الاحتيال.. جريمة تتطور أساليبها وتبقى الوقاية منها خط الدفاع الأول
أحياناً يتعرض بعض الأشخاص لعمليات احتيال تؤدي إلى فقدان أموالهم أو ممتلكاتهم، نتيجة استخدام أساليب خداع وتضليل من قبل أشخاص يستغلون الثقة أو قلة الخبرة، ولا يقتصر هذا السلوك على كونه فعلًا غير أخلاقي فحسب، بل يُعد انتهاكاً صريحاً للقانون.
تتعدد أسباب الوقوع ضحية للاحتيال، ومن أبرزها الثقة الزائدة بالآخرين دون التحقق الكافي، وقلة الوعي بالأساليب الاحتيالية الحديثة، خاصة الإلكترونية، إلى جانب الطمع أو الرغبة في تحقيق أرباح سريعة، والتسرع في اتخاذ القرارات دون تدقيق، فضلاً عن ضعف المعرفة بالإجراءات القانونية والمالية ومشاركة البيانات الشخصية أو البنكية مع جهات غير موثوقة.
التعريف القانوني لجريمة الاحتيال وأركان وقوعها
قالت المحامية سحر نجار في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن التعريف القانوني لجريمة الاحتيال هو أنها إحدى الجرائم الواقعة على الأموال، ويعرّفها القانون السوري بأنها استيلاء الجاني على مال الغير أو منفعة مالية باستعمال وسائل احتيالية، أو باتخاذ اسم كاذب أو صفة غير صحيحة، أو بإيهام المجني عليه بوجود مشروع أو واقعة غير حقيقية، مما يدفعه إلى تسليم المال طواعية نتيجة هذا الخداع.
وأضافت أن الاحتيال يتميز بأن رضا المجني عليه بالتسليم يكون معيباً لأنه بُني على الغش والتدليس، ويُعد الفعل جريمة احتيال وفق القانون السوري في حال توافر الأركان الآتية: الركن المادي ويتمثل في استخدام وسائل احتيالية أو اتخاذ اسم كاذب أو صفة غير صحيحة أو أي وسيلة من شأنها خداع المجني عليه وحمله على تسليم المال أو الحق.
بالإضافة إلى ذلك النتيجة الجرمية وهي انتقال المال أو المنفعة إلى الجاني أو إلى غيره، مع وقوع ضرر مالي على المجني عليه، وعلاقة السببية أي أن يكون تسليم المال قد تم نتيجة مباشرة للخداع والوسائل الاحتيالية، وليس لأي سبب آخر، إلى جانب الركن المعنوي (القصد الجرمي) ويتمثل في علم الجاني بأنه يستخدم وسائل غير مشروعة، واتجاه إرادته إلى خداع المجني عليه والاستيلاء على ماله لتحقيق منفعة غير مشروعة.
الاحتيال عبر الإنترنت
وأشارت نجار إلى أنه مع التطور الرقمي، لم تعد جرائم الاحتيال تقتصر على الأساليب التقليدية، بل توسعت لتشمل وسائل إلكترونية أكثر تعقيداً، ولفتت إلى أن من أبرز صورها: انتحال صفة أشخاص أو جهات رسمية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وإنشاء متاجر إلكترونية أو صفحات وهمية لبيع منتجات أو خدمات غير موجودة.
إلى جانب ما سبق الاحتيال عبر الروابط المزيفة للحصول على البيانات البنكية أو كلمات المرور، والإعلانات الوهمية المتعلقة بالاستثمار أو الوظائف أو المساعدات المالية، إضافة إلى انتحال الهوية واستخدام حسابات مخترقة لطلب تحويل الأموال.
وذكرت أن هذه الأفعال تخضع لأحكام قانون العقوبات، متى توافرت أركانها، وقد تنطبق عليها أيضاً النصوص الخاصة بالجرائم المعلوماتية إذا ارتُكبت باستخدام الوسائل الإلكترونية، مضيفة أن القانون السوري يعاقب مرتكب جريمة الاحتيال بالعقوبات المنصوص عليها في قانون العقوبات، وقد تتشدد العقوبة بحسب ظروف الجريمة، مثل قيمة الأموال المستولى عليها، وتعدد الضحايا، واستخدام وسائل احتيالية متطورة أو وسائل إلكترونية، أو إذا اقترنت الجريمة بجرائم أخرى كالتزوير أو انتحال الصفة.
وأكدت المحامية سحر في تصريح خاص لـ شام أن الأمر لا يقتصر على العقوبة الجزائية، بل يلتزم الجاني أيضًا برد الأموال والتعويض عن الأضرار التي لحقت بالمتضرر متى ثبت ذلك أمام القضاء.
ونوهت إلى أن الفرد يمكن أن يحمي نفسه قانونياً من الوقوع ضحية للاحتيال من خلال التحقق من هوية الأشخاص أو الجهات قبل تحويل أي مبالغ مالية، وعدم مشاركة البيانات الشخصية أو البنكية أو رموز التحقق مع أي شخص.
وذكرت أن توثيق جميع المعاملات والاحتفاظ بالمراسلات والإيصالات والعقود يلعب دوراً هاماً في تجنب الوقوع في فخ الاحتيال، إلى جانب عدم الانسياق وراء العروض التي تعد بأرباح سريعة أو أسعار غير واقعية، إضافة إلى التعامل مع الجهات والمنصات الموثوقة، وطلب عقود أو مستندات قانونية عند إجراء أي معاملة مالية، مؤكدة أن الوعي القانوني والرقمي أصبح من أهم وسائل الحد من جرائم الاحتيال.
بعد وقوع الاحتيال.. كيف يبدأ المتضرر خطواته القانونية؟
وتحدثت نجار عن الخطوات القانونية التي يجب على الشخص اتخاذها في حال تعرض للاحتيال لاسترجاع حقه، مثل جمع جميع الأدلة، كالمحادثات، والإيصالات، وصور التحويلات، والرسائل الإلكترونية.
وأشارت إلى ضرورة التقدم بشكوى جزائية لدى النيابة العامة أو الجهات المختصة دون تأخير، وإبلاغ البنك أو الجهة المالية فوراً إذا كانت الجريمة مرتبطة بتحويلات مالية، لمحاولة وقف العملية أو تتبعها، إلى جانب المطالبة بالحق الشخصي والتعويض ضمن الدعوى الجزائية أو بدعوى مستقلة وفقاً للقانون، مشددة على أن سرعة الإبلاغ تلعب دوراً مهماً في زيادة فرص تتبع الأموال واسترداد الحقوق.
ونوهت إلى أن التعامل القانوني مع قضايا الاحتيال يختلف إذا كان الجاني أو الضحية خارج الدولة (احتيال إلكتروني عابر للحدود، موضحة أن الاحتيال الإلكتروني العابر للحدود يطرح تحديات قانونية وإجرائية تتعلق بالاختصاص القضائي، وجمع الأدلة الرقمية، وتنفيذ الإجراءات في أكثر من دولة.
وذكرت أن تحديد الاختصاص يخضع لأحكام قانون العقوبات وقانون أصول المحاكمات الجزائية والاتفاقيات الدولية النافذة بين الدول، مضيفة أنه في حال وجود تعاون قضائي أو اتفاقيات للمساعدة القانونية المتبادلة، يمكن تبادل المعلومات والأدلة وطلب ملاحقة الجاني أو تنفيذ الأحكام وفقًا للإجراءات القانونية المعمول بها.
وأشارت نجار إلى أنه في الواقع العملي، فإن ملاحقة هذا النوع من الجرائم تتطلب تعاوناً بين السلطات القضائية والأمنية والجهات المختصة بمكافحة الجرائم المعلوماتية، نظرًا للطبيعة العابرة للحدود لهذه الجرائم.
وتظل جريمة الاحتيال من الجرائم التي قد يقع فيها البعض نتيجة الثقة الزائدة أو ضعف الوعي بأساليب الحماية والوقاية، ما قد يعرّضهم لخسائر مادية كبيرة، الأمر الذي يستدعي الانتباه والتعامل بحذر والتحقق قبل إجراء أي معاملة أو مشاركة أي معلومات شخصية، إلى جانب الالتزام بالإجراءات التي تساعد على حماية الحقوق وتقليل فرص الوقوع ضحية لمثل هذه الأفعال، خاصة مع تنوع وسائل الاحتيال وتطورها.