زيارة المريض في سوريا.. عادة اجتماعية راسخة بين الدعم والالتزام المجتمعي
زيارة المريض في سوريا.. عادة اجتماعية راسخة بين الدعم والالتزام المجتمعي
● مجتمع ٢١ أبريل ٢٠٢٦

زيارة المريض في سوريا.. عادة اجتماعية راسخة بين الدعم والالتزام المجتمعي

يحافظ السوريون على عادة زيارة المريض، وتُعدّ من التقاليد الاجتماعية الراسخة لما تحمله من بعد إنساني وديني، كما أنها تعكس قيم التضامن والتكافل في المجتمع، وتبرز أهميتها بشكل خاص في أوقات الأزمات والظروف الصعبة التي يمر بها الفرد.

وعند تعرض الشخص لظرف صحي، سواء مرض أو إجراء عملية جراحية أو غير ذلك، يتوافد الأقارب والأصدقاء والجيران للاطمئنان عليه وزيارته، وتقديم ما يمكن من الدعم المعنوي، وأحياناً المساهمة في بعض الاحتياجات المادية، بما يخفف من أعباء المرحلة التي يمر بها.

في هذه الحالات لا تقتصر الأمور على الزيارة فقط، بل تظهر أشكال مختلفة من الدعم بين الناس، فالبعض يحرص على طمأنة المريض بكلمات بسيطة تخفف عنه وتمنحه شيئاً من الارتياح، وآخرون يعرضون مرافقته إلى المستشفى أو المركز الصحي إذا لم يكن لديه من يرافقه، فيما يبادر آخرون إلى الاطمئنان على أسرته أو المساعدة في بعض شؤونها خلال فترة مرضه، في مشهد يعكس تنوع أشكال المساندة التي يقدمها الناس في مثل هذه الظروف.

ورغم أن زيارة المريض قد تبدو إجراءً بسيطاً ومعتاداً في الظاهر، إلا أنها تحمل أثراً إنسانياً واضحاً على المريض وأسرته. فهي تمنح المريض شعوراً بالمواساة وتؤكد له أنه ليس وحيداً في مرضه، وأن هناك من يشاركه هذا الظرف ويهتم بحاله، وهو ما ينعكس إيجاباً على حالته النفسية.

وفي المقابل، تمتد آثارها إلى أسرة المريض، إذ يجد أفرادها في هذه الزيارات والدعم المقدم من الآخرين نوعاً من التخفيف عنهم في ظل الانشغال أو الضغوط التي قد يمرون بها، ما يجعلها شكلاً من أشكال الإسناد الاجتماعي في مثل هذه الظروف.

ومن الجوانب المرتبطة بهذه العادة أيضاً، أن الزائرين ولا سيما الأصدقاء المقربون، يحرصون على مراعاة وضع المريض خلال الزيارة، حيث يتم اختيار الأحاديث بعناية لتكون خفيفة ومطمئنة، وتجنب أي كلمات قد تسبب له القلق أو الإزعاج.

كما قد يتفق بعضهم مسبقاً على طريقة الزيارة وتوقيتها، فيذهبون إليه بشكل جماعي في أجواء يغلب عليها الدعم النفسي والطمأنة، خاصة عندما يكون لهم مكانة قريبة من المريض، بما يضمن الحفاظ على راحته ويعزز شعوره بالأمان.

أحياناً تتحول هذه العادة من سلوك إنساني يقوم على الاختيار والدعم إلى نوع من الالتزام الاجتماعي الذي تفرضه العادات والتقاليد، حيث يصبح حضور زيارة المريض مرتبطاً بتجنب الحرج أو النقد المجتمعي أكثر من كونه مبادرة طوعية.

وفي بعض الحالات، يواجه أشخاص ظروفاً معيشية أو صحية أو مادية لا تسمح لهم بالزيارة أو بتقديم الدعم المتوقع، ما يضعهم تحت ضغط اجتماعي إضافي، خاصة عندما يُنظر إلى عدم الزيارة أو ضعف المساندة على أنه تقصير، رغم أن ذلك قد يكون خارج قدرتهم الفعلية.

كما أن البعد الجغرافي يشكل عاملاً مؤثراً في بعض الحالات، إذ يعيش بعض الأشخاص في مدن أو قرى أخرى، أو حتى خارج البلاد، ما يجعل الزيارة صعبة أو غير ممكنة، خصوصاً إذا كانت تتطلب تنقلاً أو سفراً طويلاً، من جهة أخرى تعيق الانشغالات العائلية أو الظروف المادية أو الصحية قدرة البعض على الحضور رغم رغبتهم في ذلك، ما يخلق نوعاً من الانقطاع القسري عن ممارسة هذه العادة الاجتماعية.

وقد شهدت عادة زيارة المريض بعض التغيّر مع تطور وسائل التواصل الاجتماعي، إذ بات البعض يكتفي بالاطمئنان على المريض عبر الهاتف أو من خلال الرسائل، للسؤال عن حالته ومتابعة وضعه الصحي، وهو ما يُعد بديلاً عملياً خاصة لمن تمنعهم الظروف من الزيارة المباشرة.

ومع ذلك، ما تزال الزيارة الحضورية تحظى بأهمية أكبر لدى كثير من العائلات، كونها تعكس حضوراً إنسانياً مباشراً وتعبيراً أوضح عن الاهتمام والدعم، وتبقى من العادات التي تحافظ على حضورها في المجتمع السوري رغم التغيرات والظروف.

وغالباً ما تمنح الزيارة المباشرة قدراً أكبر من الراحة النفسية لدى الشخص الذي يريد معرفة وضع المريض، مقارنة بالاتصال الهاتفي، إذ تتيح له رؤية المريض والتحدث معه وملاحظة حالته بشكل مباشر، ما يخفف من القلق ويعطي تصوراً أوضح عن وضعه الصحي، في حين قد يقتصر الاتصال على معلومات مختصرة لا تكفي لتكوين صورة كاملة، الأمر الذي يبقي مستوى القلق أعلى لدى من يعتمد عليه فقط.

وتحمل عادة زيارة المريض في سوريا واستمرار الحفاظ عليها دلالات واضحة، من أبرزها استمرار قيم التضامن والتعاون بين الناس رغم الظروف المختلفة، إذ يحرص الأفراد على الوقوف إلى جانب المريض وأسرته في وقت المرض. 

كما تعكس هذه العادة قوة العلاقات الاجتماعية والعائلية التي ما تزال حاضرة في الحياة اليومية، فيما يظل هدفها الإنساني قائماً على تخفيف معاناة المريض ومساندته، سواء عبر الدعم النفسي أو من خلال تقديم المساعدة الممكنة، بما يظهر حرص الناس على دعم بعضهم البعض في الأوقات الصعبة.

 

 

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ