قراءة في قرار ترشيد الإنفاق.. من ضبط النفقات الحكومية إلى إعادة ترتيب الأولويات
قراءة في قرار ترشيد الإنفاق.. من ضبط النفقات الحكومية إلى إعادة ترتيب الأولويات
● محليات ٢٩ سبتمبر ٢٠٢٦

قراءة في قرار ترشيد الإنفاق.. من ضبط النفقات الحكومية إلى إعادة ترتيب الأولويات

جاء قرار ترشيد الإنفاق العام في توقيت تتزايد فيه الضغوط على المالية العامة بالتوازي مع ظروف اقتصادية ومعيشية صعبة، ليضع مجموعة واسعة من النفقات الحكومية والمشاريع الاستثمارية أمام مراجعة تقوم على سؤال الأولوية: ما الذي تحتاج الدولة إلى الاستمرار في تمويله، وما الذي يمكن تخفيضه أو تأجيله أو الاستغناء عنه؟

ولا ينفصل القرار عن نقاش تصاعد خلال الأشهر الماضية حول حجم الإنفاق الحكومي على بعض الفعاليات والاحتفالات والمظاهر الإدارية، إلى جانب الانتقادات التي طالت مواكب بعض المسؤولين والسيارات الحكومية ومخصصات الوقود لدى عدد من المؤسسات، في وقت يواجه فيه السوريون ارتفاعاً في تكاليف المعيشة وضغوطاً اقتصادية متراكمة بعد سنوات طويلة من الحرب.

ومع ارتفاع أسعار الوقود وما يرافق ذلك من انعكاسات على النقل والإنتاج وأسعار السلع والخدمات، تعالت المطالبات بتوجيه الموارد نحو المشاريع والخدمات التي تحقق أثراً مباشراً، وخفض المصروفات التي يمكن الاستغناء عنها دون التأثير على عمل مؤسسات الدولة.

وفي هذا السياق، وجّهت الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية الجهات العامة بترشيد الإنفاق وخفض النفقات غير الضرورية وإعادة ترتيب أولويات المشاريع الاستثمارية وفق ضرورتها وجدواها، بناء على مقترح من وزارة المالية، مع التأكيد على عدم المساس بالمهام الأساسية للجهات العامة واستمرارية الخدمات الضرورية.

لماذا الترشيد الآن؟

ربط وزير المالية محمد يسر برنية إجراءات ضبط الإنفاق بالمتغيرات الجيوسياسية والإقليمية الراهنة وما يرافقها من ضغوط على تكاليف الطاقة والنقل وتأمين الاحتياجات الأساسية وانعكاساتها على المالية العامة.

وأوضح أن الهدف يتمثل في الحد من النفقات غير الضرورية وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق والمشاريع الاستثمارية وتوجيه الموارد المتاحة إلى المجالات الأكثر أهمية وأثراً.

ومن هذه الزاوية، لا يقدم القرار الترشيد بوصفه تخفيضاً عاماً للنفقات، وإنما محاولة لإعادة توزيعها وفق الأولويات، وهو ما يظهر بوضوح في استثناء قطاعات أساسية وفي طريقة التعامل مع المشاريع الاستثمارية وفق درجة ضرورتها وجدواها.

ويكتسب ذلك أهمية في ظل الحاجة إلى الموازنة بين ضبط المصروفات من جهة، وعدم تحويل الترشيد إلى تقليص للخدمات أو تعطيل للنشاط الاقتصادي من جهة أخرى.

نفقات إدارية تحت المجهر

وضع البلاغ مجموعة واسعة من المصروفات الحكومية في دائرة التخفيض أو الإيقاف، بدءاً من السفر والإيفاد والمهام الداخلية والخارجية، وصولاً إلى المؤتمرات والاحتفالات والضيافة والمطبوعات والقرطاسية والاشتراكات وأرصدة الهواتف المحمولة غير الضرورية.

وشملت الإجراءات كذلك وقف شراء الأثاث والتجهيزات المكتبية أو استبدالها إلا عند ثبوت الحاجة إليها، ووقف شراء السيارات والآليات المخصصة للأغراض الإدارية أو استبدالها.

كما منع إبرام عقود إيجار جديدة أو تجديد العقود القائمة عند توافر بديل مملوك للدولة، ونص على تأجيل أعمال الصيانة والتحسينات غير العاجلة، بما فيها تجديد المكاتب والديكورات، وتقليص الدراسات والاستشارات الخارجية التي تستطيع الكوادر الحكومية تنفيذها.

ويظهر من طبيعة هذه البنود أن جانباً أساسياً من الترشيد يستهدف النفقات التشغيلية والإدارية التي يمكن تقليصها دون المساس بالوظائف الرئيسية للمؤسسات، وهي أيضاً من المجالات التي حضرت في جانب من الانتقادات المتعلقة بطريقة استخدام الموارد العامة.

السيارات والوقود.. أكثر من مجرد بند مالي

أفرد القرار مساحة واضحة لاستخدام السيارات الحكومية والوقود، فنص على حصر استخدام السيارات الحكومية في الحالات الضرورية وبموافقة مسبقة من الوزير، إلى جانب وقف شراء السيارات والآليات الإدارية أو استبدالها.

كما قضى بتخفيض مخصصات البنزين والمازوت للسيارات والآليات الحكومية بنسبة 30 بالمئة، وفق الحدود والاستثناءات المحددة في البلاغ، مع تكليف وزارة الطاقة بمتابعة التنفيذ ورفع تقرير شهري إلى الأمانة العامة.

ولا تقتصر دلالة هذا الإجراء على الوفر المتوقع في استهلاك الوقود، إذ يأتي في وقت يشكل فيه ارتفاع أسعار المحروقات واحداً من مصادر الضغط على الأسر والأنشطة الاقتصادية، ما يجعل طريقة استخدام المؤسسات الحكومية للوقود موضع اهتمام يتجاوز الحسابات المالية المباشرة.

ومن هنا، يحمل ضبط هذا الجانب بعداً إدارياً يتعلق بكيفية إدارة المال العام، إلى جانب بعده المالي المرتبط بخفض المصروفات.

الرواتب والخدمات خارج دائرة التخفيض

في المقابل، رسم القرار حدوداً واضحة لما لا ينبغي أن يشمله الترشيد، إذ استثنى الرواتب والأجور والنفقات الضرورية لاستمرار خدمات الصحة والتعليم والمياه والطاقة والأمن والسلامة العامة، إضافة إلى أعمال الصيانة التشغيلية والوقائية الضرورية.

وأكد برنية أن الإجراءات لا تعني خفض الإنفاق بصورة عشوائية أو المساس بالخدمات الأساسية للمواطنين، وإنما تهدف إلى أن تنفق الدولة بصورة أفضل وأكثر كفاءة.

ويمثل هذا الاستثناء نقطة أساسية في قراءة القرار، لأن معيار نجاح الترشيد لا يرتبط فقط بحجم الأموال التي يمكن توفيرها، بل بقدرة الجهات العامة على تحقيق هذا الوفر دون نقل كلفته إلى المواطن من خلال تراجع الخدمات أو تعطيل الأعمال الأساسية.

وبهذا المعنى، يصبح التحدي قائماً في الوصول إلى إنفاق أقل في المجالات غير الضرورية، مقابل الحفاظ على التمويل اللازم للقطاعات التي ترتبط مباشرة بحياة المواطنين وعمل مؤسسات الدولة.

المشاريع أمام اختبار الأولوية والجدوى

يمتد القرار من المصروفات اليومية إلى المشاريع الاستثمارية، إذ طلب إجراء مراجعة عاجلة لجميع المشاريع وإعادة تصنيفها وفق درجة الضرورة ونسب الإنجاز والالتزامات القائمة والآثار المالية والاقتصادية والخدمية.

ووضع البلاغ المشاريع ضمن ثلاث فئات، أولها المشاريع ذات الأولوية المرتبطة بالخدمات الأساسية والسلامة العامة والبنى التحتية أو التي تحقق مردوداً اقتصادياً ومالياً، وهي المشاريع التي يستمر تنفيذها.

وتشمل الفئة الثانية المشاريع القابلة للتأجيل عندما لا يؤدي تأخيرها إلى تأثير جوهري، على أن توقف النفقات الجديدة عليها مؤقتاً، بينما تضم الفئة الثالثة المشاريع غير ذات الأولوية التي يوقف عقد النفقات والالتزامات الجديدة المتعلقة بها.

كما حظر القرار إبرام عقود جديدة على المشاريع التي لم يبدأ تنفيذها، باستثناء المصنفة ذات أولوية، ومنع إدراج مشاريع جديدة أو زيادة اعتمادات المشاريع القائمة إلا في الحالات الضرورية.

ويعني ذلك أن الترشيد لا يقتصر على تقليل المصروفات الإدارية الصغيرة والمتوسطة، وإنما يصل إلى إعادة النظر في خريطة الاستثمار الحكومي نفسها، بما يفترض أن يدفع الجهات العامة إلى تبرير استمرار كل مشروع وفق ضرورته وجدواه وأثره.

استثناءات تمنع خسارة أكبر

في المقابل، لم يعتمد القرار مبدأ إيقاف المشاريع بصورة مطلقة، إذ استثنى المشاريع التي وصلت إلى مراحل متقدمة من التنفيذ عندما يكون وقفها أكثر كلفة من الوفر المتوقع.

كما استثنى المشاريع الممولة من منح أو تمويل خارجي إذا كان وقفها يؤدي إلى فقدان التمويل، والمشاريع ذات العائد المالي أو الاقتصادي المباشر.

وتكشف هذه الاستثناءات جانباً مهماً في فلسفة الترشيد الواردة في القرار، إذ إن توفير مبلغ آني لا يمثل بالضرورة وفراً حقيقياً إذا أدى لاحقاً إلى خسارة تمويل أو ارتفاع كلفة مشروع أو تعطيل استثمار قادر على تحقيق عائد اقتصادي.

ومن هنا، يصبح تقييم كل مشروع على حدة أكثر أهمية من تطبيق تخفيض موحد على جميع المشاريع.

منع التحايل على إجراءات الترشيد

لا تتوقف فاعلية أي سياسة لخفض الإنفاق عند تحديد البنود التي ينبغي تقليصها، إذ تبقى إمكانية نقل المصروفات أو إعادة توصيفها واحدة من القضايا التي يمكن أن تحد من أثرها.

ولهذا حظر البلاغ تجزئة النفقات أو إعادة توصيفها أو نقلها بين البنود بقصد التحايل على الإجراءات، كما منع الجهات العامة من استخدام الوفورات الناتجة عن تطبيق القرار في تمويل نفقات أخرى.

وأوكل إلى وزارة المالية حصر هذه الوفورات واقتراح إعادة تخصيصها، وهو ما يعني أن المبالغ التي يتم توفيرها يفترض ألا تتحول تلقائياً إلى مساحة إنفاق جديدة داخل الجهة نفسها.

ويمنح هذا الجانب القرار بعداً رقابياً مهماً، لكنه يجعل فعاليته مرتبطة في الوقت ذاته بقدرة الجهات المعنية على متابعة حركة الإنفاق الفعلية، وليس الاكتفاء بالتزام شكلي بالتعليمات.

15 يوماً لرسم صورة الإنفاق

ألزم البلاغ الجهات العامة بتقديم بيان إلى وزارة المالية خلال 15 يوماً يتضمن النفقات التي تم وقفها، وما ترى الجهة ضرورة استمرار الإنفاق عليه مع توضيح المبررات.

كما يتعين عليها بيان المبالغ المرصدة والمتعاقد عليها والمنفقة والمتبقية، وحجم الوفر المتوقع حتى نهاية السنة المالية.

وتتولى وزارة المالية متابعة التنفيذ وتقييم الوفورات ورفع تقارير دورية إلى الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، فيما تتابع وزارة الطاقة جانب تخفيض مخصصات الوقود وترفع تقريراً شهرياً.

وتوفر هذه الآليات، إذا طبقت وفق ما ورد في البلاغ، إمكانية الانتقال من قرار عام بترشيد الإنفاق إلى نتائج قابلة للقياس، من خلال تحديد ما أوقف من نفقات، وما استمر منها، وحجم الأموال التي تم توفيرها.

من الانتقاد إلى إعادة ترتيب الأولويات

تكتسب إجراءات الترشيد بعداً إضافياً لأنها جاءت بعد فترة شهدت انتقادات لمظاهر إنفاق اعتبرها البعض غير متناسبة مع الظروف الاقتصادية، سواء فيما يتعلق بالاحتفالات والفعاليات أو السيارات والمواكب والوقود وبعض المصروفات الإدارية.

ولا يعني ذلك أن كل إنفاق حكومي من هذا النوع غير ضروري، إذ تختلف احتياجات المؤسسات وطبيعة مهامها، لكن القرار يضع معيار الضرورة في صلب عملية الصرف، وهو ما ينقل النقاش من رفض الإنفاق بصورة عامة إلى السؤال عن جدواه وأولويته.

فالإنفاق الحكومي ليس مشكلة بحد ذاته، بل يمثل أداة ضرورية لتقديم الخدمات وتشغيل المؤسسات وتنفيذ المشاريع، بينما تكمن المسألة في توجيه الموارد المحدودة إلى المجالات الأكثر حاجة وقدرة على تحقيق أثر اقتصادي أو خدمي.

ولهذا فإن إعادة ترتيب الأولويات قد تكون أكثر أهمية من مجرد تخفيض إجمالي الإنفاق، لأن المطلوب ليس الوصول إلى أقل رقم ممكن للمصروفات، وإنما تحقيق أفضل استخدام ممكن للموارد المتاحة.

التنفيذ والشفافية هما الاختبار

يفتح قرار ترشيد الإنفاق مرحلة يمكن قياس نتائجها بصورة عملية، خصوصاً مع تحديد آليات للمتابعة وحصر الوفورات وإلزام الجهات بتقديم بيانات تفصيلية عن مصروفاتها.

ومن هنا، سيكون السؤال خلال الفترة المقبلة متعلقاً بما تحقق فعلياً: ما حجم النفقات التي جرى وقفها؟ وكم انخفض استهلاك الوقود الحكومي؟ وما المشاريع التي أعيد تصنيفها؟ وما مقدار الوفر الذي تحقق؟ وكيف ستعاد الاستفادة من هذه الموارد؟

ولا يقدم القرار نفسه إجابات مسبقة عن هذه الأسئلة، إذ ستظهر النتائج مع التنفيذ، لكن وجود مؤشرات قابلة للقياس يمنح إمكانية تقييم أثره لاحقاً ومقارنة الأهداف المعلنة بما تحقق على الأرض.

كما أن إظهار نتائج الترشيد للرأي العام يمكن أن يضيف بعداً مهماً إلى العملية، خصوصاً أن جانباً من النقاش الذي سبق القرار ارتبط بالثقة في طريقة إدارة الموارد العامة وترتيب الأولويات.

قرار مالي واختبار إداري

في المحصلة، لا يمكن قراءة بلاغ ترشيد الإنفاق باعتباره مجرد مجموعة إجراءات لتقليل المصروفات، فهو يتضمن إعادة نظر في نمط الإنفاق الحكومي، من استخدام السيارات والوقود والسفر والضيافة، وصولاً إلى المشاريع الاستثمارية والعقود والاستشارات.

وفي المقابل، حافظ القرار على استثناء الرواتب والخدمات الأساسية والمشاريع التي يؤدي وقفها إلى خسائر أكبر، بما يعكس محاولة للموازنة بين الانضباط المالي واستمرار عمل مؤسسات الدولة.

لكن الفارق بين قرار للترشيد وسياسة فعلية لترشيد الإنفاق سيظهر في مرحلة التنفيذ، ومدى الالتزام بالقيود الموضوعة، وقدرة الرقابة على منع الالتفاف عليها، وحجم الوفورات التي ستتحقق، والأهم من ذلك كيفية إعادة ترتيب الموارد باتجاه الأولويات.

وعندها فقط يمكن تقييم ما إذا كان القرار قد نجح في الانتقال من ضبط بعض النفقات الحكومية إلى بناء نهج أكثر كفاءة في إدارة المال العام، تكون فيه الضرورة والجدوى والأثر المباشر معايير أساسية قبل اتخاذ قرار الإنفاق.

الكاتب: أحمد نور الرسلان
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ