لماذا يخفي الأبناء مشكلاتهم؟.. الأمان داخل الأسرة يحدد مساحة البوح وطلب المساعدة
لماذا يخفي الأبناء مشكلاتهم؟.. الأمان داخل الأسرة يحدد مساحة البوح وطلب المساعدة
● مجتمع ١٣ سبتمبر ٢٠٢٦

لماذا يخفي الأبناء مشكلاتهم؟.. الأمان داخل الأسرة يحدد مساحة البوح وطلب المساعدة

يواجه بعض الأهل صعوبة في فهم صمت أبنائهم عندما يمرون بمشكلة، خصوصاً عند اكتشافها بعد فترة أو ملاحظة تغيرات في السلوك من دون معرفة أسبابها، فيما يرتبط قرار الابن بالحديث أو الاحتفاظ بما يؤلمه بعوامل متعددة، تتراوح بين حاجته إلى الخصوصية وخوفه من رد الفعل وعدم قدرته على تفسير مشاعره.

وتزداد حساسية هذه المسألة خلال المراهقة وبداية الشباب، حيث تتوسع حاجة الأبناء إلى الاستقلال، في وقت يبقى فيه دور الأسرة مهماً في توفير علاقة تسمح لهم بالعودة إليها عندما يواجهون ضغوطاً أو مشكلات يصعب التعامل معها بمفردهم.

ما الذي يدفع الابن إلى الصمت؟

قالت الاختصاصية النفسية سمية عبد الفتاح، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن إخفاء الابن لمشكلاته قد يرتبط بدرجة الأمان التي يشعر بها عند التفكير في مشاركتها مع والديه، موضحة أن التجارب السابقة داخل الأسرة تؤثر في قراره بالحديث مستقبلاً.

وأوضحت أن تعرض الابن في مواقف سابقة للصراخ أو السخرية أو المقارنة أو التقليل من مشاعره قد يدفعه إلى توقع رد فعل مشابه، كما أن الانتقال مباشرة إلى تقديم الحلول والنصائح من دون الاستماع إليه يمكن أن يجعله أقل رغبة في مشاركة ما يمر به.

وأضافت أن بعض الأبناء، وخصوصاً خلال المراهقة وبداية الشباب، يميلون إلى الاحتفاظ بمشكلاتهم بسبب حاجتهم إلى الاستقلال والخصوصية، وقد ينظر بعضهم إلى طلب المساعدة على أنه اعتراف بالضعف أو فقدان للسيطرة على المشكلة.

وأشارت إلى أن الابن قد يشعر أحياناً بضيق لا يستطيع تفسيره أو التعبير عنه بالكلمات، ما يجعل الصمت مرتبطاً بصعوبة فهم مشاعره، إلى جانب الخوف من خيبة أمل والديه أو فقدان ثقتهما أو تحول المشكلة إلى رقابة وتدخل أكبر في حياته.

ولفتت عبد الفتاح إلى أهمية أن يسأل الوالدان نفسيهما عما يتوقع الابن حدوثه إذا تحدث معهما عن مشكلة، لأن الإجابة تساعد في فهم طبيعة التواصل داخل الأسرة والأسباب التي قد تجعله يفضل الاحتفاظ بما يواجهه.

تغيرات تستحق الانتباه

بيّنت عبد الفتاح، في تصريح خاص لـ"شام"، أن وجود مشكلة لا يمكن تحديده من خلال سلوك واحد، إلا أن التغير المفاجئ أو المستمر عن النمط المعتاد للابن يستحق المتابعة، خاصة عندما يؤثر في حياته اليومية.

وذكرت أن المؤشرات قد تشمل الابتعاد عن الأسرة أو الأصدقاء، واضطراب النوم أو الشهية، وتراجع الأداء الدراسي، وفقدان الاهتمام بالأنشطة المعتادة، وسرعة الانفعال والغضب، والحساسية الزائدة والشرود، إضافة إلى ظهور شكاوى جسدية متكررة من دون تفسير واضح.

وأكدت أن زيادة الصمت أو قضاء وقت أطول بصورة منفردة لا يشيران تلقائياً إلى وجود اضطراب نفسي، فبعض التغيرات قد ترتبط بطبيعة المرحلة العمرية وتكون مؤقتة، بينما يستدعي الأمر اهتماماً أكبر عندما تستمر لفترة أو تصبح شديدة وتؤثر في الدراسة والعمل والعلاقات والنوم والحياة اليومية.

الأمان يتشكل من التعامل اليومي

أوضحت عبد الفتاح أن بناء مساحة آمنة للحوار يبدأ من طريقة تعامل الأسرة مع التفاصيل اليومية، فعندما يجد الابن من يستمع إليه من دون مقاطعة أو سخرية أو تقليل من مشاعره، تزداد احتمالات لجوئه إلى أسرته عند مواجهة مشكلة أكبر.

ونصحت الأهل بالاستماع وفهم ما يشعر به الابن قبل الانتقال إلى النصيحة والحلول، مع تجنب العبارات التي تقلل من حجم المشكلة بالنسبة إليه، وإظهار الاهتمام بما يريد قوله ومنحه الوقت الكافي للتعبير.

وأشارت إلى ضرورة الفصل بين تفهم المشاعر وتقييم السلوك، إذ يستطيع الأهل الاعتراف بغضب الابن أو حزنه وفي الوقت نفسه وضع حدود واضحة لأي تصرف خاطئ ناتج عن هذه المشاعر.

وأكدت أهمية احترام الخصوصية ضمن الحدود التي لا تهدد سلامة الابن، وتجنب استخدام المعلومات أو المشاعر التي يشاركها مع أسرته لاحقاً في لومه أو معايرته أثناء الخلافات، لما لذلك من أثر مباشر في ثقته وقدرته على الحديث مستقبلاً.

متى يحتاج الأمر إلى مختص؟

أكدت عبد الفتاح أن طلب الدعم المهني يصبح مهماً عندما تكون التغيرات شديدة أو مستمرة، أو تبدأ بالتأثير بصورة واضحة في دراسة الابن أو عمله أو نومه وعلاقاته وقدرته على ممارسة حياته اليومية.

ونبهت إلى ضرورة التعامل بجدية مع العزلة المتزايدة والحزن أو القلق المستمر والتغيرات الحادة في السلوك، وخاصة عند ظهور إيذاء للنفس أو حديث عن الموت أو عدم الرغبة في الحياة، أو وجود مؤشرات على التعرض لعنف أو استغلال أو تهديد، حيث تستدعي مثل هذه الحالات تدخلاً سريعاً والاستعانة بمختصين.

وشددت على أن الاقتراب من الابن في هذه الظروف يحتاج إلى الهدوء والدعم وتجنب الاستجواب والضغط عليه للكلام، مع التأكد من سلامته وطلب المساعدة المهنية عند الحاجة.

ويبقى مستوى الثقة الذي تبنيه الأسرة عبر تعاملها اليومي عاملاً مؤثراً في قرار الأبناء بمشاركة مشكلاتهم، فكلما وجد الابن مساحة تحترم مشاعره وخصوصيته وتتعامل بجدية مع ما يقوله، أصبح طلب المساندة أكثر سهولة عندما يواجه موقفاً لا يستطيع التعامل معه بمفرده.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ