توبيخ الطفل أمام الآخرين.. حين يتحول تصحيح الخطأ إلى إحراج
يلجأ بعض الأهالي إلى توبيخ الطفل أو معاقبته أمام إخوته أو أقاربه أو زملائه بهدف تصحيح سلوكه ومنعه من تكرار الخطأ، إلا أن هذه الطريقة قد تنقل الموقف من معالجة السلوك إلى تجربة يشعر خلالها الطفل بأن قيمته الشخصية أصبحت موضع تقييم أمام الآخرين.
وقد لا يتوقف أثر الإحراج المتكرر عند لحظة العقاب، بل يمكن أن ينعكس على ثقة الطفل بنفسه وعلاقته بوالديه، وقدرته على المشاركة والتعبير عن رأيه أو خوض تجارب جديدة دون خوف مفرط من الخطأ أو نظرة الآخرين.
العقاب العلني يهدد ثقة الطفل
قالت الاختصاصية النفسية سمية عبد الفتاح، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن ليس كل خطأ يرتكبه الطفل يحتاج إلى أن يتحول إلى لحظة تربوية أمام الآخرين، موضحة أن طريقة التدخل لا تقل أهمية عن السلوك المراد تصحيحه، لأن الطفل يتعلم خلال الموقف شيئاً عن نفسه ونظرة الآخرين إليه ومدى أمان علاقته بوالديه.
وأوضحت أن توبيخ الطفل أو معاقبته أمام الآخرين قد يجعله يشعر بأن المسألة لم تعد مرتبطة بسلوك خاطئ ارتكبه، وإنما بقيمته الشخصية وصورته أمام المحيطين به، ما يستدعي التمييز بين تصحيح السلوك ووصم الطفل بسببه.
وأضافت أن وجود الآخرين يضيف إلى الموقف الخوف من التقييم الاجتماعي، ومع تكرار هذه التجارب قد يبدأ الطفل في ربط الخطأ بالدونية بدلاً من ربطه بالتعلم وتحمل المسؤولية.
وبيّنت عبد الفتاح أن موقفاً محرجاً واحداً قد ينتهي دون أثر طويل المدى إذا عاد الطفل إلى بيئة آمنة وتحدث مع والديه وتلقى تفسيراً واحتواءً واعتذاراً عند الحاجة، لكن تكرار الإحراج أو عرض أخطائه أمام الآخرين أو مقارنته بإخوته وزملائه والسخرية منه قد يحول التجربة إلى مصدر ضغط نفسي متكرر.
الخوف من الخطأ قد يصبح خوفاً من المحاولة
أشارت عبد الفتاح إلى أن الطفل قد يبدأ تدريجياً في تكوين أفكار من قبيل «الآخرون يراقبونني» أو «من الأفضل ألا أتكلم» أو «يجب ألا أخطئ حتى أكون مقبولاً»، وهو ما قد يؤثر في كفاءته الذاتية ويجعله لا يتجنب الخطأ فحسب، وإنما يتجنب المحاولة نفسها.
وأكدت أن الخجل والإحراج مشاعر طبيعية، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الخوف من نظرة الآخرين عاملاً يتحكم في سلوك الطفل، فيتجنب المشاركة أو السؤال أو التجربة والتعبير عن رأيه خشية السخرية أو الانتقاد.
ولفتت إلى أن ردود أفعال الأطفال ليست واحدة، فقد يدفع الإحراج المتكرر بعضهم إلى الانطواء والتحفظ، بينما قد يستجيب آخرون بالغضب أو المعارضة والسلوك الدفاعي، ولذلك لا يكفي النظر إلى السلوك الظاهر لفهم ما يمر به الطفل.
الأمان النفسي يبدأ من الأسرة
أوضحت عبد الفتاح أن العلاقة الآمنة بين الطفل ووالديه لا تعني غياب الحدود أو إعفاءه من مسؤولية أخطائه، وإنما أن يعرف أن بإمكانه اللجوء إليهما عندما يخطئ أو يواجه مشكلة دون أن يشعر بأن الحب والقبول أصبحا مهددين.
وأضافت أنه عندما يحافظ الوالدان على كرامة الطفل مع وضع حدود واضحة، يتعلم أن الخطأ يمكن مناقشته وإصلاحه، أما عندما يصبحان مصدراً متكرراً للإحراج أمام الآخرين، فقد يتردد في إخبارهما بأخطائه ومشكلاته خشية تعرضه لعقاب أو إحراج جديد.
وأكدت أن الهدف من التربية لا ينبغي أن يكون دفع الطفل إلى الخوف حتى يتوقف عن السلوك، وإنما مساعدته على فهم سبب عدم ملاءمة ما فعله، وتحمل مسؤوليته، وتعلم طريقة أفضل للتصرف مستقبلاً.
كيف نصحح السلوك دون إحراج؟
وضعت عبد الفتاح قاعدة أساسية للتعامل مع أخطاء الطفل تقوم على «تصحيح السلوك دون إهانة الطفل»، موضحة أنه إذا كان الموقف يتطلب تدخلاً فورياً، يمكن للوالد إيقاف السلوك بهدوء وتأجيل النقاش التفصيلي إلى مكان خاص، بالقول مثلاً: «سنتحدث عن هذا عندما نكون وحدنا».
وبعد الابتعاد عن الآخرين، يمكن مناقشة ما حدث مع الطفل ومساعدته على فهم سبب عدم ملاءمة سلوكه ومن تأثر به وما الذي يستطيع فعله بصورة مختلفة مستقبلاً.
وأشارت إلى أنه إذا تسبب الطفل في أذى لشخص آخر، فمن المهم مساعدته على تحمل المسؤولية وإصلاح الضرر، سواء بالاعتذار أو تصحيح ما أفسده أو التفكير في وسيلة تمنع تكرار التصرف، بحيث يفهم أثر سلوكه بدلاً من أن يتعلم فقط تجنبه خوفاً من الإحراج.
السلوك خاطئ لا الطفل
شددت عبد الفتاح على أهمية الفصل بين الطفل وسلوكه في اللغة المستخدمة معه، فبدلاً من وصفه بعبارات مثل «أنت دائماً مزعج»، يمكن تحديد الخطأ نفسه بالقول: «رفع الصوت في هذا المكان غير مناسب»، بما يحافظ على الحدود التربوية دون المساس بكرامته أو صورته عن نفسه.
وأكدت أن التربية لا تستطيع منع الطفل من ارتكاب الأخطاء، لأنها جزء طبيعي من النمو والتعلم، وإنما تساعده على فهم الخطأ وتحمل مسؤوليته وإصلاحه ثم المحاولة مجدداً.
وخلصت إلى أن الطفل يحتاج إلى الحدود بقدر حاجته إلى الأمان، وأن الرسالة الأهم التي يمكن أن يتلقاها هي أن السلوك الخاطئ مرفوض ويمكن تغييره، دون أن يعني ذلك رفض الطفل نفسه، بما يساعده على بناء علاقة أكثر صحة مع الخطأ وذاته والآخرين، والتعلم من تجاربه دون فقدان شعوره بقيمته.