عندما يُسلَّم المال أمانة ثم لا يعود.. ماذا يقول القانون؟
تختلف المسؤولية القانونية في حالات تسليم الأموال بين الأشخاص باختلاف طبيعة الاتفاق والغاية من التسليم والتصرف اللاحق بالمال، إذ قد تبقى بعض الحالات في إطار النزاع المدني، بينما يمكن أن تندرج حالات أخرى ضمن المسؤولية الجزائية متى توافرت أركان الجريمة والأدلة التي تثبتها.
وتبرز في هذه القضايا أهمية تحديد الصفة التي سُلّم المال بموجبها، وإثبات واقعة التسليم، وما إذا كان المبلغ قد أُعطي للحفظ أو الاستخدام المؤقت ثم الإعادة، إلى جانب طبيعة تصرف المستلم عند مطالبته برده.
متى تتحقق إساءة الأمانة؟
قال الدكتور ركان رحال، محاضر في القانون الدولي ومحامٍ مزاول، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الفيصل الأساسي في التمييز بين إساءة الأمانة والاحتيال يكمن في توقيت وجود نية الاستيلاء والطريقة التي وصل بها المال إلى الشخص.
وأوضح أن إساءة الأمانة، وفق المادة 656 من قانون العقوبات، تتحقق عندما يصل المال إلى يد الشخص بصورة مشروعة بموجب عقد أمانة، كالوديعة أو الإعارة أو الوكالة، ثم تظهر لاحقاً نية الاستيلاء عندما يرفض إعادته أو يتصرف به كما لو كان ملكاً له.
وأضاف أن العقوبة في هذه الحالة تتمثل، وفق المادة المذكورة، بالحبس من شهرين إلى سنتين مع الغرامة المالية.
ما الفرق بين إساءة الأمانة والاحتيال؟
بيّن رحال أن الاحتيال يختلف عن إساءة الأمانة في أن الخداع يسبق تسليم المال، إذ يستخدم الشخص وسائل أو مظاهر كاذبة لدفع الضحية إلى تسليمه المال، بينما يكون التسليم في إساءة الأمانة مشروعاً في البداية، قبل أن تظهر لاحقاً نية الاستيلاء.
وأشار إلى أن الاحتيال، وفق المادة 641 من قانون العقوبات، تصل عقوبته إلى الحبس من سنة إلى خمس سنوات مع الغرامة المالية، وتُشدد العقوبة، بحسب شرحه، إذا كان الخداع موجهاً إلى الجمهور.
وأوضح أن المال يُعد أمانة عندما يتسلمه الشخص بموجب اتفاق يقضي بالحفظ أو الاستخدام المؤقت ثم الإعادة، كالوديعة أو العارية، فيما يمكن أن تنتقل الواقعة إلى المسؤولية الجزائية عند رفض إعادة المال بعد المطالبة به أو إنكاره أو التصرف به للحساب الشخصي، وفق ظروف كل قضية.
كيف يثبت صاحب المال واقعة التسليم؟
أكد رحال أن على صاحب المال إثبات ركنين أساسيين، أولهما واقعة التسليم المادي للمبلغ، وثانيهما الصفة القانونية لهذا التسليم، أي إثبات أن المال أُعطي للحفظ أو الوكالة مثلاً، وليس هبة أو وفاءً لدين.
وأوضح أن الإثبات يمكن أن يستند إلى السندات الكتابية وعقود الوديعة والإقرارات، وغيرها من الأدلة التي تقبلها المحكمة لتحديد طبيعة التعامل بين الطرفين.
ونوّه إلى إمكانية الاعتماد على التحويلات المصرفية وإيصالات الاستلام ومحادثات وسائل التواصل الاجتماعي والرسائل الرقمية وشهادة الشهود، مع مراعاة قواعد الإثبات في القانون المدني وقانون الجرائم الإلكترونية.
وبيّن أن التحويلات المصرفية والإيصالات تساعد في إثبات حركة المال وانتقاله، بينما يمكن للمحادثات والرسائل الرقمية أن تدعم إثبات طبيعة المبلغ وإقرار المستلم بأنه تسلمه على سبيل الأمانة.
أما شهادة الشهود، فأوضح أنها تُقبل في الحالات التي يسمح بها القانون، ومنها أن يكون المبلغ ضمن النصاب المسموح بإثباته بالشهادة، أو وجود مانع أدبي حال دون الحصول على سند مكتوب، كالقرابة الشديدة، أو وجود بداية دليل كتابي.
ما الإجراءات المتاحة لصاحب المال؟
أوضح رحال أن المسار الإجرائي يبدأ بتوجيه إنذار رسمي عن طريق الكاتب بالعدل لمطالبة المستلم بإعادة المبلغ خلال مدة محددة، بما يوثق المطالبة بالمال وموقف الطرف الآخر منها.
وأضاف أن الخطوة التالية يمكن أن تتمثل بتحريك شكوى إساءة أمانة أمام النيابة العامة، مرفقة بالإنذار وأدلة التسليم، إلى جانب إمكانية الادعاء الشخصي للمطالبة باسترداد أصل المبلغ والتعويض عن الأضرار المادية والمعنوية الناجمة عن المماطلة.
ماذا لو تصرف المستلم بالمال؟
أفاد رحال بأن إنفاق المال أو التصرف به لحساب المستلم يمكن أن يكون من العناصر المهمة في إثبات النية الجرمية، لأنه يشير إلى تعامله مع المال معاملة المالك بدلاً من الاحتفاظ به وفق الغاية التي سُلّم من أجلها.
وبيّن أن هذا التصرف يعزز، بحسب ظروف القضية والأدلة المقدمة، الاستدلال على انتقال الحيازة من غرض الحفظ إلى التصرف بالمال لحساب المستلم الشخصي.
وأكد أن المسؤولية القانونية لا تُحدد بمجرد وجود خلاف حول مبلغ مالي، وإنما تتوقف على طبيعة العلاقة بين الطرفين، والاتفاق الذي جرى التسليم بموجبه، والأدلة المتوافرة، والتصرفات اللاحقة، فيما يبقى التكييف القانوني النهائي وتحديد المسؤولية من اختصاص الجهات القضائية المختصة.
تندرج قضايا تسليم الأموال على سبيل الأمانة ضمن التعاملات الشائعة بين الأفراد، وقد تقوم على الوديعة أو الوكالة أو الإعارة وغيرها من الصور التي يتسلم فيها شخص مالاً لغرض محدد مع التزامه بإعادته أو التصرف به وفق الاتفاق.
وتكتسب طبيعة الاتفاق بين الطرفين أهمية عند نشوء خلاف حول المال، إذ يختلف التكييف القانوني بين حالة يكون فيها النزاع متعلقاً بحقوق والتزامات مدنية، وحالة تتوافر فيها عناصر قد ترتب مسؤولية جزائية، وهو ما يُحدد استناداً إلى ظروف الواقعة وطبيعة التسليم والأدلة والتصرف اللاحق بالمال.
وتبرز أهمية توثيق عمليات تسليم الأموال وتحديد الغاية منها بصورة واضحة، سواء من خلال العقود أو الإيصالات أو التحويلات أو المراسلات، لما لذلك من دور في بيان طبيعة العلاقة بين الطرفين عند حدوث نزاع، على أن يبقى تقدير الأدلة والتكييف القانوني النهائي من اختصاص القضاء.