سلوك قضم الأظافر لدى الأطفال… دلالات نفسية وأساليب التعامل الصحيح
سلوك قضم الأظافر لدى الأطفال… دلالات نفسية وأساليب التعامل الصحيح
● مجتمع ٩ يوليو ٢٠٢٦

سلوك قضم الأظافر لدى الأطفال… دلالات نفسية وأساليب التعامل الصحيح

تلاحظ بعض الأمهات لدى أطفالهن سلوك قضم الأظافر، وهي عادة شائعة قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تثير القلق والانزعاج مع تكرارها واستمرارها، ولا يقتصر تأثير هذه العادة على المظهر العام لليدين فحسب، بل قد تمتد لتشكل خطراً صحياً نتيجة نقل الجراثيم إلى الفم أو التسبب في التهابات وتشوهات في الأظافر. 

ومع استمرار هذا السلوك، قد يلجأ بعض الأهالي إلى أساليب غير مناسبة في محاولة للحد منه، كالعقاب الجسدي أو التوبيخ المستمر، أو استخدام وسائل منفّرة بهدف منع الطفل من قضم أظافره، دون الانتباه إلى أن هذه الطرق قد تزيد من توتر الطفل وتدفعه إلى التمسك بالسلوك بدلاً من التخلص منه، ما يستدعي اعتماد أساليب أكثر هدوءاً ووعياً في التعامل مع هذه الحالة.

بناءً على ذلك، تبرز الحاجة إلى فهم أعمق لأسباب هذا السلوك وطرق معالجته بشكل صحيح، بما يساعد الطفل على التخلص منه دون آثار سلبية، وفي هذا السياق، قالت الاختصاصية النفسية هوري في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن قضم الأظافر لدى الأطفال يُصنّف ضمن الأنماط السلوكية التكرارية، وأن هذا الفعل يصبح لغة جسدية غير لفظية تعبّر عن ديناميكيات نفسية عميقة، ويعكس استجابة حركية لا واعية ينظم من خلالها الطفل جهازه العصبي في مواجهة الضغوط المحيطة.


 كما بيّنت أن فهم هذه الظاهرة يتطلب تحليلاً عميقاً في التكوين النفسي والبيئي للطفل لتفكيك الدوافع الخفية التي تحول هذا السلوك الدقيق إلى ملجأ عاطفي يومي، وأضافت أن من الأسباب النفسية أو السلوكية التي تدفع بعض الأطفال إلى اكتساب عادة قضم الأظافر ما يرتبط بتنظيم الاستثارة الحسية الداخلية، حيث ينظر علم النفس العصبي الحديث إلى هذا السلوك كآلية ذاتية لإعادة التوازن إلى الجهاز العصبي.


 وعندما يتعرض الطفل لبيئة مشحونة بالمثيرات أو يعيش حالة من الملل الشديد يعمل هذا السلوك كأداة لخفض مستوى التحفيز الزائد أو رفع التحفيز المنخفض، لافتةً إلى أنه يمثل محاولة جسدية ملموسة للسيطرة على تدفق المشاعر والمعلومات التي يعجز عقل الطفل الصغير عن معالجتها معرفياً في تلك اللحظة.

وأشارت إلى أن قضم الأظافر قد يكون تعبيراً حركياً عن القلق الانفصالي وتطور الهوية، موضحةً أن الأطفال يمرون بمراحل نمو نفسية تتطلب استقلالاً تدريجياً عن الوالدين، وأن هذا السلوك يُعد أحياناً تعبيراً حركياً صامتاً عن مخاوف خفية تتعلق بالانفصال أو التكيف مع بيئات جديدة كالالتحاق بالمدارس حديثاً، كما بيّنت أنه يمثل نكوصاً سلوكياً بسيطاً نحو مرحلة الاستكشاف الفموي الباكرة، حيث يبحث الطفل في جسده عن مصدر أمان ذاتي ومستقل عن المحيط الخارجي.

وبيّنت أن محاولة إدارة التوقعات العالية تُعد سبباً آخر، لافتةً إلى أن الدراسات السلوكية تشير إلى ارتباط قضم الأظافر بنمط الشخصية التي تميل نحو المثالية أو الكمالية منذ الصغر، وأوضحت أن بعض الأطفال يمارسون هذا السلوك عندما يشعرون بضغط داخلي ناتج عن الرغبة في إرضاء البالغين أو عند خوفهم من الفشل في إنجاز مهمة معينة، حيث يتحول قضم الأظافر إلى تفريغ فيزيائي لتوتر معرفي ناتج عن فجوة التوقعات، فيعمد الطفل إلى تفريغ شحنته النفسية عبر أصابعه.

وأضافت أن هذا السلوك قد يرتبط بكبت الانفعالات ومحاكاة الأنماط العاطفية داخل الأسرة، موضحةً أنه انعكاس مباشر للمناخ العاطفي الأسري، حيث يتعلم الطفل كبت مشاعر الغضب أو الإحباط عندما يفتقد القنوات التعبيرية اللفظية الآمنة في محيطه، فيرتد هذا التوتر المكبوت إلى الداخل متحولاً إلى سلوك إيذاء ذاتي بسيط، ونوّهت إلى عامل المحاكاة العصبية عبر ما يعرف بالخلايا المرآتية، إذ يتبنى الطفل هذا النمط السلوكي لا شعورياً كآلية دفاعية إذا كان أحد الوالدين يمارس السلوك ذاته خلال أوقات الأزمات.

وأكدت أن قضم الأظافر يُعد سلوكاً مزدوج الوظيفة، إذ يجمع بين كونه سلوكاً طبيعياً في بعض مراحل النمو ومؤشراً على القلق في حالات أخرى، مشيرةً إلى أن علم النفس العيادي يفرّق بين الحالتين عبر مقياسي السياق والتكرار، حيث يظهر السلوك العابر فجأة ويختفي بتغير المثير اليومي، بينما يتحول إلى مؤشر قلق عندما يكتسب صفة الديمومة والتكرار، وقد يترافق مع تراجع في التفاعل الاجتماعي أو اضطراب في النوم، ليصبح وسيلة دفاعية لتخفيف مشاعر داخلية يعجز الطفل عن التعبير عنها.

وأفادت بأن استمرار هذه العادة يتجاوز حدود الضرر السطحي، مخلفاً تبعات مركبة تؤثر في سلامة الطفل الجسدية والنفسية، موضحةً أنه من الناحية الصحية يؤدي التكرار المزمن إلى تشوه دائم في منبت الظفر، ما يتسبب في نمو غير طبيعي للأظافر مستقبلاً، كما يساهم الامتصاص الفموي المستمر في نقل البكتيريا المحتبسة تحت الأظافر إلى الجهاز الهضمي، مسبباً التهابات معوية متكررة، إضافة إلى ظهور آثار في تآكل مينا الأسنان الأمامية وتأثر نمو الفك السفلي نتيجة الضغط المستمر أثناء القضم.

وأضافت أن الآثار النفسية لا تقل أهمية، لافتةً إلى أن المظهر المشوه للأصابع قد يتسبب في نشوء قلق الصورة الجسدية لدى الطفل، ما يولد شعوراً بالخجل يدفعه إلى إخفاء يديه أثناء التفاعل الاجتماعي، وأوضحت أن الطفل قد يقع في حلقة مفرغة يمارس فيها السلوك لتخفيف التوتر ثم يزداد توتره بسبب نتائجه، ما يعزز لديه أنماطاً انسحابية ويؤثر على مهاراته الاجتماعية وثقته بنفسه.

ولفتت إلى أن العديد من الأسر تقع في أخطاء شائعة عند محاولة منع الطفل من هذه العادة، موضحةً أن التوبيخ العلني أو إحراج الطفل أمام الآخرين يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ يرفع مستوى التوتر ويدفع الطفل إلى القضم بشكل أكبر سراً.

 كما أشارت إلى أن استخدام المواد المرة على الأظافر يعالج العرض الظاهري ويتجاهل السبب النفسي، ما قد يدفع الطفل إلى استبدال العادة بسلوكيات أخرى، مؤكدةً أن التركيز على السلوك دون فهم سياقه العاطفي يجعل الحلول مؤقتة.

وشددت على أن التعامل السليم يتطلب الابتعاد عن أساليب الزجر والتركيز على تفكيك السلوك من جذوره عبر فهم دوافعه النفسية، مبينةً أن معالجة السبب تؤدي إلى تقليص حدة السلوك تلقائياً، وأوضحت أن الخطوات العلاجية تبدأ بالعناية الوقائية بالأظافر من خلال تقليمها والحفاظ على رطوبتها، إلى جانب بناء اتفاق واعٍ بين الوالدين والطفل حول كيفية التصرف عند الشعور بالرغبة في القضم، بما يعزز لديه الإحساس بالمسؤولية والسيطرة الذاتية.

وأوضحت أن تدريب الوعي العكسي يعد من الأساليب الفعالة، حيث يقوم على تحويل السلوك من عادة لا واعية إلى فعل مدرك، من خلال تنبيه الطفل بلطف عند بدء القضم دون توبيخ، مع توجيهه إلى سلوك بديل مثل تشبيك الأصابع أو وضع اليدين في الجيب حتى تزول الرغبة، كما أشارت إلى أهمية الاستبدال السلوكي الحسي عبر توفير بدائل مثل كرات الضغط أو الصلصال أو ألعاب التململ، لما لها من دور في تفريغ التوتر بطريقة آمنة.

وأكدت أهمية تتبع المثيرات السلوكية وتعليم الطفل التعبير عن مشاعره، من خلال مراقبة الأوقات التي يظهر فيها السلوك، وتخصيص وقت يومي للاستماع له وتشجيعه على التعبير بالكلمات، لافتةً إلى أن هذا النهج يساعد على تقليل الحاجة إلى القضم كوسيلة تعبيرية، ويسهم في تلاشي هذا السلوك تدريجياً مع تعزيز الدعم العاطفي والحوار.

تتفاوت طرق التعامل مع عادة قضم الأظافر تبعاً لمدى فهم أسبابها والسياق الذي تظهر فيه، ما يجعل من الضروري النظر إليها بوصفها سلوكاً يحتاج إلى احتواء وتوجيه أكثر من كونه مشكلة تستدعي العقاب، ومع توافر الوعي الأسري والدعم النفسي المناسب، يمكن الحد من هذه العادة تدريجياً، بما ينعكس إيجاباً على صحة الطفل وسلوكه، ويعزز من قدرته على التكيف والتعبير عن ذاته بطرق أكثر توازناً.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ