السلوك العدواني عند الأطفال بين الدوافع وأساليب المعالجة
في بعض الأحيان، يميل الطفل في تعامله مع أقرانه أو مع من حوله إلى سلوكيات تتسم بالعدوانية، كإلحاق الأذى بالآخرين أو الاعتداء اللفظي أو الجسدي عليهم، وهو ما قد ينعكس على شكل شكاوى متكررة تصل إلى الأهل من المحيطين به.
ومع تكرار هذه التصرفات واستمرارها، تبرز الحاجة إلى التوقف عند هذا النمط من السلوك، وفهم أسبابه ودوافعه، وما إذا كان عابراً أم يشير إلى مشكلة أعمق تتطلب تعاملاً مختلفاً.
وفي هذا السياق، قالت الباحثة الاجتماعية إنعام دحام سرحان، الحاصلة على ماجستير في العلوم والبحوث السكانية – قسم حماية الأسرة، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن السلوك العدواني عند الأطفال هو تصرف مقصود يهدف إلى إلحاق الأذى الجسدي أو اللفظي أو النفسي بالآخرين أو بالممتلكات، كما يمكن تمييزه عن السلوكيات العادية من خلال استمراريته وتجاوزه لمرحلة نوبات الغضب الطبيعية، حيث يظهر غالباً في أنماط متكررة مثل العنف أو تكسير الأشياء.
وأضافت أن التمييز بين السلوك العدواني وغيره يرتبط بعدة مؤشرات أساسية، من أبرزها النية والقصد، إذ إن بعض السلوكيات قد تنتج عن فضول أو ضعف في مهارات التواصل، بينما يكون السلوك العدواني موجهاً بنية واضحة لإيذاء الآخرين، ولفتت إلى أن الحدة والتكرار يمثلان عاملاً فارقاً، حيث تُعد نوبات الغضب العابرة أمراً طبيعياً، في حين يتحول السلوك العدواني إلى نمط مستمر ومتكرر، وقد يتضمن أحياناً إيذاء النفس.
وبينت أن الاستجابة للتوجيه تُعد مؤشراً مهماً في التفريق، فالطفل في الحالات العادية يمكن تهدئته أو إلهاؤه، بينما يجد الطفل ذو السلوك العدواني صعوبة في التحكم بانفعالاته ولا يتقبل التوجيه بسهولة، وذكرت أن هذا السلوك يتخذ أشكالاً متعددة، منها العدوان الجسدي كالضرب والركل أو العض، والعدوان اللفظي كالصراخ والشتم أو التهديد، إضافة إلى العدوان التخريبي كتكسير الممتلكات، والعدوان النفسي كاستبعاد الآخرين وتجاهلهم.
ونوهت إلى أن أسباب السلوك العدواني متعددة ومتشابكة، حيث يمكن أن يكتسب الطفل هذا السلوك من البيئة المحيطة، سواء في الأسرة أو المدرسة أو من خلال وسائل الإعلام، كما قد يرتبط بنقص مهارات التعبير، ما يدفع الطفل لاستخدام العنف للتعبير عن احتياجاته، وأفادت بأن التعرض للإحباط أو الكبت، كالشعور بالإهانة أو المرور بخبرات سلبية، يعد من العوامل التي تعزز هذا النمط من السلوك.
وذكرت أن البيئة الأسرية تشكل عاملاً أساسياً في تكوين هذا السلوك، إذ تُعد الأسرة المحيط الأول الذي يتعلم فيه الطفل أنماط التفاعل، حيث يسهم التعرض للعنف أو مشاهدته، إضافة إلى الأساليب التربوية غير المتوازنة، في ترسيخ العدوانية، كما يشمل ذلك التذبذب في المعاملة أو التمييز بين الأبناء، إلى جانب الحرمان العاطفي والضغوط داخل المنزل.
وتحدثت عن دور المدرسة في هذا السياق، مشيرة إلى أن السلوك العدواني قد يرتبط بالتعرض للتنمر أو الشعور بالإحباط نتيجة صعوبات التعلم، وكذلك بأساليب التعامل القاسية من بعض الكوادر التعليمية، إضافة إلى غياب الأنشطة التي تساعد على تفريغ الطاقة، فضلاً عن سعي بعض الأطفال إلى إثبات الذات بين أقرانهم بطرق غير متوازنة.
وأكدت أن هناك عوامل داخلية قد تتداخل مع هذه الظروف، مثل بعض الاضطرابات النمائية والنفسية أو ضعف المهارات اللغوية والاجتماعية، ما يجعل الطفل أقل قدرة على التعبير عن مشاعره بطرق سليمة، وشددت على أن استمرار هذا السلوك دون تدخل قد ينعكس سلباً على الجوانب النفسية والاجتماعية للطفل، ويمتد تأثيره إلى مراحل لاحقة من حياته.
وأوضحت أن الآثار النفسية قد تشمل تدني تقدير الذات والاضطرابات الانفعالية، إلى جانب ضعف التعاطف مع الآخرين، فيما تنعكس الآثار الاجتماعية في شكل عزلة ورفض من المحيط، إضافة إلى تراجع الأداء الدراسي وتوتر العلاقات الأسرية، ولفتت إلى أن هذه النتائج قد تتفاقم في حال غياب المعالجة المناسبة.
وبينت أن التعامل مع الطفل الذي يظهر سلوكاً عدوانياً يتطلب اتباع أساليب تربوية تقوم على الهدوء والثبات، مع تجنب استخدام العنف في ضبط السلوك، والعمل على وضع حدود واضحة، وتعزيز السلوكيات الإيجابية، إلى جانب توفير بيئة داعمة تساعد الطفل على التعبير عن مشاعره بطرق مناسبة، وأكدت أن المتابعة المستمرة والتدخل المبكر يسهمان في الحد من تفاقم هذا السلوك وتحسين قدرة الطفل على التكيف مع محيطه.
يرى مختصون تربويون أن السلوك العدواني لدى الطفل غالبًا ما يعكس مشاعر داخلية غير مُعبَّر عنها، مثل الغضب أو الإحباط، مؤكدين أن فهم هذه الدوافع يُعد الخطوة الأولى في التعامل الصحيح. ويشيرون إلى أن بناء علاقة قائمة على الأمان والثقة يساعد الطفل على التعبير عن نفسه بطرق أكثر هدوءًا، ما يقلل تدريجيًا من لجوئه إلى العدوان.
ويضيف الخبراء أن التعامل الفعّال يتطلب تدريب الطفل على بدائل إيجابية، كالتعبير بالكلام وحل المشكلات، إلى جانب اعتماد أساليب تربوية هادئة وواضحة في وضع الحدود، كما يشددون على أهمية توفير أنشطة تساعد على تفريغ الطاقة، وتعزيز التعاون بين الأسرة والمدرسة لضمان استجابة متكاملة تدعم تعديل السلوك بشكل مستمر.
يتطلب التعامل مع السلوك العدواني لدى الأطفال فهماً لطبيعته ومتابعة مستمرة من قبل الأسرة والمدرسة، مع اعتماد أساليب تربوية تساعد على تنظيم سلوك الطفل والتخفيف من حدته، كما يرتبط ذلك بدور البيئة المحيطة في توفير دعم مناسب يساهم في تعزيز قدرة الطفل على التعبير عن مشاعره والتفاعل مع الآخرين بصورة أكثر توازناً.