أن تحسين أداء المرافئ يتطلب تحديث منظومة العمل بصورة متكاملة، بدءاً من جدولة وصول السفن وتخصيص الأرصفة، وصولاً إلى التخليص الجمركي ونقل البضائع.
وأوضح أن بطء الإجراءات الجمركية أو تأخر نقل الحاويات من الأرصفة إلى المستودعات قد يقلل من الفوائد المتحققة من تحديث المعدات.
ودعا إلى توسيع استخدام الأنظمة الإلكترونية وتبادل البيانات مسبقاً بين شركات الشحن والجمارك والمخلصين، وتعزيز التنسيق بين الجهات الرقابية.
كما شدد على أهمية تحديث أنظمة إدارة الأرصفة والساحات والمستودعات، وتحسين الربط بين المرافئ وشبكات النقل البري والسككي، بما يسهم في تسريع وصول البضائع إلى الأسواق الداخلية.
استثمارات في مرفأ اللاذقية
أشار الحسين إلى أن تطوير محطة الحاويات في مرفأ اللاذقية يشكل أحد أبرز المشروعات الاستثمارية في القطاع، بموجب اتفاقية مع شركة CMA CGM الفرنسية تمتد ثلاثين عاماً.
وأوضح أن الاتفاقية تتضمن، وفق الأرقام المعلنة، استثمارات بقيمة 30 مليون يورو خلال السنة الأولى، تليها استثمارات إضافية تصل إلى 200 مليون يورو خلال السنوات الثلاث التالية.
ويستهدف المشروع تحديث محطة الحاويات وتطوير قدراتها التشغيلية، وتحسين خدمات استقبال السفن ومناولة البضائع، بما يعزز قدرة المرفأ على المنافسة.
لكن الحسين شدد على ضرورة التمييز بين قيمة الاستثمارات المعلنة والمبالغ التي أُنفقت فعلياً، مشيراً إلى عدم توافر بيانات مكتملة عن نسب الإنجاز الإجمالية أو المواعيد النهائية لتنفيذ جميع مراحل المشروع.
واعتبر أن تقييم الجدوى الاقتصادية لهذه الاستثمارات يتطلب متابعة أثرها على الطاقة الاستيعابية والإنتاجية والتكاليف وجودة الخدمات.
طرطوس.. تطوير الأرصفة وإنشاء حوض للسفن
وفي مرفأ طرطوس، أشار الحسين إلى استلام الرصيف التجاري الرابع وساحاته، بهدف تعزيز القدرة التشغيلية وتخفيف الضغط عن بقية الأرصفة.
كما لفت إلى توقيع اتفاقية استثمار مع شركة تركية في كانون الثاني 2026 لإنشاء حوض للسفن، وفق نموذج البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT).
وأوضح أن المشروع يستهدف تطوير خدمات بناء السفن وإصلاحها وصيانتها، بما يوسع النشاط الاقتصادي للمرفأ خارج نطاق مناولة البضائع التقليدية.
وبيّن أن إنشاء الحوض قد يفتح فرصاً جديدة أمام الصناعات والخدمات المرتبطة بالقطاع البحري، مثل الهندسة الميكانيكية واللحام وقطع الغيار والصيانة.
وأشار إلى عدم توافر معلومات مؤكدة لديه بشأن القيمة الاستثمارية النهائية للمشروع أو موعد بدء تشغيله التجاري، ما يجعل تقييم نتائجه الاقتصادية مرتبطاً بمراحل التنفيذ الفعلية.
مرفأ بانياس وطبيعة النشاط النفطي
وفيما يتعلق بمرفأ بانياس، أوضح الحسين أن تقييم خطط تطويره ينبغي أن يستند إلى طبيعة نشاطه المرتبط بالقطاع النفطي، بدلاً من تطبيق مؤشرات مرافئ الحاويات والبضائع العامة عليه.
وأشار إلى أن أولويات التطوير تشمل سلامة المنشآت وصيانة التجهيزات والالتزام بالمتطلبات البيئية، إلى جانب ضمان موثوقية استقبال ناقلات النفط وتفريغ حمولاتها.
ولفت إلى عدم توافر بيانات رسمية مكتملة لديه حول مشروعات التأهيل الجارية في المرفأ وكلفها ونسب إنجازها ومواعيد دخولها الخدمة.
وأكد أهمية نشر هذه المعلومات لتقييم واقع المرفأ وتحديد احتياجاته الاستثمارية والتشغيلية بصورة دقيقة.
خدمات إصلاح السفن وفرص الكوادر السورية
اعتبر الحسين أن تطوير خدمات إصلاح السفن وصيانتها يمثل فرصة اقتصادية للمرافئ السورية، نظراً إلى ما يمكن أن توفره من إيرادات وفرص عمل فنية وصناعية.
وأوضح أن البيانات المنشورة تشير إلى تسجيل 46 باخرة ضمن فئة الصيانة في مرفأ طرطوس حتى الرابع من آب 2026، ووصول 22 سفينة إلى مرفأ اللاذقية لأعمال الإصلاح حتى نهاية أيلول.
ونبّه إلى أن هذه الأرقام تعكس السفن المسجلة ضمن أنشطة الصيانة والإصلاح، ولا تعني بالضرورة إنجاز جميع الأعمال المتعلقة بها.
وأشار إلى أن تقييم هذا النشاط يتطلب بيانات عن عدد السفن التي اكتملت صيانتها، ومتوسط مدة الإصلاح، وقيمة العقود والإيرادات، وحجم مشاركة الكوادر الوطنية.
وأكد إمكانية الاستفادة من الخبرات السورية في الأعمال الميكانيكية والكهربائية واللحام والإصلاحات الهيكلية، مع ضرورة تطوير مهاراتها عبر التدريب والتجهيزات الحديثة والالتزام بمعايير الجودة والسلامة.
وأضاف أن توسيع خدمات الصيانة قد يقلل حاجة بعض السفن إلى التوجه نحو مرافئ خارج سوريا، شريطة توافر القدرات الفنية والأسعار التنافسية والخدمات المطلوبة.
تحديات تشغيلية واستثمارية
أوضح الحسين أن التحديات التي تواجه المرافئ السورية لا تقتصر على المعدات والبنية التحتية، بل تشمل إدارة العمليات وتوافر الطاقة وقطع الغيار والصيانة الدورية والكوادر المتخصصة.
وأشار إلى أن تحسين الإنتاجية يتطلب تقليص فترات انتظار السفن، وتسريع عمليات التخليص الجمركي، وتطوير إدارة المستودعات والساحات، إلى جانب رفع كفاءة شبكات النقل المرتبطة بالمرافئ.
وأكد أن أي اختناق في إحدى مراحل العمل قد يحد من النتائج المتوقعة للاستثمارات الجديدة، حتى مع توافر معدات حديثة وأرصفة مؤهلة.
وعلى المستوى الاستثماري، شدد على أهمية وضوح العقود والالتزامات المتبادلة بين الجهات العامة والمستثمرين، وتحديد آليات توزيع المخاطر وتسوية النزاعات.
كما دعا إلى تضمين اتفاقيات التشغيل مؤشرات أداء قابلة للقياس، تشمل جاهزية المعدات وزمن المناولة وجودة الخدمات واستمرارية العمل.
وبيّن أن تشغيل المرافئ على مدار الساعة يحتاج إلى تنظيم المناوبات وتوفير الخدمات الجمركية والرقابية والصيانة والأنظمة الرقمية بصورة متكاملة، وليس مجرد تمديد ساعات العمل.
خمسة محاور لتطوير المرافئ السورية
رأى الحسين أن المرحلة المقبلة تتطلب استراتيجية وطنية متكاملة لتطوير المرافئ السورية، تربط نشاطها بالسياسات التجارية والصناعية وشبكات النقل والخدمات اللوجستية.
وحدد خمسة محاور رئيسية يمكن أن تشكل أساساً لهذه الاستراتيجية، يبدأ أولها برفع الكفاءة التشغيلية من خلال تقليص زمن انتظار السفن وتسريع المناولة وتبسيط الإجراءات الجمركية وتوسيع استخدام الأنظمة الرقمية.
ويتمثل المحور الثاني في توجيه الاستثمارات نحو الاحتياجات والاختناقات الفعلية، استناداً إلى دراسات الطلب المتوقع والعائد الاقتصادي والاجتماعي للمشروعات.
أما المحور الثالث، فيركز على تطوير الشراكة مع القطاع الخاص من خلال عقود شفافة وتنافسية، تتضمن التزامات استثمارية واضحة ومواعيد محددة للتنفيذ ومستويات الخدمة وآليات الرقابة.
ويتعلق المحور الرابع بتحويل المرافئ إلى مراكز لوجستية متكاملة، عبر تطوير ارتباطها بالمستودعات ومناطق التخزين وشبكات النقل، وتوسيع خدمات إصلاح السفن والصيانة وإعادة التصدير.
ويركز المحور الخامس على تعزيز الحوكمة والشفافية، من خلال نشر بيانات الأداء والتكاليف والتعرفة والخطط الاستثمارية ونسب الإنجاز، بما يساعد المستثمرين وشركات الشحن على تقييم الفرص والمخاطر.
مستقبل التنافسية وخفض تكاليف التجارة
أكد الحسين أن نجاح تطوير المرافئ السورية ينبغي أن يُقاس بنتائج تشغيلية واقتصادية واضحة، تشمل زيادة حجم البضائع والحاويات التي يمكن مناولتها سنوياً، وتقليص زمن انتظار السفن، ورفع إنتاجية الأرصفة وجاهزية المعدات.
وأوضح أن تحسين هذه المؤشرات يمكن أن ينعكس على خفض تكاليف التجارة، وتعزيز تنافسية المنتجات السورية، وتسهيل حركة الاستيراد والتصدير، إلى جانب توفير فرص عمل واستقطاب استثمارات جديدة.
وشدد على أن تحقيق هذه النتائج يتطلب تكامل تحديث البنية التحتية مع الإصلاح الإداري وتطوير الخدمات اللوجستية وتحسين البيئة التنظيمية والاستثمارية.
وخلص الحسين إلى أن المرافئ السورية تمتلك فرصاً لتوسيع دورها الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة، إلا أن الاستفادة منها ترتبط بقدرتها على تقديم خدمات موثوقة وتنافسية، وتحويل الاستثمارات والمشروعات المعلنة إلى تحسينات ملموسة في الأداء والتكاليف وجودة الخدمات.